الهدفية تحصن العلم من مهاوي الانحراف
كتبه: مرتضى محمد
حرر في: 2015/08/26
القراءات: 605

كانوا في قارب صغير، في بحر لجّي، وإذا أحدهم يقوم بخرق القارب، ولم تمر اللحظات طويلاً إلا وهم بين غريق وناج!

ترى من المُحاسب في هذه الحادثة؟ هل خارق السفينة الجاهل أو المجرم، أم العالم الذي لم يقم بواجبه بمنع عملية الخرق؟

إنها الحقيقة التي نعيشها اليوم ـ و في كل يوم ـ حيث يقوم البعض جهلاً وآخرون عن دراية وخبث بخرق سفينة المجتمع الذي نعيش فيه، ليغوص المجتمع في ظلمات الجهل والتخلف والفساد. فمن المأمور بالوقوف أمامهم؟ وعلى عاتق من تقع مسؤولية الإصلاح؟

ولعل السؤال الأهم والأبرز هنا، كيف يمكن له القيام بذلك؟

القرآن الكريم حدد لنا معالم النجاة في هذه الحياة، فهو كتاب الحياة الذي لو تمسكنا به وبعدله من الثقلين، سعدنا في الدنيا ونجونا في الأخرى، يقول تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ}.

إنهم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض؛ إنهم العلماء، فهم من يقفون أمام زحف البشرية نحو النهاية المدمرة فالإصلاح وظيفة العلماء الأولى، فالعالم اليوم يسير بخطوات واسعة وحثيثة نحو الهاوية بدءا بالحروب وسباق التسلح، مروراً بالاحتكار ودولة الأموال بين الأغنياء، وانتهاءً بتشريع الفساد حيث يشرع زواج المحارم والمثليين جهاراً نهاراً!

وهنا يأتي دور العلماء لتحدي كل هذا الواقع المرير الذي لم يكن إلا نابعاً من الجهل والتخلف رغم أنه لبس لباس الحضارة الأنيق.

ولكي يقوم العلماء بواجبهم ينبغي أولاً أن يحصنوا العلم من مهاوي الانحراف، أليس دعاة الانحراف في العالم هم دعاة العلم والعلمانية أيضاً؟!

إن هدف العلم هو الذي يحصّنه من الانحراف، وهو الذي أشارت اليه الآية المباركة بجعل الهدف من العلم الإصلاح وإنقاذ الناس، فاذا كان العلم وسيلة من أجل تحقيق هدف إنقاذ الناس و إصلاحهم فإنّ منهجيّته تختلف تبعاً لهدفه أيضاً، أما إذا انسلخ العلم عن هدفه فانه سيضيع في متاهات الحياة ليضيع الناس معه، وهدف العلم هو إصلاح العالم، ومن هنا فعلى العالِم أن يتعلم الدين والحياة بعمق، ذلك لان السياسة ـ التي هي جزء من أمور الحياة مثلاً ـ ليست جزءاً منفصلا عن الدين، وعلم النفس والاجتماع والاقتصاد والعلوم الحديثة الأخرى وهذه العلوم بدورها ليست بمعزل عن وظائفنا بل هي جزء منها، ولان ضلالات كثيرة قد افتعلت في هذه العلوم علينا أن نفندها بنور الإسلام والقرآن.

وهكذا فإن عملية تلقي العلوم و الآداب باتت ضرورة من ضرورات العصر، فعبر الأدب- مثلاً- نستطيع تعلم فن كتابة القصة، ومن خلاله يمكننا الدعوة إلى الخط الذي التزمناه في الحياة، وعبره يصبح بمقدورنا نشر فكر الرسالة والتحدث عن آفاقه وأبعاده.

  فالتعلم واجب ملقى على عاتقنا، وهو حجة الله البالغة علينا يوم القيامة حيث يسأل الله سبحانه من يحتج عليه بعدم العلم، «هلا تعلمت»؟

وعندما نحوّل هذا العلم إلى طاقة متفجرة ونضع الهدف ـ وهو الإصلاح ـ نصب العين، سنكون من «الأولو بقية» التي تحدثت عنهم آيات القرآن الكريم، وهم صمام أمان الأمة، فقد قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}.

ومن هنا فإن النهي عن الفساد، والاصلاح هما الهدف الذي ينبغي أن يؤطر العلم بإطاره حتى لا تنحرف مسيرة العلم عن الجادة، و بحمل هذا العلم نرجو أن نكون ممّن أنجاهم الله، و اصطفاهم من سائر خلقه مع من اصطفى من المحسنين المصلحين.


ارسل لصديق