«... وجعلتم فيه من اهل كرامة الله»
كتبه: مرتضى محمد
حرر في: 2016/06/30
القراءات: 683

{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا}، (سورة الإسراء: 70)

لو عرف الإنسان نفسه فإنه سيطوي مسافة شاسعة جداً، وسيقترب إلى حيث أراد الله وإلى ما يتطلع إليه من التعالي والتسامي.

فليس الإنسان كسائر المخلوقات التي وُجدت في هذه الحياة، فتراها تتمتع وتهيم ثم تغادر الدنيا كما جاءت.

كلا؛ فنحن ممن خلقه الله وكرّمه وفضّله وسخر له الأشياء ليكون مستحقا لخلقته، وليسمو إلى مستوى ضيافة الرحمن ويكون جليساً في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

ولو فكر الإنسان بعقله لرأى أن هذه الفرصة، لا يمكن لأي عاقل أن يفوتها؛ ولكن للأسف نرى الملايين، بل آلاف الملايين من البشر أضاعوا فرصة عمرهم عبر التاريخ، فهبطوا إلى مستوى البهائم، ولم يعد ثمَّ فرق بينهم وبينها؛ بل هم أضل سبيلا.

وتحرر الانسان من المعايير والقيم، ما هو إلا عدم خضوعه لغير العقل؛ فالعقل يهديه إلى الله والشرع القويم، ويجنبه الوقوع في كمائن الشيطان والشهوات، والاستسلام للضغوط والإرهاب، لأن الإنسان الحر بحق يرى نفسه أكبر من السقوط، وأشرف من الشهوات، وأقوى من الضغوط والإرهاب والأطماع والرغبات والأنانيات، وإذا كان الإنسان كذلك، فإنه استحق الحياة وسما إلى حقيقة الإنسانية وجوهرها؛ ولكنه إذا انهار أمام ما يتعرض له من الفتن، فلا يسعه ادّعاء الحرية والكرامة، كما لا يمكنه اشتراط عدم تعرضه للمصاعب والفتن في إطار نيله الكرامة.

إن الإنسان خلال حياته الدنيوية، محكوم في الخوض في الفتن والتعرض للإرهاب والرغبات والبلاء عموما، كما أن التاريخ يضغط عليه، وايضاً عوامل التربية والمجتمع والسلطة، وغيرهم؛ وكلٌ يريد سرقة الحرية والكرامة منه، وهو في ذلك؛ ملزمٌ بالانتصار على كل هذه العوامل، وهو ليس بالمستحيل على الإنسان الطموح إلى بلوغ جوهر الإنسانية ومن ثم جنان الخلد ورضوان الله.

والخطوة الأولى على طريق الفلاح للإنسان؛ إثارة فطرة الكرامة عند الإنسان، وأن يتطلع إلى الأسمى، وأن يعلم أنه إنما خُلق ليعبد الله وحده فيحظى بكرامته البالغة ولا يكون ذلك إلا في مراتب مختلفة فإن للكرامة مراتب مختلفة.

 

 رسالة الكرامة للإنسان 

ما هو الفلاح؟ وما هي السعادة؟

كثيرون يزعمون أنهم يعرفون الخير، ولكن الحقيقة هي أن الكثير من البشر يعيشون العذاب ويعانون الهوان، وإنما حياتهم أشبه بالممات؛ فلا هي حياة، ولا هي ممات!

والسبب في ذلك؛ أنهم لم يتذوّقوا طعم الكرامة، لذا فان أوّل مسؤولية يمكن لأي مصلح ومربٍّ أن يؤدّيها، هي إثارة مشاعر الإنسان السليمة، وتطلّعاته الفطرية، ومخاطبته كإنسان، وتذكيره بأنه لم يولد لكي يُعذَّب، وأن العذاب ليس مصيره الأبدي.

ولطالما كان الأنبياء والأئمة وخلفاؤهم، يُبَيِّنُون دور الإنسان وآفاق كرامته، وأن هذا المخلوق لم يوجد إلَّا ليعيش في مملكة المحبّة والعدل والحرّية والكرامة، ويؤكدون لابن آدم ضرورة التطلّع إلى امتلاك الجنّة، وأن يسمو في تكامله إلى حيث وصفه الربّ المتعال: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}، (سورة القمر: 55)، بمعنى أن يكون جليس الرحمن.

هذه؛ هي الخطوة الأولى التي لابدّ أن يخطوها الإنسان نحو الفلاح والسعادة؛ إذ يثير تطلّعاته المشروعة، ويعرف لِمَ خُلق.

إن هناك من الثقافات الجاهلية ما هو قائم على الخرافة، يحاول الطغاة وأعوانهم بثها بين الناس، لانتزاع الكرامة من الإنسان، حتى إنّهم ليوحون له بأنه قد خُلق ليُعَذَّب، وقد أضحى من البشر اليوم من يُحرِّم على نفسه ممارسة أي نوع من أنواع استثمار طيبات الحياة ولذائذها، ومن الناس عبر التاريخ من انتُزعت منه الكرامة، حتى على مستوى الإحساس، وقد قيل له من قبل: إنك خُلقتَ عبداً، ولا بدّ أن تبقى عبدًا، فيما الرسالات الإلهيّة ترفض ذلك رفضاً قاطعاً، إذ إنَّ الله -تعالى- خلق الإنسان في أحسن تقويم، وقد قال بعد أن خلقه: {...فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}، (سورة المؤمنون: 14).

 

 المرتبة الأولى: العيش الكريم

ومن هنا فإن أول مرتبة من مراتب الكرامة هي أن يعيش الإنسان في هذه الحياة كريماً، لذا لا يجوز لأحد أن يتعرض لكرامة الآخر، بل لا يجوز للانسان أن يهين نفسه، بأن يبيع حريته -مثلاً- وإذا كان أحدٌ لم يفهم هذه الحقيقة بعدُ، ويعجز عن تصوّر الآفاق التي يتكامل بها؛ فإن رسالة السماء بآياتها، وبأحاديث النبي، صلى الله عليه وآله، وأهل بيته، عليهم السلام، وحتى أدعيتهم المأثورة التي هي بمثابة كنوز إلهيّة، من شأنها أن ترفع من مستوى وعيه بحقيقة الوجود الإنساني والحكمة الربّانية التي تقف وراء خلق الإنسان.

والنبي، صلى الله عليه وآله، يبين لنا في هذه الخطبة المباركة أن ضيف الله في هذا الشهر هو من أهل الكرامة، لذا يستحب أن يدعو الإنسان دائماً وأبداً بأن لا يجعل له حاجة الى شرار خلقه بل من تكريم الله لبني الإنسان أن جعله لا يسأل غيره -تعالى-، ألم نقرأ في دعاء ابي حمزة الثمالي في هذه الليالي: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي لا أَدْعُو غَيْرَهُ وَلَوْ دَعَوْتُ غَيْرَهُ لَمْ يَسْتَجِبْ لِي دُعائِي...»!، وفي مقطع آخر: «وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي لا أَرْجو غَيْرَهُ وَلَوْ رَجَوْتُ غَيْرَهُ لأخْلَفَ رَجائِي».

فالحاجة الى الآخرين، هي نوع من المذلة، وقد اشتهر أن «السؤال ذل وإن كان أين الطريق»؟! وإذن؛ فقد خلق الله -تعالى- الإنسان ليعيش في أرغد عيش لا أن يعيش حياة الهوان ، نقرأ في الدعاء: «وَاجْعَلْنِي مِمَّنْ أَطَلْتَ عُمُرَهُ وَحَسَّنْتَ عَمَلَهُ، وَأَتْمَمْتَ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَرَضِيتَ عَنْهُ، وَأَحْيَيْتَهُ حَيَاةً طَيِّبَةً فِي أَدْوَمِ السُّرُورِ وَأَسْبَغِ الْكَرَامَةِ وَأَتَمِّ الْعَيْشِ».

وعن الإمام السجاد، عليه السلام، أيضاً: «اللهم صُن وجهي باليسار، ولا تبتذل جاهي بالاقتار، فأسترزق طالبي رزقك، فأفتتن بحمد من أعطاني وأبتلى بذم من منعني، وأنت مع ذلك ولي العطاء والمنع»، اللهم إن العطايا من يدك وبيدك، فلا تجعلني محتاجاً إلى غيرك فاضطر إلى مدحه، في الوقت الذي تكون أنت فيه أولى وأحق بالمدح والثناء والشكر، وأذم من منعني في الوقت الذي تكون أنت فيه سبب العطاء والمنع.

 

 المرتبة الثانية: الكرامة من الخضوع لله

آسية بنت مزاحم زوجة فرعون، جاهدت، بما للكلمة من معنى لنيل كرامتها وحريتها، ولم يخدعها ما كانت تتمتع به من إمكانات، كما لم يثن عزمها التعذيب الفرعوني الرهيب. ومثل آسيا الآلاف المؤلفة ممن استعادوا حرياتهم الحقيقية، ونالوا كرامتهم الحقيقية، مفضلين التحدي وتجاوز العقبات الكئيدة على الخضوع للشهرة العابرة، والسقوط في مهاوي الدنيا المتلونة المضطربة.

إن الله - تعالى- كرّم بني آدم من أن يخضع لغيره -عزوجل- وأن يجعل جبهته على الأرض خضوعاً لغيره، فمن المحرمات؛ السجود لغير الله - تعالى- أنّى كان، ولذا تجده يتحدى كل الضغوط مهما بلغت من شدة قائلين لها: [إقض ما أنت قاض * إنما تقضي هذه الحياة الدنيا].

وهذا سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، علمنا والأجيال من قبلنا كيف أن الموت أولى من ركوب العار، وأطلق كلمته المشهورة: «إني لا أرى الموت إلا سعادة والعيش مع الظالمين إلا برما».

وهذه الكرامة قد تتوج بأن يكرم الله -تعالى- العبد فيجعله في عداد الشهداء، ولذا قالوا، عليهم السلام: «الموت لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة».

ويكرّم الله - تعالى- هذا العبد المؤمن بما لا يكرم غيره في الدنيا قبل الآخرة، ألا نرى كيف أن شهيد الكرامة؛ آية الله الشيخ نمر باقر آل نمر، حينما وقف في وجه طغيان آل سعود، وأخرج لهم وثيقة العزّة والكرامة، مطالباً إياهم بحقوق المواطنين الشيعة في المنطقة الشرقية، وبضرورة بناء قبور أئمة البقيع، ووقف عند كلمته حتى قطع رأسه الشريف، ألا نرى كيف جعل الله صوته مسموعاً في كل اقطار العالم، فخرجت المظاهرات المنددة في 500 مدينة من حوالي 80 دولة في العالم، وتحدث عن اعدامه علماء الأديان ورؤساء الدول والمنظمات الدولية.

وسنرى كرامة هذا الشيخ عند الله، وكيف أن دمه الطاهر سيطيح بطغاة آل سعود قريباً غير بعيد إن شاء الله.

 

 المرتبة الثالثة: الكرامة في الجنة

الحديث عن الكرامة، حديث غريب في القرآن الحكيم؛ لأن القرآن يرشدنا إلى أن مع الخلقة كانت الكرامة من الله الذي جعل الأشياء في مستوى من العيش ومن النعم، وفي مستوى من العطاء الذي يستشعرون فيه الكرامة، فهو الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، ودعاه الى ان يعود الى هذه المرتبة العالية ليكون من الكرام عند الله في جنات الخلد.

يقول - تعالى-: [وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ(32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ]. (المعارج:32-35)

ويحصل ذلك بالخشوع في هذه الدنيا خشوع الكرامة أما من لم يخشع هذا الخشوع فيكن ممن قال عنهم الله -تعالى-: [وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ] يعلو وجوههم قتر وهوان، وخشوع الخيبة والذل ولذلك نقرأ في الدعاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خُشُوعَ الْإِيمَانِ قَبْلَ خُشُوعِ الذُّلِّ فِي النَّار».

 

 المرتبة الرابعة: في مصاف الأولياء

كل ما ذكرناه من مراتب الكرامة، قد يتصور فيما ذكره النبي، صلى الله عليه وآله، في خطبته المباركة، وأكثر من ذلك فإن غفران الله -تعالى- للعبد كرامة له، فقد يكون جعل الإنسان في هذا الشهر من أهل كرامة الله أي إنه ممن يغفر الله -تعالى- له فيه.

بيد أن إضافة الكرامة الى الله في قول النبي - صلى الله عليه وآله - مضافا الى استخدام عبارة الجعل يرشدنا الى معنى أعمق مما ذكر «وجعلتم فيه من أهل كرامة الله»، فأهل الكرامة هم السفر الأعلى، هم المتقون، هم المصطفون، وهم الذين استجابوا لربهم فاستجاب الله لهم.

 

 أولياء الله أهل كرامته:

ألا ترى كيف أن الله جعل أولياءه أهل كرامة، فيذهب الناس اليهم ليشفعوا لهم عند الله في حوائجهم ، إنها أعظم كرامة يعطيها الله لبني البشر، «عبدي أطعني تكن مثلي أقول للشيء كن فيكون وتقول للشيء كن فيكون».

فقد يكون عابد من العباد، مُخلص لربه تمام الإخلاص له من الكرامة ما يرحم الله بها أهل مدينة كلّهم. وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: «لولا أطفال رضع، وشيوخ ركع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صبّاً».

إن شهر رمضان المبارك، لفرصة عظيمة، أن يحظى الإنسان بهذه الحبوة الإلهية العظيمة بأن يكون من أهل كرامة الله، فيكون ممن لا يرد لهم دعاء ولكن بشرطها وشروطها.


ارسل لصديق