«هَجْر» القرآن الكريم وأسباب التخلف الحضاري
كتبه: مصطفى الطرفي
حرر في: 2015/07/26
القراءات: 1094

القرآن الكريم، كتاب الله - تعالى- منه بدأ الأمر وإليه يعود، نزل به جبرائيل على قلب النبي محمد، صلى الله عليه وآله، بلسان عربي مبين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. قال تعالى: ﴿ألمْ ذَلِكَ الكِتَابُ لاَريْبَ فِيهِ هُدَىً للمُتّقِينَ (سورة البقرة، الآية:1-2)، تكفّل الله بحفظه، وتَعَبّدَنا الله بتلاوته وتدبر آياته ومعانيه {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}. (سورة محمد، الآية:24)

 

 النبي الأكرم يحذر من هجر القرآن

{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً} (سورة الفرقان، الآية:30). في هذه الآية يشكو الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، إلى الله تعالى من هجر قومه للقرآن العظيم، وقومه هم أمته وأتباعه، اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً، وإنما قال سبحانه «اتخذوا» ولم يقل «هجروا»، ليدلل على أن الهجر صار ديدنهم ومنهجهم وطريقتهم في التعاطي مع القرآن العظيم. وقد اختلف المفسرون في المدلول الزمني لهذه الآية، فهل حدثت هذه الشكوى في زمن النبي؟ أم أنه سيرفعها الى الله في يوم القيامة؟

بعض المفسرين قال: إنها حصلت عندما كان الرسول يقرأ على قومه القرآن وهم يستنكفون الاستماع إليه، «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ». (سورة فصلت، الآية:26)

ويرجح عدد من المفسرين أن تكون هذه الشكوى يوم القيامة، وأن الفعل «وقال» فعل ماض، لكنه يدل على تحقق ما سيقع في المستقبل، إنزالاً لمنزلة ما سيقع حتماً بمنزلة ما وقع فعلاً، وهذا ما يُستفاد من السياق العام للآية، إذ يقول سبحانه: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلانسَانِ خَذُولا * وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} (سورة الفرقان، الآية:28 - 30)، والروايات تؤكد على مثل ذلك أيضاً، وتندد بأولئك الذين يهجرون القرآن، فقد ورد عن الفضل بن شاذان، أنه سمع الإمام الرضا، عليه السلام، يقول مرة بعد مرة: «فإن قال: أفلم يُؤمروا بالقراءة في الصلاة؟ قيل: لئلا يكون القرآن مهجوراً مضيعاً وليكون محفوظاً فلا يضمحل ولا يُجهل».(1) وعن الإمام الباقر، عليه السلام: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: أَنَا أَوَّلُ وَافِدٍ عَلَى الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ كِتَابُهُ وَ أَهْلُ بَيْتِي ثُمَّ أُمَّتِي ثُمَّ أَسْأَلُهُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ بِأَهْلِ بَيْتِي».(2)

وتوعّد الله سبحانه الذين يُعرضون عنه فقال: {وقد آتيناك من لدنا ذكراً * من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً * خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا}. (سورة طه، الآية99-101) ثم صوّر حالة ذلك المعرض يوم القيامة فقال: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا * ونحشره يوم القيامة أعمى }. (سورة طه، الآية123-124)

لقد جمع الله في القرآن الكريم، خير الدنيا والآخرة، من تمسك به نجا ومن أعرض عنه فقد ضل وهوى، ومن ينظر إلى أحوالنا يجد أن أثر القرآن في الواقع وفي القلوب يكاد يكون معدوماً، إذ إن القرآن الذي كان عند النبي والعترة، صلوات الله عليهم أجمعين، هو نفس القرآن الذي بين أيدينا فما هو الخلل إذاً؟!

 

 أسباب وراء الهجران

هنالك اسباب عديدة يعود بعض منها الى سلوكيات البعض، كما تعود الى التوجه الثقافي والفكري لدى البعض الآخر، نذكر جملة منها:

الأول: الانشغال بغير القرآن عن القرآن! فقد أصبح جل اهتمامنا وشغلنا بغير القرآن الكريم، مما أدى إلى التشاغل عنه وهجره.

ثانيًا: عند قراءتنا للقرآن الكريم، لا نختار الزمان والمكان المناسبين، فالمكان الهادئ والخالي من الضوضاء، يعين على التركيز وحسن الفهم وسرعة التجاوب مع القراءة، ويسمح لنا كذلك بالتعبير عن مشاعرنا إذا ما استُثيرت بالبكاء والدعاء، وعدم لقائنا بالقرآن في وقت النشاط والتركيز بل في وقت التعب والرغبة في النوم، إلى جانب أننا لم نعمل على استجماع مشاعرنا قبل القراءة، ولم نتخذ الوسائل المؤدية لذلك كالدعاء وتذكر الموت، والاستماع إلى المواعظ.

الثالث: علينا ونحن نقرأ القرآن أن تكون قراءتُنا متأنيةً، هادئةً، مرسلةً، وهذا يستدعي منا سلامة النطق وحسن الترتيل، كما قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، (سورة المزمل، الآية4) وعلى الواحد منا ألا يكون همّه عند القراءة نهاية السورة، بل لا ينبغي أن تدفعنا الرغبة في ختم القرآن إلى سرعة القراءة.

الرابع: القراءة خطاب مباشر من الله -عز وجل- لجميع البشر، وهو خطاب يشمل أسئلةً وإجاباتٍ ووعداً ووعيداً، وأوامرَ ونواهي، فالتجاوب مع تلك العناصر يساعدنا على زيادة التركيز عند القراءة.

الخامس: أنزل الله -عز وجل- كتابه الكريم حتى يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ونهاهم - سبحانه- عن التحكيم أو التحاكم إلى غير القرآن، فإن البعض من أوساط المجتمع قاموا بترك التحكيم بالقرآن الكريم، وعدم الاحتكام إلى آياته المباركة.

السادس: الجهل باللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم، عند بعض الناس الذين يلقون صعوبة في قراءته والتدبر في آياته، مما يؤدي ذلك إلى جزع القارئ في قراءته لكتاب الله العزيز.

السابع: الاعراض والبعد عن القرآن، وعدم التفرّغ لسماعه والإنصات اليه، والتشاغل عنه بالحديث الجانبي مع هذا او ذاك، وهذا ما نلاحظه في بعض مجالسنا، لاسيما مجالس الفاتحة، كما لو أن قراءة القرآن الكريم في هذه المجالس، عملاً «روتينياً» لا علاقة بالجالسين له!.

الثامن: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، لأن القرآن إنما نزل لتحليل حلال الله - تعالى- وتحريم حرامه، والوقوف عند حدوده.‏

التاسع:‏ عدم التدبر في آيات القرآن الكريم والتمعّن في دلالاته ومعانيه، وهو مطلب شرعي، بدليل دعوة القرآن الكريم اليه، كما حثت السنة المشرفة عليه، وعمل به أهل البيت، عليهم السلام، ومن بعدهم، قال تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته، (سورة ص، الآية:29). وجاء أيضاً: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}. (سورة محمد: 24).‏

العاشر: تجاهل مسألة الاستشفاء به والتداوي به في أمراض القلوب والأبدان، وقد وردت نصوص كثيرة في أن القرآن الكريم شفاء؛ قال تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين (سورة الإسراء، الآية:82]. وقال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء}،‎‎ وفي سنّة الرسول، صلى الله عليه وآله، تطبيقات عديدة للتداوي بالقرآن، سواء كان دواء للأبدان، أو للنفوس على حدٍ سواء، وهجر الاستشفاء بالقرآن خلاف السنّة، فهو مذموم وممقوت.

 

 آثار وضعية ومباشرة

ولنعلم جميعاً؛ أن لهجر القرآن الكريم آثاراً سلبية على المسلم والمجتمع، فعلى المسلم أن يتنبه لها، منها:

1- قسوة القلب: لأن القرآن الكريم يعمل على ترقيق القلوب المؤمنة، فهي تطمئن بذكر الله: {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، (سورة الرعد، الآية:28)

2- الحرمان من شفاعته يوم القيامة، فقد جاء في الأحاديث الشريفة أن القرآن الكريم، شافعٌ ومشفّع، وماحق و مُمحّق.

3- إماتة السنّة المشرفة وانتشار البدعة، فبسبب الإعراض عن كتاب الله، تكون الارضية مهيأة في المجتمع لاختلاق العادات والتقاليد التي «ما نزل الله بها من سلطان»، وهذا ما يؤدي - قهراً- الى تكريس الجهل في المجتمع وهيمنة السلطات الفاسدة وتفشي الميول والغرائز.

 

 القرآن مشروع تحرير وتنوير

يحمل القرآن في طياته القيم والمفاهيم والبرامج التي يحتاجها الإنسان في حياته، فهو - بحق - مشروع تحرير وتنوير، جاء في قوله - تعالى-: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (سورة الأعراف، الآية:157)، وعلى الرغم من أننا نقرأ هذه الآية وأمثالها ولكنها لا تحرك فينا ساكناً، ذلك لأننا نعيش حالة الهجر مع القرآن، كالولد الذي يسمع كلمات أبيه دون أن يعمل على تطبيقها استهانة منه واستخفافاً بها. إن أمتنا الإسلامية تمتلك أفضل البرامج وأفضل القيم لإدارة حياتها؛ وأول برنامج يقده القرآن الحكيم؛ العلم والتعلم، {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، (سورة العلق، الآية:1) فما مدى استجابتنا لقراءة هذه الآية الكريمة، وهي أول آية نزلت من السماء؟

فأين نحن من «الشورى»؟ وأين نحن من «التعاون على البرّ»؟ وأين نحن من «الاعتصام جميعاً بحبل الله»، والتواصل والتواصي؟ وكيف وصل لنا الحال الى ما نحن عليه من مستوى متدني في السياسة والاجتماع والوعي الديني؟ إن تخلفنا في كل ذلك مؤشر واضح على داء الهجر الذي انتابنا فصار القرآن لا يتجاوز تراقينا!

ينبغي لنا أن نراجع أنفسنا، وقد جاء في الحديث عن المعصوم: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا»، وذلك على الصعيدين؛ الظاهري والباطني (الفكري والثقافي)، وعلينا أن نتساءل عما يجب فعله حتى يصدق علينا أننا متمسكون بالقرآن الكريم، بعيدين عمن شكا منهم الرسول الأعظم، وجاءت بحقه الآية الكريمة: {يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً}. جاءت النصوص الكريمة من القرآن والسنة الشريفة، ترشد الأمة إلى تعاهد القرآن بالتلاوة والتدبر، وتحذر كل الحذر من التقصير في حقِّه، أو هجران تلاوته والعمل به،‏ والفوز بمرتبة الخيّرين التي ذكرها النبي، صلى الله عليه وآله، حينما قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، وجاء عن الإمام الصادق، عليه السلام، أنه قال: «السُّورَةُ تَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ قَدْ قَرَأَهَا ثُمَّ تَرَكَهَا فَتَأْتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ مَنْ أَنْتِ فَتَقُولُ أَنَا سُورَةُ كَذَا وَ كَذَا فَلَوْ أَنَّكَ تَمَسَّكْتَ بِي وَ أَخَذْتَ بِي لَأَنْزَلْتُكَ هَذِهِ الدَّرَجَةَ».(3) وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (الصادق، عليه السلام): «قَالَ الْقُرْآنُ عَهْدُ اللَّهِ إِلَى خَلْقِهِ فَقَدْ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَنْظُرَ فِي عَهْدِهِ وَ أَنْ يَقْرَأَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسِينَ آيَةً».(4)

فالله الله في العناية بكتاب الله تلاوةً وحفظاً وتدبراً، والحرص على تعلم القرآن وتعليمه، والإنفاق في سبيل ذلك على حلقات تحفيظ القرآن الكريم والعمل على تشجيع أبنائنا وبناتنا، بشكل خاص، للالتحاق بتلك الحلقات؛ لما في ذلك من خدمة للقرآن وعلومه.

----------------

1- الصدوق: ابو جعفر محمد ابن علي- عيون اخبار الرضا، ص113

2- الشيخ الحويزي- تفسير نور الثقلين، ج4.

3- الحر العاملي- وسائل الشيعة، ج6.

4- المصدر السابق، ص 158


ارسل لصديق