سماحة الخطيب الحسيني الشيخ ضياء الزبيدي في حوار مع «الهدى»:
المنبر الحسيني أقوى أنواع الخطابات لتعبئة الأمة
كتبه: محمد علي جواد تقي
حرر في: 2014/07/15
القراءات: 1425

 * الشيخ ضياء ابن الشيخ حمزة الزبيدي من مواليد 1943. انتميت الى الحوزة العلمية في كربلاء المقدسة عام 1962، وفي نفس الوقت قمت بإدارة هيئة حفاظ القرآن الحكيم والتي تحولت فيما بعد الى «مدارس حفاظ القرآن».

 * تشرفت بالتتلمذ على يد الخطيب المجاهد المرحوم السيد كاظم القزويني، في دورتة الخاصة بالخطباء، ثم تشرفت بالقراءة مقدمة قبل الخطيب المجاهد المرحوم الشيخ عبد الزهراء الكعبي، والذي خصّني منه بعناية خاصة حتى تشبهت به كثيراً.

* درست في الحوزة العلمية، عند الأستاذ الشهير المرحوم الشيخ جعفر الرشتي، استاذ اللغة العربية، ورافقته في كل مراحل دراسة اللغة العربية، حتى «مغني اللبيب».

* درست الفقه عند الأستاذ المرحوم آية الله السيد محمد الطباطبائي، وكذلك عند المرحوم الشهيد الشيخ عبد الرضا الصافي. و درست تفسير القرآن عند آية الله المرحوم السيد عبد الرضا الشهرستاني. كما درست خارج الفقه عند سماحة آية الله المرجع السيد محمد تقي المدرسي -حفظه الله- قرابة العشر سنين، في المهجر. 

* توليت مسؤوليات إدارة مدارس حفظ القرآن الكريم، من سنة 1962، الى سنة 1973، حيث أغلقت من قبل النظام البعثي البائد، بعد ان تحولت الى ست مدارس، ثلاث للبنين، وثلاث للبنات.

* أقدم دروساً في الخطابة الحسينية من خلال دورات عديدة جرت في كربلاء المقدسة، منها: دورة باسم الصديقة الزهراء، عليها السلام، في حوزة الامام الصادق، عليه السلام، بادارة السيد جواد القزويني، ورعاية آية الله السيد مرتضى القـــــزويني -حفظهما الله- ولنا دورة أخـــــرى لتخريج الخطباء فـــــي مدرسة الشـــــيخ المفيد، بادارة سماحـــــة الشـــــيخ حـــــسين الاميري - حفظه الله - ،ولنا دورة أخرى في مدرسة الامام الجواد التابعة للمرجع الديني آية الله السيد محمد تقي المدرسي - حفظه الله - .

• للمنبر الحســـيني دور ثقافي وتربوي واضح في الساحة، كيف تقيمون هذا الدور؟ وما حققه حتى الآن؟

- يُعد المنبر الحسيني، او الخطابة الحسينية من أفضل أنواع الخطابات، فهناك الخطاب السياسي، والخطاب العسكري، وايضاً «الخُطبة» لأمر الزواج، وحتى هنالك الخطاب الثقافي المتداول من خلال المحاضرات وغيرها.

بيد أن المنبر الحسيني والخطابة الحسينية، يتوفق ويتميز على كل هذه الانواع بأمرين:

الأول: الصدق

ان الخطيب السياسي، ربما يكذب في وعوده، والخطيب العسكري، ربما يكذب على جنوده، كذلك الرجل الخاطب لامرأة، ربما يكذب على أهلها بأوصاف لا توجد عنده.. وهكذا سائر انواع الخطابات التي تحتمل شكلاً من اشكال الكذب والتدليس. إلا ان الخطابة الحسينية، وكونها نابعة من فكر أهل البيت، عليهم السلام، فلا يمكن أن تحتمل الكذب، ولا يمكن للخطيب أن يكذب، لأنه إما أن يتحدث عن القرآن الحكيم، وهو الصادق، حيث يقول عنه أمير المؤمنين، عليه السلام: «ان هذا القرآن هو المحدّث الذي لا يكذب»، وإما ان يستند الخطيب الى أحاديث أهل البيت، صلوات الله عليهم أجمعين، والأحاديث الواردة عن أهل البيت، عليهم السلام، ليس فيها كذب، لان هدف القرآن والسنة النبوية والسيرة المطهرة لأهل البيت، عليهم السلام، هو إصلاح المجتمع، وقد هتف بهذا النداء، الامام الحسين، عليه السلام: «..إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي».

الثاني: الجمع بين العقل والعاطفة

هنالك خطابات تعتمد بالدرجة الاولى على العقل والمقاييس المادية، بينما الخطابة الحسينية، فانها في الوقت الذي تثير دفائن العقول، وتدعو للتفكّر والتدبّر في الامور والحقائق، استناداً الى أحاديث عن العترة الطاهرة، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فانها تهتم بالجانب العاطفي والانساني.. بمعنى أن المنبر الحسيني يدعو العقل للتفكر، كما يحرك العاطفة للتأثر.. وصدق المرجع الكبير الراحل آية الله الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، رضوان الله تعالى عليه، حيث قال: «لولا قيام هذه الشعائر، وأعواد هذه المنابر لكانت الديانة الاسلامية سفيانية، وكانت الامة المحمدية يزيدية»!

لم تتمكن، لا الخطابات العسكرية ولاالتعبوية، ولا الخطابات السياسية، ولا أي لون من الخطابات الأخرى، وحتى المحاضرات، أن تعبئ الامة ضد الظالمين والطغاة، وأن توجد في الأمة فئة معارضة ومقاومة، كما فعل المنبر الحسيني والخطابة الحسينية. ولولا هذا الخطاب لما بقي اسلام، ولا بقي دين ولا بقي قرآن. وهذا ما سعى من اجله «يزيد» حيث قال: «لعبت هاشم بالملك فلا خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل».

 

* نشر ثقافة أهل البيت «ع» بأحدث الوسائل

• ما هي الخطوات المطلوبة باعتقادكم لتكريس الوعي والثقافة بما يخلق سلوكاً وعادات جديدة في المجتمع؟

 

- كما اشرت ان المنبر الحسيني يعتمد على آيات القرآن الحكيم، وأحاديث أهل البيت الطاهرين، عليهم الصلاة والسلام، فعلى الخطيب أن يهتم بحفظ القرآن الكريم، وحفظ أحاديث المعصومين. يقول الامام الرضا، عليه السلام: «لو سمع الناس محاسن كلامنا لاتبعونا».

ففي الحقيقة.. لم يسمع العالم أحاديث اهل البيت، عليهم السلام، وكما يعلم الجميع، أن كتابة الاحاديث النبوية، كان أمراً محظوراً بعد رحيل الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله وسلم، فقد تم منع تداول الروايات والاحاديث وتدوينها، وقد عُذب الرواة، و أحرقت الكتب، ولكن خط أهل البيت، عليهم السلام، اهتم بكتابة السنّة النبوية، التي هي الحديث النبوي الشريف، وحديث الامام علي، والصديقة الزهراء، والحسن والحسين، عليهم الصلاة والسلام. و أول من كتب هذه الأحاديث هو علي أمير المؤمنين، عليه السلام، صاحب كتاب «الجامعة»، وهو صاحب كتاب «مصحف فاطمة»، عليها السلام، فهو الذي كتب هذه الكتب، كما كتب تلاميذه كتبا اخرى وحافظوا عليها، مثل كتاب «سليم بن قيس الكوفي» و أمثاله.. هذه الكنوز تعرضت للحجب والحظر من قبل الحكومات الظالمة، التي كانت تمنع انتشار فكر أهل البيت، عليهم السلام، كان في الطليعة «معاوية»، الذي حرّم ذكر اسم «علي»، بل دعا الى سبّه، عليه السلام، ومنع تداول احاديثه و رواياته، بل أمر بهدم البيوت على من يحمل فكر علي، عليه السلام، او يكون له الحب في قلبه. لذا بقي هذا العلم مخزوناً في النفوس، حتى ان الامام علياً عليه السلام، وخلال فترة حكمه، لم يجد الفرصة لنشر هذا العلم وكان يصرخ ويقول: «سألوني قبل أن تفقدوني.. ان ها هنا لعلماً جماً. لو وجدت له حملة..». إن الناس كانوا يخشون حمل هذا العلم، فاستمر الإخفاء والمنع، حتى عهد الامامين الباقر والصادق، عليهما السلام، مع ذلك استمرت المحاربة لفترة من الزمن، لكن رغم كل اشكال المحاربة من الحكومات الظالمة، والشعور بالخوف من اتباع اهل البيت، على حياتهم بسبب نشر هذه الاحاديث، وصلت الينا مئات الآلاف من أحاديث المعصومين، والتي لو سمعها الناس واخذوا بها لعاشوا في الدنيا سعداء وانتقلوا الى جنة ونعيم.

من هنا؛ فاننا مدعوون لنشر فكر وثقافة وتعاليم أهل البيت، عليهم السلام، بالاستفادة من الفرص المتاحة واجواء الحرية، مما يدعونا الى تحمل المسؤولية ونشر هذا الفكر والثقافة من خلال الوسائل الحديثة مثل القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي على «النت»، وغيرها.. وقد وجدنا التأثير الكبير لهذا النشر، حيث يدخل الكثير - والحمد لله- افواجاً في خط أهل البيت، عليهم السلام، من كل انحاء العالم، دون إغراء او إرهاب، كما يصنع أعداء اهل البيت، عليهم السلام، إنما بقناعة تامة وإيمان عميق وبدليل، فنحن «ابناء الدليل، أينما مال نميل». وعليه؛ يمكن القول: إن الانتصار في الساحة للتشيع ولخط أهل البيت، ولأحاديثهم، عليهم السلام. لأن العالم بات اليوم يسمع الحقائق عن أهل البيت، عليهم السلام، دون خوف وبكامل حريتهم، ودون أن تقف أمامهم حكومة تحظر هذا الكتاب أو ذاك «الكاسيت»، فاجواء الحرية سببت انتشار فكر اهل البيت، عليهم السلام، في العالم، والحمد لله، ونحن نطمح للأفضل والاكثر.

 

• لاشك أن الخطيب بامكانه طرح موضوعات مختلفة ذات تأثير على الساحة، ما برأيكم أهم الافكار والتوجهات المطلوب طرحها في الوقت الحاضر؟

 

- العقائد؛ تُعد من أهم الاحاديث التي يجب ان تطرح على المنبر الحسيني، لأن الطرف الآخر، - ومع الاسف - سوّق الى العالم فكراً مظلّلاً حول العقيدة بالله، تبارك وتعالى، و روّج لافكار خاطئة عن «التجسيم»، وهذا في أصل التوحيد، كما في «النبوة» ايضاً سوّق الى العالم، صورة نمطية بان النبي، إنما هو «انسان غير صالح» و»غير سوي..» وحتى في الإمامة، سوق الى العالم، صفات كاذبة عن الأئمة، عليهم السلام، وعن الإيمان بالآخرة، سوّق فكرة مفادها؛ أن الله لو اراد ان يدخل يزيد الى الجنة لفعل، ولو اراد ان يدخل الحسين الى جهنم لفعل، وهذا خلاف العقيدة الاسلامية الصحيحة. من هنا؛ يأتي دور المنبر الحسيني في أهم اهدافه، ليدافع عن العقيدة الصحيحة والتي وردت في القرآن والسنة، والعقيدة بالله، بانه ليس كمثله شيء، وايضاً بعدالته - تعالى- التي ينفيها الآخرون، والعدالة عند النبي، صلى الله عليه وآله، وأنه أشرف وأطهر وأعدل موجود. كما أن الامامة يجب ان تكون في أشرف وأشجع واعلم واحكم انسان، بعد الرسول، صلى الله عليه وآله، وبالنسبة للآخرة، ايضاً، علينا تصحيح العقيدة، والرد على تصحيح الطرف المقابل من الحكومات الظالمة والفاسدة. كذلك تصحيح العقيدة عن الآخرة، جاء في الآية الكريمة: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}.

 

* المنبر الحسيني والظمأ الفكري والثقافي

• هناك من يقول إن نجاح المنبر في طرح الموضوعات السريعة الفهم والوصول الى المستمع، ما رأيكم في موضوعات فكرية حساسة مثل «الانتظار» و»الغيبة» و»القيادة» وغيرها؟

 

- هذه الموضوعات ليس فقط مثيرة للمستمعين، إنما تمثل اليوم حاجة شديدة وغذاء روحي يلبي الظمأ الفكري والثقافي في الأمة. نحن بحاجة الى ان نثبت بدايةً، أمر الامامة، وانها أمر الهي، وانها أمر مستمر مع الزمن الى يوم القيامة. بينما الطرف المقابل يجهل ذلك، رغم أنهم يعتقدون بالحديث الشريف عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم: «من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية». لذا لابد هنا، ان نؤشر الى الامام الغائب، عجل الله فرجه الشريف- ونثبّت الامامة له، كما نثبت الغيبة الصغرى، ومن ثم الغيبة الكبرى. ومن بعد ذلك، نثبت أمر الوكلاء. هذه المنظومة العقائدية التي لا توجد في غير الفكر الشيعي، فالقيادة الاسلامية ليست فيها نقطة خلل واحدة، ولا ثمة فراغ في السلسلة القيادية، إنما هو حبل الله الممتد من السماء الى الارض، لم ينقطع منذ رحيل النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، فاذا رحل، فالوصي مكانه، واذا مات الوصي ابناؤه الاوصياء مكانه، واذا كان خاتم الاوصياء المهدي المنتظر، عليه السلام، قد غاب، فقد عين نواب خاصّين في الغيبة الصغرى، واذا غاب الغيبة الكبرى، عين النواب العامّين في الغيبة الكبرى. إذن؛ هو خط متصل وغير منقطع، والامام مع ذلك يتدخل، والكون الآن، يسير حسب نظامه وتوجيهه، والملائكة تنزل عليه، وغيرها من المسائل العقائدية التي ينبغي للناس معرفتها في أمر الغيبة وفي أمر القيادة، فالامام هو القائد ولا يمكن ان تليق القيادة لغير الامام المعصوم، ومن يعينه الامام المعصوم.

 

• ينشط المنبر وعموم النشاط التبليغي في المناسبات الدينية، مثل شهر رمضان المبارك، وفي شهري محرم وصفر، كيف يمكن ان نوسع نطاق هذا النشاط على طول أيام السنة؟

 

- كل شيء له قمة، وقمة المنبر الحسيني في شهري محرم وصفر، وشهر رمضان المبارك، وهذا لا ينكر، وهما مناسبتان مهمتان جداً، بحيث يمكن للخطيب ان يستفيد من هاتين المناسبتين، للتبليغ والتعريف بالمبادئ الحقّة التي جاء بها أهل البيت، عليهم السلام، ولكن هذا لا يعني أن نهمل سائر أيام السنة، إنما علينا إدامة هذا المنبر، بأن تكون هناك مجالس وحتى إقامة برامج بهيجة، مثل الاحتفالات بالمواليد والاعياد، كما نقيم العزاء في الوفيات للأئمة الطاهرين، عليهم السلام، وإقامة المجالس الاسبوعية في المساجد والحسينيات، وحتى في البيوت، لتكون الوسيلة الاعلامي التي تغذي ابنائنا وبناتنا، فنحن لا نملك اعلاماً صادقاً ومؤثراً في أبنائنا مثل المنبر الحسيني، الذي يجب أن يأخذ منه ابناءنا وبناتنا معالم دينهم وأخلاقهم وعبادتهم. نعم؛ هنالك وسائل تأثير اخرى، مثل المدرسة التي تخلو من ذكر أهل البيت، عليهم السلام، وايضاً، وسائل الاعلام الاخرى مثل القنوات الفضائية ومواقع النت، وايضاً وسائل التثقيف مثل الكتب والمطبوعات، كلها لا تترك الأثر الايجابي المطلوب في النفوس، كما يفعله المنبر الحسيني، حيث يتفاعل الانسان معه، بكل مشاعره واحاسيسه وافكاره.

 

* التوثيق والترغيب والتنويع

• معروف أن الخطيب الناجح بحاجة الى مصادر تاريخية والى مكتبة غنية، بماذا تنصحون الخطباء في هذا الخصوص؟ وكيف يجب التعامل مع المصادر التاريخية؟

 

- الخطيب يجب عليه ان يتعب كثيراً للوصول الى المعرفة، وبالخصوص ما يتعلق بالتاريخ، ففي التاريخ دسٌ كثير، لأن الذين كتبوا التاريخ هم أعداء اهل البيت، عليهم السلام، ولهذا على الانسان الخطيب ان ينتقي الروايات التاريخية، ويمحّصها لئلا يكون فيها ما يتعارض مع خلق وسيرة وفكر أهل البيت، عليهم السلام، أو ما يتعارض مع القرآن الكريم.

ثم إن الخطيب بحاجة ماسة الى جميع العلوم، عليه أن يبحث عنها بكل الوسائل المتاحة، وفي الوقت الحاضر بات الوصول الى العلوم المختلفة، سهلاً بما لا يقارن مع الازمنة الماضية، حيث كان على طالب العلم والخطيب قطع مسافات بعيدة، ربما من بلد الى آخر، ومن مكتبة الى مكتبة، للوصول الى المصدر المطلوب، وربما لا يصل، ذلك وهو ينفق المبالغ الطائلة والوقت والجهد. بينما اليوم الوصول الى المعلومة أمر سهل وسريع، بالاستفادة من مواقع «النت»، وما يسمى بـ «محرك البحث الالكتروني»، وإذن؛ لا عذر للخطيب الحسيني في تحصيل المعلومة في التاريخ او السيرة او أي جانب آخر، فهو بحاجة الى الاستنارة بالعلم، كما عليه مواكبة التقدم العلمي والاتصال بالعلماء والحوزات والمكتبات العالمية، بالاستفادة من وسائل الاتصال السريعة.

 

• للمنبر الحسيني تأثير في صنع الرأي العام، هل باعتقادكم ثمة امكانية في استثمار هذا الجانب لتكريس الحالة الاسلامية في الساحة في ظل الصراع الثقافي والفكري الموجود؟

 

- المنبر الحسيني يكون مؤثراً في الساحة، عندما يكون الخطيب ملماً بما يؤثر بالمجتمع. فهو بحاجة الى الآية القرآنية التي يجعلها تنطبع في قلب المستمع والمشاهد، و يحتاج الى الحديث النبوي الشريف الذي يحفظه المستمع والمشاهد، كما عليه أن ينقل التاريخ بشكل صحيح، بما فيه من قصص وحقائق، بحيث تُطبع في ذهن المستمع وتبقى له درساً في حياته، كما يحتاج الخطيب الى ان يؤثر في المستمع والمشاهد من خلال شواهد وأمثلة حيّة من واقع المجتمع، بل ويأتي بأمثلة لها وقع في النفوس وتترك أثرها في المستمع. كما يحتاج الى أن يطعم منبره بأبيات من الشعر تبعد عن المستمع حالة الملل، بحيث يصبح المنبر مائدة متنوعة من آية قرآنية وحديث عن معصوم، وقصة تاريخية، وأمثلة من الواقع، اضافة الى الشعر، بحفظ أبيات وقصائد شعرية يستدلّ بها على صحة الفكرة التي يطرحها.

 

* آفاق واعدة لطلاب الخطابة

• ما رأيكم بالمراكــز التعليمية للخطابة؟ وهل لهــا دور في تخريـــج الخطيب الناجــح؟

 

- لا شك ان دورات الخطابة لها الاثر الكبير في تخريج الخطيب الناجح، لأن الخطابة فيما مضى من الزمن كانت صعبة - في حقيقة الأمر- لا يصل اليها طالب الخطابة إلا بصعوبة. إذ عليه أن يرافق الخطيب ويطلب منه المساعدة، وأن يعلمه فنون الخطابة. ولم يكن هنالك جهاز او مؤسسة مهتمة بموضوع تخريج الخطباء، أما الآن، والحمد لله، منذ حوالي عشرة أعوام، أقيمت في البلاد الشيعية، سواءً في ايران أو في سوريا أو في العراق، واماكن اخرى، دورات خطابية، وقد نجحت في تحقيق الهدف المطلوب، لأنها وضعت شروطاً مسبقة للخطيب، بينما في السابق، كان بامكان أي انسان، ربما لم يكن من خريجي الحوزة العلمية، إنما يحفظ بعض الاحاديث وأبيات من النعي ويرتدي زي علماء الدين ثم يصعد المنبر، دون ضوابط وقواعد. بينما اليوم، فان الخطيب يجب أن تتوفر فيه الشروط ، وفي مقدمتها، أن يكون عالماً.. فالعلم أمرٌ ضروري جداً للخطيب، والعلم ليس فقط بأحكام الدين أو اللغة العربية أو التفسير فقط، إنما في كل العلوم المتداولة في الحياة، حتى يتمكن ان يطعّم منبره ويقنع المستمعين والمتلقي. نعم؛ هنالك من يرتقون المنبر الحسيني ويطرحون موضوعات مختلفة، وفيها الوعظ والارشاد، لكنها تفتقر الى وحدة موضوع، وتخلو من استشهادات او براهين من القرآن الكريم ومن العقل. لذا تكون غير ذات تأثير.

من هنا؛ فان دورات الخطابة الموجودة في الوقت الحاضر تشترط في الطالب:

 أولاً: العلم

 ثانياً: التقوى.

ثالثاً: الاخلاص، بأن لا يكون همه السمعة والمادة والشهرة، فقد شهدنا سقوط الكثير من شاهق الشهرة والمادة، ولا ننسى أن صاحب المنبر، هو الإمام الحسين، عليه السلام، فهو الذي يرفع الشأن، وهو الذي يخفّض الخطيب.

رابعاً: الاخلاق.

هذه الصفات والشروط، ضرورية جداً للخطيب، والآن تهتم الدورات الخطابية بهذا الجانب، والحمد لله.

 

• من الملاحظ أن النسبة الاكبر ممن يحضرون الحسينيات والمساجد والاستماع للخطباء هم من كبار السن، كيف يمكن زيادة نسبة حضور الشباب في مجالس الوعظ الديني، لاسيما في ليالي شهر رمضان المبارك؟

 

- في الواقع، بالنسبة لحضور كبار السن، فانهم إنما يحضرون طلباً للثواب والأجر، لذا نلاحظ أن بعض الخطباء يكررون نفس المواضيع ولا يأتون بجديد. بينما الطموح غير ذلك. بأن يجدد الخطيب افكاره وموضوعاته، من مجلس الى آخر، ربما يمكنه الاستفادة من طريقة دفتر الملاحظات، يسجل فيها الافكار التي طرحها في مجلس ما، وفي وقت ما، وعندما يذهب الى مجلس آخر، يعرف ما تحدث به وطرحه في وقت سابق، لربما يكون أحد الحاضرين في ذلك المجلس، حاضراً ايضاً في المجلس الثاني، وعندما تتكرر المواضيع تكون مملة.

واذا نريد جذب الشباب، علينا التجديد وتجنب التكرار، حتى في الآية القرآنية وفي الحديث النبوي والأحاديث الاخرى، لا نكررها، كذلك الامثال والقصص وابيات الشعر، طبعاً؛ أن نأتي بجديد دائماً يتطلب جهداً ومتابعة، بيد أن النتيجة مثمرة وكبيرة، منها نجاح الخطيب في إيصال رسالته، وكسب الشباب الى المساجد والحسينيات والاستماع الى المجالس الحسينية.

 

• بالنسبة لمجالس التعزية النسائية في البيوت.. هل بالامكان تطوير هذه المجالس من الناحية الفكرية والثقافية..؟

 

- المرأة نصف المجتمع. و ربما لا تتمكن المرأة من الحضور في مجالس الرجال، العامة او الخاصة، فلابد أن تكون لها أماكن خاصة بها سواءً في حسينيات او في بيوت او في مساجد او في قاعات، والآن، والحمد لله، هناك دورات -ايضاً- خطابية للنساء، وهذا نفخر به، فمن الضروري أن تكون هنالك بين النساء الخطيبة المبلّغة، وكما اشرطنا على الخطيب الرجل ان يكون عالماً وخريج حوزة علمية، لا معتمداً على مطالعة الكتب من خارج الحوزة، ويطلّع اضافة الى الحوزة، الكتب العلمية، ويطلع على الانترنت وعلى الفضائيات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى كل الوسائل التطبيقات الذكية، فنفس الشروط التي تطبق على الرجل، تطبق ايضاً على المرأة من حيث الضوابط والقوانين، حتى تتقدم المرأة في منبرها وتخدم نصف المجتمع، وهذا أملنا ان شاء الله في الخطيبة الحسينية .

 

• شكراً لسماحة الشيخ والخطيب ضياء الزبيدي على إتاحته هذه الفرصة للحوار، دعاؤنا له بالتوفيق والسلامة.

 

- شكراً لكم ايضاً.


ارسل لصديق