الإصلاح.. النسخة الحسينية أم السياسية
كتبه: محمد علي جواد تقي
حرر في: 2012/09/22
القراءات: 1058

عجباً؛ بعد مرور عام ونيف على الاحداث الدامية في سوريا وقبلها في البحرين، يجهل البعض، و يتجاهل آخر، السبب الذي أريقت من أجله الدماء، وأنتهكت الاعراض. و السبب هو قصر النظر الذي يبتلى به بعض ممن يحملون صفة (السياسي). فحتى (السياسة) نفسها تسقط احياناً ضحية الرؤية الضيقة والمصالح الخاصة لاشخاص و دول، في حين يفترض ان تكون خير وسيلة لتنظيم حياة الانسان. ففي البحرين هنالك مساعٍ محمومة لنقل المعارضة الجماهيرية السلمية في الشارع، من الحالة الثورية والإصلاحية، الى كواليس التفاوض والتصالح، و..‍ بينما نجد في الساحة  السورية مساعي أخرى لا تقل حمّى عن نظيرتها (البحرينية)، لنقل المعارضة السياسية المسلحة من حالة حرب الشوارع ولعبة (القط والفأر)، الى الساحة الجماهيرية العامة في سوريا. ففي البحرين ضاق البعض ذرعاً بالتحديات العنيدة لشباب الثورة، والتضحيات التي يقدمونها لتحقيق مطالبهم الحقّة. كما ضاق البعض الآخر، بكثرة الدماء المسفوحة من ابناء الشعب السوري ومنظر آلاف المشردين وآلاف أخرى للمباني المهدمة، وانتشار الصورة القاتمة السوداء عن سوريا الجميلة. 

(القتل محرمٌ لدى جميع الاديان السماوية، وليس فقط في الدين الاسلامي.. وكما هو محرمٌ لدى السنّي، فهو محرمٌ لدى الشيعي..)! هكذا يذكرنا رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، في كلمته امام ضيوفه في مؤتمر (الصحوة العربية) باسطنبول، و الرامي لدعم عملية الإطاحة بالنظام السوري.. انه يرى من العدل والحق، أن لا تراق قطرة دم واحدة في سوريا، لكنه نسي الدماء المسفوحة في البحرين، فهل من الحلال سفكها..؟! لا علينا بموقف اردوغان من البحرين، لكن المؤسف والمؤلم في ذلك ، أن نسمع من تركيا.. البلد الاسلامي الكبير، كما سنسمع من غيرها، نداءات تبتعد عن إرادة الشعوب الحقيقية في الإصلاح والتغيير في نظم الحياة. انه يخاطب النظام السياسي بالنيابة عن الجماعات المسلحة، ولا شغل له بالشعب السوري او غيره، لأنه كان يتحدث امام شخصيات مسيحية واخرى مسلمة ومن كل الطوائف، دعاهم من عديد دول العالم، ليقدم لهم النموذج العثماني المسالم الذي لا يحمل السيف والخنجر هذه المرة، ولا يشجع على القتل، إنما يدعو للتعايش ونبذ العنف، وهو خطاب مفهوم ومحبب للنفوس، ربما لمغازلة الاوساط المسيحية في المنطقة وفي العالم. 

وإذن؛ لا قيم ولا مبادئ يدافع عنها الانسان في حياته وينتصر لها لتحقيق اهدافه السامية – حسب اعتقاد اردوغان- كما تجسّد ذلك في النموذج الخالد عام 61 للهجرة عندما انتصر الامام الحسين عليه السلام للقيم والفضيلة، فيما انتصر الأمويون للسلطة والهيمنة. هذه الرسالة الخالدة حملتها شعوب وأمم، وما تزال تستنير بها في طريق الإصلاح والحرية والكرامة، لكن عجز عن ذلك اردوغان، فقرأها خطأ، عندما حذر من تكرار الانقسام الذي تعرض له المسلمون بعدها – مضمون كلامه- ! 

نعجب بالحقيقة، مرة اخرى، ليس من اردوغان، فهو شخص واحد، إنما من عديد المحسوبين على النخبة الثقافية والاجتماعية، وهم يسمعون نداء الفطرة الانسانية المنطلقة من أفواه الشعوب الاسلامية، ينادون بـ (الإصلاح) ، لكنهم يبدأون بالحديث بلغة ثانية عن أمور اخرى، كما لو أنه (حوار طرشان).. 

هذا المطلب الانساني العظيم، يراد له اليوم أن يُلبس ثوباً سياسياً، فهناك شعوب محكومة بالثورة وإراقة الدماء في الشوارع، كما هو حاصل في سوريا، بينما هناك شعوب يُراد لها أن تجلس في البيوت وتقتات على فتات الحاكمين، كما هو الحال في البحرين والسعودية، وهناك من هو محكوم بالسقوط مع سقوط ماء الوجه، كما هو الاصرار على بشار الأسد، بينما هناك من حَظي بالسقوط مع حفظ بعض ماء وجهه المحترق من غضب الجماهير، كما حصل مع علي عبد الله صالح. 

في هذه اللعبة، الخاسر الوحيد هو (الإصلاح)، إذ لو تمكنت الشعوب الاسلامية من تطبيق (النسخة الحسينية) للإصلاح على واقعها الراهن، فان الخاسر هنا سيكون لصوص السياسة وسماسرة المصالح الدولية الذين ما برحوا يبذلون وينفقون المليارات لسرقة مطالب الشعوب العربية الثائرة، وتحديداً مطلب (الإصلاح)، أو تفريغه من محتواه، ومن اجل هذا نشهد كل هذه المشاهد البشعة من القتل الجماعي والتعذيب والانتهاكات والدمار الهائل. لذا نجد الضغوط الشديدة على الشعوب الاسلامية الناهضة ونخبتها الواعية، لأن تطبق النسخة السياسية من الإصلاح، وما يتمخض من اللعبة، مجرد تغييرات في النظام السياسي، فيما سيكون الحديث عن فساد لابد من إصلاحه، أو التفريق بين الحق والباطل، (تغريد خارج السرب). لأن العودة الى المدرسة الحسينية، تسبب (الألم) و(الانقسام)، كما يقول أردوغان.


ارسل لصديق