قراءة في آليات الوعي الجماهيري
كتبه: حيدر الرماحي
حرر في: 2016/03/23
القراءات: 917

تُعد مفردة الوعي من المفردات ذات الأهمية العالية في مختلف العلوم والمعارف البشرية، إذ ترتبط مساحة هذه المفردة وخطها البياني بنسبة معدلات النجاح العامة، فمن يملك الوعي السياسي يتمكن من خوض غمار السياسة ولا تنطلي عليه ألاعيب رجالها.

وهكذا يتمكن كل من يملك عقلاً واعياً سواء كان في الوعي السياسي أو الوعي الاجتماعي أو الديني أو الاقتصادي وهكذا. ولطالما كان هذا المصطلح من أكثر المصطلحات ارتباطاً بمنظومة القيم العليا في الإسلام، إذ يمثل الوعي بها وادراك أهميتها في الشريعة الإسلامية عنصر التوازن في الحياة الاجتماعية، فالذي يُدرِك أهمية قيمة العدل، لا يجور على احد ولا يظلم أياً كان وتحت أي ظروف. وأما تقييدي للوعي بما يرتبط بالجانب الجماهيري، فهو لأجل احداث المقاربة المعرفية ما بين وعي الأمة وحاضرها القائم عليه لإيماننا بأن واقع الامة يُقاس بمستوى وعيها وصلاحها.

كما ان معرفة آليات الوعي لا يكون كافياً بمعزل عن كيفية التعامل معها، إذ لا يمكن للنجار ان يصنع كرسياً واحداً من الخشب دون استخدام آليات وأدوات النجارة، فإنه لا يتمكن من ذلك ايضاً ما لم يملك فن صناعة الأشياء. لذا نحن أمام سؤالين مهمين، وهما:

1- ما هي آليات الوعي؟

2- وكيف نتعامل معها؟

 

معرفة آليات الوعي

للإجابة على السؤال الأول نقول: يوجد العديد من آليات وأدوات الوعي الاجتماعي من شأنها أن ترفع المستوى المعرفي لدى الجماهير المؤمنة، واهمها:

1- المنظومة الدينية المتمثلة بالقرآن الكريم والسنة المطهرة.

2- فقهاء ومفكرو الإسلام ونتاجهم العلمي.

أولاً: يعد القرآن الكريم المصدر الأول للمعرفة الحقة عند المسلمين جميعاً، ولا خلاف بينهم على احتوائه لمختلف انواع المعارف الالهية. قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}، (سورة الأنعام: 38)، وقال سبحانه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}، (سورة النحل: 89). حيث ان الدين الإسلامي الذي يشتمل على أكمل المناهج للحياة وفيه كل ما يسوق البشرية إلى السعادة والرفاه، عُرِفت قوانينه وقواعده وأسسه وتشريعاته عن طريق القرآن الكريم. إذ يمثل القرآن دستور المسلمين الذي تُستمد منه الرؤى والأفكار والقيم، فهو للأخلاقِ، كتاب اخلاق وللفقيهِ، كتاب فقه وللاجتماعِ، كتاب اجتماع وهكذا، حيث أراد الله سبحانه وتعالى لهذا الكتاب المقدس أن يكون هو الكتاب الخالد الذي يعيش ويحيا مع العالمين جميعاً، ليكون مَعين الأمة الذي تُعرض عليه مستجداتها ومتغيراتها فيعالجها ويضع الحلول لها، ويبقى هو الكتاب الثابت مع حركة الزمن. ولكن مما يُؤسف له تنكّر المسلمين لحقيقة كون ذلك الكتاب الطاهر؛ هو دستور الحياة وفيه القول الفصل، لأننا نريد من القرآن أن يكون مؤيداً لأهوائنا وما تشتهيه أنفسنا ويأبى كتاب الله إلاّ أن ينطق بالحق، فكيف لنا والحال هذه ان نتوافق معه ما لم نهذب نفوسنا وعقولنا على قبول القول الفصل. لذلك يتوجب علينا العودة إلى القرآن بصفاء القلوب لنستنطق آياته حول واقعنا ونرى بماذا يجيب، كما علينا ان ننقذ الإسلام من المسلمين الذي لم يُراعوا حقه، حيث خلطوا مفاهيم القرآن مع تقاليدهم وعاداتهم الجاهلية. ففي القرآن الكريم الكثير من المفاهيم الاجتماعية الإنسانية كمفهوم العدل والحرية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى ونصرة الحق والوقوف مع المظلوم بوجه الظالم ورفض الاستعباد ومصادرة الحقوق و... الخ. فإننا لو تفقهنا في القرآن وعملنا بتعاليمه وقواعده واحكامه لكنا خير أمة أُخرجت للناس.

وهكذا السنّة المطهرة التي هي المصدر الثاني للمعرفة الدينية عند المسلمين والفقهاء خاصة، إذ هي الشارحة والمُبينّة لما في القرآن الكريم من علوم ومعارف لا ترقى لها عقول البشر وايضاً هي المؤسسّة للكثير من الاحكام والمعارف على رأي بعض العلماء، وهذا يعني ضرورة ان يتعامل المسلمون مع السنّة القطعية الصدور على أنها الينبوع الثاني والأساس المعرفي بعد القرآن الكريم فقد ظل الحديث النبويّ الشريف مرجعاً وهادياً للأمة عبر العصور والقرون.

وتبرز أهمية السنّة المطهرة للنبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وروايات أهل بيت العصمة، سلام الله عليهم اجمعين، في أدوارها المختلفة لبناء الحضارة الإنسانية، عبر تأسيس مفاهيم الوعي الاجتماعي ونشرها بين صفوف الأمة، حيث أسست السنّة لمفهوم الوعي العقلي للجماهير المؤمنة عبر اطلاق مصطلح الدراية على الحديث، حيث قالوا، عليهم السلام: «حديث تدريه خيرٌ من ألف حديث ترويه»، مما يشير الى اهتمامهم الكبير بمسألة الفهم الواعي للسنّة، المنفتحة على دلائل الحق تعالى. وحيث لم تقتصر على ذكر الاحكام الفقهية فقط، بل جاء فيها مسائل في ابواب شتى، فقد ذكرت السنّة مسائل في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والأدب و... الخ. لزم على الفرد التبصّر بما يمس واقعه الاجتماعي ومستقبله الحضاري ليرفع من مستوى وعيه وفهمه لما يدور حوله.

ثانياً: وفي هذا السياق يأتي النتاج الفكري لفقهاء الإسلام ومفكري الأمة، فالفقهاء هم أهل الدراية بما انطوت عليها الشريعة الإسلامية من لطائف الاحكام، وهم أهل التدبّر في النصوص الشرعية وفهم احكام الله تعالى، ولطالما ساهم فقهاء الإسلام ومفكرو الأمة في توعية الجماهير المؤمنة، عبر خطاباتهم ومجالسهم ودروسهم وكتاباتهم، فقد ساهموا بشكل كبير في فضح مخططات اعداء الأمة واعطاء الحلول الناجعة للمجتمع ومواجهة مختلف ألوان التخلف والرد على انواع الشبهات والأباطيل. حتى رَبّوا الأجيال تلو الأجيال على طريق الحق والهدى، والواقع يشهد بالكثير من الممارسات الفعلية لهذا الدور الكبير لعلمائنا فمن ثورة التنباك عام 1891م بقيادة الميرزا محمد حسن الشرازي - قدس سره - إلى ثورة السيد الخميني - قدس سره - عام 1979م ضد نظام الشاه. مروراً بالشهيدين الصدرين -قدس سرهما - والكثير من علمائنا الذين ساهموا بشكل كبير في توعية الأمة.

ولعظيم منزلة العلماء الواعين في المجتمع فقد وجه الإمام الحسين، عليه السلام، اليهم خطابه المشهور في «منى» مشخصاً واجباتهم. ولولا أهمية دورهم في حياة الأمة لما اوجب الأئمة، عليهم السلام، بلزوم الاحتكام اليهم وحل الخلافات عندهم وعدم التقاضي إلى حكام الجور وفقهاء السلاطين.

 

كيف نتعامل مع آليات الوعي؟ 

1- القرآن الكريم.

أولاً: يوجد في القرآن الكريم علوم متعددة، كالعام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، وهذه العلوم لا يتمكن أي أحد من معرفتها وتشخيصها، فلزم الرجوع إلى الاحاديث الشريفة من كلام النبي الأكرم وروايات أئمة الهدى ومصابيح الدجى، صلى الله عليهم أجمعين، لمعرفة دلائل آياته وبصائر احكامه.

ثانياً: الإيمان بمواكبة القرآن الكريم للعصر الحالي والعصور القادمة، وأنه كتاب علم وحضارة واخلاق.

ثالثاً: عدم تحجيم دور القرآن الكريم عبر استخدامه لمواضيع معينة تحد من عالميته وشموليته، فالبعض يستخدمه كصيدلية للأدوية لا يرجع إليه ألا بحثاً عن علاج لمرضه، وبعض آخر يستخدمه للاستخارة فقط وهكذا، مع عدم إنكارنا فائدة استخدام آيات الله في هذه الجوانب، ولكن علينا أن لا نوسع من حجم استفادتنا من حقائقه ومناهجه ولا نحصرها بهذه الدائرة الضيقة فقط.

رابعاً: التدبر بآيات الله تعالى، وهذا ما أمرنا به سبحانه وتعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}، (سورة محمد: 24)، وهذا ما يقودنا إلى الفهم الصحيح لكتاب الله تعالى ومعرفة حقائق السنن الإلهية ومقاصده الربانية مما يؤدي إلى أن ننهض بأمتنا وواقعنا المُعاش. فإن من شروط النهضة، توفر الفهم السليم للمبدأ الصالح الذي تؤمن به الأمة والمجتمع المسلم إيماناً كاملاً.

2- السنّة المطهرة.

اولاً: ان نسعى لمعرفة ودراسة كل ما صدر عن رسولنا الكريم، صلى الله عليه وآله، وأئمتنا، عليهم السلام، وأن نفقه الحديث والرواية.

ثانياً: الاستعانة بالسنّة المطهرة لفهم كلام الله تعالى.

ثالثاً: الاهتمام بجميع الاحاديث والروايات بعد تمييز صحيحها من سقيمها من قِبل علمائنا المختصين، وبالخصوص الاهتمام بروايات بناء الدولة وضبط السلوك الاجتماعي والتربية الأسرية نظراً الحاجة لهذه المواضيع في الوقت الراهن، فالسنّة تعد مصدر الوعي الثاني بعد القرآن الكريم. ولها الأهمية الفائقة في تأسيس قوانين بناء المجتمع الفاضل.

3- فقهاء الإسلام ونتاجهم العلمي.

اولاً: التعامل مع الفقهاء بما وصفهم أئمتنا، عليهم السلام، بأنهم حماة الدين وملاذ المؤمنين ومقيمو العدل وناشرو راية الهدى والصلاح. بعد معرفة صالحهم من طالحهم.

ثانياً: الرجوع إليهم والالتزام الحقيقي بتوجيهاتهم الأبوية، ومعرفة آرائهم ومواقفهم في القضايا الكبرى للأمة الإسلامية.

ثالثاً: الاطلاع على نتاجهم الفكري ونظرياتهم العلمية في مختلف مجالات العلم والمعرفة.

واخيراً وليس آخراً تُعد كل هذه الآليات مصادر كبيرة للتوعية الاجتماعية ذات أثر بالغ في النهوض الحضاري وبناء الدولة الفاضلة.


ارسل لصديق