لندرس التاريخ حيّا نابضاً
كتبه: علي عبد الحسين
حرر في: 2012/08/16
القراءات: 1185

هناك مؤرخون كثيرون يدرسون التاريخ للتاريخ، ولا هدف لهم الا اضافة مجموعة معارف الى معلوماتهم، وهذا الاتجاه هو السائد حاليا عند الـمؤرخين الاكاديميين في العالـم.
بينما هناك اتجاه آخر يقول: إن التاريخ يُدرس لهدف، وهو اعادة بناء حياة الانسان، والدليل على صواب هذا الاتجاه، أن مواقف الانسان تتحدد وفق رؤاه للحياة. مثالا على ذلك، الجيش الذي ينهزم ينقسم أفراده الى نوعين:
النوع الاول: لا يزيده الانهزام إلا تحدياً.. فهو يتحدى و يقاوم، وقد تعني تلك الهزيمة بالنسبة الى هذا النوع مـن الجنود انتصارا لانهم يمتلكون موقفا تجاه الهزيمة وذلك الـموقف هو التحدي.
النوع الثاني: تسبب له الهزيمة العسكرية انهياراً نفسياً، و هؤلاء هم عادة الاكثرية، فالهزيمة الخارجية تنعكس على انفسهم فينهزمون نفسياً، وينهارون وربما الى الابد.
ذاك على صعيد الأمم والشعوب، أما صعيد الافراد، فنحن نجد بعض الشباب الذين يذهبون لمواصلة تعليمهم العالي في بلاد الغرب، ينتابهم شعورٌ بالضعة والمهانة، وهم يرون الفرق الشاسع بين ما يرونه من مظاهر التطور والنظام والرفاهية، وبين تركوه خلفهم في بلادهم، فيشعرون بالهزيمة النفسية، التي تنعكس على سائر نواحي حياتهم، فاذا بهم يتبعون في علاقاته الاجتماعية النمط الغربي، بينما اذا كان الشاب يحمل وعياً وثقافة واحتراماً لتاريخه، فانه لن يستهين فقط بما يراه من مظاهر، وإنما يعمل على تأصيل القيم والافكار التي حملها الى هناك ويكرسها في نفسه. ومن ثم تسهل عليه عملية التحدي.
ومـن هنا، علينا أن ندرس التاريخ بشكل يفيدنا للواقع الذي نعيشه، وحسب تعبير احد الـمؤرخين «ان كل جيل يكتب تاريخه بيده»، والسبب في ذلك إن لكل جيل طموحاته ومشاكله، كما ان كل جيل يحمل شخصية معينة، لذلك فان نظرته الى التاريخ لابد ان تصاغ بحيث تحقق تلك الطموحات. وبالطبع سوف تختلف آنئذ عن نظرة سائر الاجيال سواء السابقة أو اللاحقة.
هذه الحقيقة تنعكس على موقفنا مـن التاريخ الذي سيكون موقفا ايجابيا عندما نهضم التاريخ ونستفيد مـنه ونحوله الى وقود لتحركنا في الحياة. لكن كيف السبيل الى ذلك؟
يتم ذلك عبر النظر الى التاريخ وكأنه شيء حيّ ينبض بالحركة امامـنا. فحينما يدرس الواحد مـنا حياة الامام علي عليه السلام كونه نموذجاً حيّاً يواكب الزمن، فإن نظرته ستختلف للامام عليه السلام عن ذلك الذي يدرس حياته بوصفه شخصاً عاش قبل (1400) سنة.
ومثال آخر؛ الامام الحسين عليه السلام واستشهاده في كربلاء، فنحن نعرف ان الامام الحسين عليه السلام جاء الى ارض كربلاء، وتعرض لـمجموعة جراحات و أصابه سهم في قلبه و جبهته و وقع مـن على ظهر الفرس مغشياً، الى آخر التفاصيل.. ولكننا لا نفهم عمق هذه الاحداث و الوقائع، لاننا ندرسها صوراً جامدة، وليس في حياة بشر حيّ، ولا نستعرض في مخيلتنا أن هذا الانسان الذي هو مـن لحم ودم، كيف يتألـم حينما يقع سهم في جبهته، وكيف يتعذب حينما يُذبح ابنه الرضيع وهو في حجره، وكيف يتألـم حينما يعلـم بان عائلته سوف تُسبى مـن بعده. فحينما نتصوره على ارض الواقع كبشر مثلنا، فان نظرتنا ستختلف بالنسبة لهذا الرجل العظيم، ومن ثم ستختلف استفادتنا مـنه.
وفي دائرة أوسع في قضية الامام الحسين عليه السلام، علينا أن نُحاط علـماً بالتيارات الاجتماعية والسياسية في البلاد الاسلامية، و موقف الامام مـنها، وكذلك نعرف الحكمة مـن وجوده في مكة الـمكرمة وخروجه الى كربلاء، وحينما هبط الامام الحسين الى ارض العراق، كيف كان وضعها الاقتصادي والاجتماعي؟ وكيف تحولت الكوفة بين عشية وضحاها مـن مؤيدين لـمسلـم بن عقيل الى متخاذلين. ؟! وما هي الظروف النفسية والسياسية والاجتماعية في الكوفة؟ وما هو مستوى الثقافة الدينية لديهم؟
والامر لا يتوقف عند معرفة شخصية الامام الحسين وسائر الأئمة المعصومين عليهم السلام، إنما الأهم من ذلك، هو استلهام الدروس والعبر، واتخاذها منهجاً وقانوناً في حياتنا، وإلا ما الذي دفع بآلاف المسلمين أن ينخرطوا في صفوف القوات العباسية التي حملت شعار (يا لثارات الحسين) للقضاء على الدولة الاموية؟ غير الجهل بتفاصيل قضية الامام الحسين عليه السلام وبطريقة الأخذ بثأره.. 
إن دماءً غزيرة أريقت على الارض وانتهاكات عظيمة حصلت وتضحيات جسام قدمها الموالون لأهل البيت عليهم السلام، منذ استشهاد الامام الحسين عليه السلام سنة (61)هـ وحتى اليوم، وهي مستمرة مع الزمن، للمضي في الطريق الذي سار عليه الامام عليه السلام، والجميع مضى على نيته لنصرة الامام الحسين وتلبية داعي الله، وقطعاً أن الله تعالى يثيب الانسان المؤمن على قدر نيته، لكن في نفس الوقت، علينا الانتباه الى «أن العبرة بالنتائج»، فالامام الحسين عليه السلام لم يسترخص دمه ودماء أهل بيته ويقدم على هذا التحدي التاريخي العظيم، وصناعة هذا الحدث الاستثنائي، إلا بعد ان تيقن النصر المعنوي وأنه بذلك يؤدي رسالته الحضارية والانسانية الى العالم والاجيال الى يوم القيامة، ولذلك نجده يرفض عرض «ابن الزبير» بالبقاء في مكة لمواجهة الدولة الاموية، لأن هذا البقاء، بما يحيط به من ظروف وعناصر وعوامل، غير مؤهل لأن يكون في خدمة الرسالة المحمدية والاهداف الإلهية، كما تحقق ذلك باستشهاده بتلك الظروف والعوامل والتفاصيل على أرض كربلاء. 


ارسل لصديق