الأماني المزيفة والنتائج الصادمة
كتبه: علي داشي الخفاجي
حرر في: 2015/02/02
القراءات: 737

النفس الإنسانية بإمكانها أن تكون مصباحاً مضيئاً تنطلق منه أشعة التوحيد، أما إذا دُسّت في تراب الأمنيات والأحلام فإنها تخسر شعلة الإيمان والتوحيد.

إننا للأسف مازلنا نعيش أجواء الأماني إلى درجة لا نستطيع معها غض الطرف عنها، فلو لم تكن الأماني هي التي تخدعنا، ولو لم تكن الأحلام هي التي تبرر أعمالنا، والآمال التي تؤجّل مسيرتنا، لسهرت عيوننا من خوف الله عز وجل، و لوجلت قلوبنا لذكره، ولكانت الحقائق واضحة أمامنا، ولما غفلنا عن الموت وما وراءه، ولو كانت الأماني بعيدة عنّا لعشنا في كنف الله وحبه وقربه و ودّه، ولما استقرّت جنوبنا على مضاجعنا. ولكان كل واحدٍ منا ولياً من أولياء الله وجندياً من جنوده.

 

* الإنسان بين الوهم والحقيقة

مِن الناس مَن يعيش الوهم، ومنهم من يعيش الحقيقة، وبين الوهم والحقيقة مسافة شاسعة هي كالمسافة بين الحق و الباطل، والوهم الذي يعيشه الكثير من الناس يسمّى في بعض الحالات بـ»التمنّي».

وبما أن الأماني تمر على جميع العقول، فإنها قد تخطر على قلب المؤمن، ولكن لا تلبث أن تتبخّر وتتلاشى. ولا نقصد أن جميع الأماني هي ليست صحيحة، بل إن التي تبقى في جوف الإنسان من دون السعي في تحقيقها تسمّى أمنية، أما إذا بذل الإنسان جهوداً للوصول إليها فإنها تتحول إلى هدفيّة وطموح. فالقلب المريض يكون مستودعاً للأماني، ويتلهف لاستقبالها، حاله حال البيئة الفاسدة التي تستقبل المكروبات. فالقلب المريض الذي اخترقته الفواحش الباطنية، هو مرتع خصب لنمو وترعرع الأماني والأحلام، كما يشير ربنا سبحانه وتعالى إلى ذلك في قوله: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} (سورة الحج/53).

 إن مستقبل هذه الأمة ومصيرها بيد شبابها، وحينما يصل الشاب الى درجة الوعي بهذه الحياة يبقى يبحث عن النجاح، وهو يأمل أن يكون من الناجحين، فأول شيء يخطر في باله تجاه النجاح هو اتخاذ القرار، بمعنى انه يقرر أن ينجح، وهذه الخطوة هي الخطوة الصحيحة التي يخطوها كل ناجح، لأن كل نجاح بدايته قرار، فلو لم يقرر الناجحون أن ينجحوا لما نجحوا. والقرار هو نتاج الأماني والاحلام، والغالبية من هذه الرسومات الذهنية هي صحيحة، لكن القلّة القليلة هم الذين يصلون الى أمانيهم التي قرروا الوصول إليها، والأكثرية الباقية أولئك الذين غرّتهم الأماني وأغرقتهم في سمومها. ولكن لماذا كان الفشل هو لباس الأكثرية من هؤلاء، مع أنه لا يوجد هناك شخص منهم يريد الفشل لنفسه بل العكس، إنما كلُ واحد ٍمنهم يأمل الخير لها؟!

كل من خاض أمواج التمنيات ولم يكن يعرف قاعدة التمييز بين الأمنية والحقيقة، أصبح مصيره الفشل، لأن الأمنية شيء والحقيقة شيء آخر، فالأماني لا يحتاج لها أي تكلّف وجهد، فقط تحتاج التأمل والتفكير فيها ومواكبة أمواجها القاتلة، وهذا في الحقيقة هو اسلوب يستعمله الإنسان لخداع نفسه، أما الحقيقة فتحتاج الى تكلّف وجهود مستمرة، فلنفترض مثلاً أنك تتمنى أن تصبح كاتباً مرموقاً، فهذه الأمنية حتى تتحول الى واقع عملي، وليست مجرد وهم وحلم، يجب ان يقترن بها التخطيط والجدية والمواظبة على التجديد والإبداع، وعدم اليأس والتراجع، إلى أن تصل إلى النتائج المرضية والتي تلبسك لباس النجاح.      

ولعلنا نجد من يميّز بين الأمنية والحقيقة، ولكنه لم يتمكن من تحقيق أمنياته التي رسمها في ذهنه ودوّنها على الأوراق والتي رسم لها المخططات، فيا ترى إلى أي شي يعود السبب؟

في معرض الاجابة؛ يجدر القول إن أبرز العوامل التي أدت به الى الفشل، التواني، وفي هذا المضمون يقول مولانا أمير المؤمنين، عليه السلام: «من أطاع التواني ضيّع الحقوق وأحاطت به الندامة». إذن؛ فالتواني، بمعنى؛ طول الأمل، يُعد مرضاً خطيراً ومُهلكاً، وهذا المرض العِضال بات يوجّه ضربات موجعة باتجاه الأماني الحقيقية، فليس علينا إلا الحذر الشديد المستمر منه، حتى لا نقع في منحدر الفشل والضياع.


ارسل لصديق