صوم شهر رمضان وقواعد الإنجاز
كتبه: سماحة السيد محمود الموسوي
حرر في: 2017/11/08
القراءات: 88

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، (سورة البقرة: 183-185).

الصيام في شهر رمضان، هو موسم عبادي وبرنامج روحي يمارسه الإنسان المؤمن، وهو فريضة واجبة كتبها الله تعالى على المسلمين، فشهر رمضان عبارة عن برنامج متكامل، ويمكننا أن نجعله مثالاً لأي برنامج يمكن أن نؤديه في حياتنا، ومن هذه الآيات وما يكملها من القرآن الكريم، نحاول أن نستجلي خصائص هذا البرنامج، ونستخرج القواعد التي يمكن أن تسهم في إنجاح أي برنامج نقدم عليه.

 

القاعدة الأولى: تحديد الهدف

«كن على بيّنة من هدفك المنشود منذ البداية، لتكون كافة جهودك في خدمة الهدف»

لكل عمل وبرنامج تريد أن تؤدّيه لابد من تحديد الهدف والغاية منه، لكي تتجه كل فرعيّات وأعمال البرنامج نحوه، يقول تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ، (سورة لقمان: 19). وفي الصيام وبرنامج شهر رمضان؛ الغاية هي (التقوى)، كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، والتقوى هي مخافة الله والورع عن محارمه.

ولأننا لا نمتلك ضمان الوصول إلى الأهداف بصورة حتميّة، وأعمال الإنسان قد تتجه اتجاهاً مغايراً لما ينبغي أن تكون عليه، فإن عليه أن يضع نصب عينيه أهدافه الواضحة، لأن أي عمل آخر سيأتي بعد ذلك لابد أن يدعم هذا الهدف ويعين على الوصول إليه، فالبعض قد لا يكون له من صيامه إلا الجوع والظمأ وليس له من صلاته إلا السهر والعناء.

 

القاعدة الثانية: السعي وبذل الجهد

التكليف الذي كتبه الله تعالى على عباده المؤمنين هو صيام شهر رمضان، وغايته الوصول إلى التقوى خلال هذه المدّة، حيث قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، ولكن لا يصل كل من يجتاح هذه المدة في الصيام إلى التقوى، لأن لكل برنامج أصولاً، فـ (لعل) تبيّن أنه ليس كل من يعيش شهر رمضان المبارك سيستفيد منه بالضرورة، لأن (لعل) تفيد التوقّع وتختص بالممكن الذي لا وثوق بحصوله، إذاً؛ ينبغي استنفاد الوسع، ومعرفة الطرق المؤدّية إلى ذلك، والرسول، صلى الله عليه وآله، يقول في خطبته عن شهر رمضان: «فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم».

ولا يمكن لمن يقف ساكناً مكتوف الأيدي أن يحقق هدفاً يحتاج إلى السعي وبذل الجهد، فالإنجاز هو نتيجة التحرّك، وأصل التحرّك له دور كبير حيث تأتي القواعد الأخرى لتصب في هذا التحرّك؛ فلو أن إنساناً أخذ كل قواعد الدنيا التي تجعل الإنسان ناجحاً ومنجزاً، ولكنه كان ساكناً لا يتحرّك فلن تنفعه كل تلك القواعد بشيء. فمن يريد شيئاً لابد أن يسعى إليه كما يقول - تعالى -: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً}، (سورة الإسراء: 19).

 

القاعدة الثالثة: الإيمان بالهدف

لن يستطيع الإنسان أن يؤدي عملاً متقناً وناجحاً من دون أن يؤمن به ويعتقد به.

نستفيد هذه الحقيقة من التكليف الذي يوجهه ربُ العالمين للإنسان، فالصوم - مثلاً- تكليف من الله - عزّ وجلّ - للذين آمنوا به، فالنداء يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ثم يقول لهم ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ، فالإنسان غير المؤمن لا يمكن أن يلتزم بتكليف واجب لا يعتقد به، وكيف تقول له كن متقياً وهو لا يؤمن بالتقوى أصلاً؟!

الرسول الأكرم، استطاع أن يحقق أكبر إنجاز على وجه الأرض، حيث أنه أحدث أكبر تغيير في العالم عن طريق إيمانه، فتلك الجهود التي بذلها، صلى الله عليه وآله، ما كانت لتحقق النجاح الباهر لولا التزامه وإيمانه العميق بما يريد أن يفعل، لذلك عندما حاولوا إغراءه ومساومته على أن يترك ما يصبو إليه من أهداف اصطدموا بإيمانه الصلب الذي لم يتزعزع.

 

القاعدة الرابعة: التحفيز للهدف (إيجاد المبررات)

لا يكفي أن يحدّد الإنسان الهدف من البرنامج الذي يريد أن يؤدّيه، بل لابد ان يجد ما يدفعه لتحقيقه وإنجازه بأفضل صورة، وعامل التحفيز عن طريق الترغيب ووصف الهدف وفائدته للإنسان نفسه تُحقّق هذه المهمّة.

ولذلك نجد أن القرآن الكريم يشتمل على كثير من الترغيبات، أو الترهيبات وهي بمثابة الحافز الذي يجعل الإنسان يلتزم بأمر ما، وهذا أسلوب الرسول، صلى الله عليه وآله، وأهل بيته الأطهار، عليهم السلام، عندما يريدون لعمل أن ينجح عن طريق إلزام الناس به ودفعهم إليه، فإنهم يقومون بذكر ثوابه الكبير الذي يجنيه في الآخرة، أو الفوائد التي سيحققها في الدنيا، وهذا بمثابة الحافز الذي يخلق قوّة دافعة لإنجاز الأعمال.

وهذا يفيد في أنه يجعل الإنسان ينطلق في عمله بالقناعة والرضا، فينبغي أن نكتشف المبررات لتكون لنا حافزاً، وفي الصيام تخبرنا الآيات من سورة الأحزاب أن الصائمين والصائمات {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}، (سورة الأحزاب: 35)، فإن المحفّز هو هذا الأجر العظيم الذي ينبغي أن نكتشفه بنور العلم، لأن فيه الخير الكثير، حيث يشتمل على بعدين:

الأول: غفران الذنوب الماضية، وهي فرصة لا تعوّض لكي يبدأ الإنسان من جديد وكأنه لم يفعل شيئاً، والرسول، صلى الله عليه وآله، يقول في خطبته عن شهر رمضان: «فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم».

الثاني: الأجر العظيم، وهو الثواب الذي يعطيه الله تعالى للإنسان في الآخرة عندما يحقّق ذلك الهدف ويجتاز ذلك البرنامج بنجاح.

 

القاعدة الخامسة: التوقيت، التناسب

برنامج الصوم، محدّد بوقت معيّن، فهو شهر واحد يكون في شهر رمضان، حيث يقول -عزّ وجلّ-: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ}.

فالحالة المثلى أن يتم هذا الواجب في هذا العدد من الأيام في هذا الشهر الذي جعل الله له فضائل خاصة وروحية متميزة، بأن أنزل فيه القرآن الكريم {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ}، ففيه الأجواء التي تكون هدى للناس، ولكن أيُّ أناس أولئك؟ إنهم المتّقون، حيث يقول تعالى عن القرآن: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}، (سورة البقرة: 2)، وحيث أن التقوى هي الغاية من هذا البرنامج فشهر رمضان أنزل فيه الكتاب الذي هو هدى للمتقين، لتتناسب الأجواء مع المقصد والهدف.

وجعل فيه أيضاً ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ، (سورة القدر: 3) لأن فيها مميّزات {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}، (سورة القدر: 4-5)، حيث أن هناك تناسباً مع المقصد وهو الوصول إلى بناء الشخصية المتقية، والتقوى تحتاج إلى أجواء تستقبل فيها الدعاء وتقبل فيها الأعمال بأضعافها.

 

القاعدة السادسة: الخطة البديلة

البرنامج الرمضاني فيه أعمال خيّرة كثيرة، كالدعاء وقراءة القرآن والصدقة وسائر الأعمال الصالحة، أمّا الصيام فهو بُعد أساسي، وهو الواجب الذي يحافظ على كون الإنسان ملتزماً بالعمل الأساس، ولكن عندما لا يستطيع الإنسان أن يؤدّيه كأن يكون فيه مشقة عليه لمرض أو غيره، فإنه يلجأ إلى الإطعام كعمل صالح بديل ليؤدي نفس المقصد، كون إطعام المسكين الواحد للمعذور يعادل صيام يوم واحد، أما إفطار يوم واحد لغير المعذور فيعادل صيام ستين يوماً - مثلاً -، يقول تعالى في شهر رمضان: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}.

يمكن أن نستفيد من هذا الإجراء أنه عندما تواجهنا صعوبات في الطريق الموصل للهدف، فعلينا أن نبحث عن الطريق البديل من الخيارات المتوافرة الذي يدعم الهدف ذاته، ويكون معادلاً له في التأثير.

فدائماً هنالك طرق وسبل متنوّعة للوصول إلى الهدف الواحد، ولكن هذه الطرق لابد أن تكون متعادلة ويمكن أن يقوم بعضها مكان الآخر، فلا يمكن أن يقوم الإنسان الفقير الذي يريد أن يساعد الفقراء الآخرين بالمال على سبيل المثال، بسرقة إنسان آخر، ليعطيه للفقير، فهذا ليس طريقاً موصلاً لهدف العطاء، فلا يطاع الله من حيث يعصى.

 

القاعدة السابعة: العمل و إكماله

نلاحظ أن كل إنسان مكلف، وصحيح، وحاضر في شهر رمضان المبارك يجب عليه أن يبدأ بالفعل بالصيام، وعليه أن يجتاز المدة المقررة له في الوقت المعين، وعندما لا يستطيع الإنسان أن يؤدّي صيام بعض هذه الأيام في هذا الوقت، فعليه أن يحافظ على العدد لإكمال البرنامج في وقت آخر.

يقول تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، أي إن تحققت المقدّمات التمهيدية وغيرها، وجاء الوقت المناسب، عليه أن يبدأ بالعمل، فقوله تعالى: ﴿فَلْيَصُمْهُ دلالة على الشروع في أداء الفعل عملياً وليس الاعتماد على الكلام، ولا يكفي الإيمان بالهدف أو البرنامج من دون عمل، يقول - تعالى -: {وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}، (سورة المائدة: 9)، فالصائمون والصائمات الذين أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً كما في الآية 35 من سورة الأحزاب، لابد أن يلازموا بين الإيمان بالشيء والعمل به كما في هذه الآية.

ولنتبين ملازمة الإيمان والعمل، ننقل هذا الحديث الشريف الذي يعبر عن ذات الموضوع: «لا يقبل إيمان بلا عمل ولا عمل بلا إيمان»، ثم يقول - عزّ وجلّ -: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ. أي لتتموا المدّة المقرّرة، فكثير من الناس يبدأون برنامجاً ما ولكنهم لا يسعون لإتمامه والوصول إلى نهايته، فلا يحصلون على النتائج المرجوة من أعمالهم، فإذا أراد الإنسان أن ينجز مهماته بنجاح، عليه أن يؤدّي العمل حتى نهايته ثم يرى مقدار المنجز منه، والوصول إلى النهاية يحتاج إلى صبر وعدم الاستعجال، فالنتائج لا تأتي إلا عندما تكتمل الأعمال.

 

القاعدة الثامنة: النتائج والآثار

هل ينتهي الأمر عند إكمال العدّة وإتمام العمل؟

كلا؛ فلابد من حصد النتائج، فنرى ما هو الواجب تجاهها؟

يقول - تعالى -؛ بعد أن ذكر برنامج الصيام وما يحققه وكيف يتعامل معه: {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، والهداية هي الوصول إلى حالة التقوى التي هي الغاية والمقصد من البرنامج الرمضاني، ويوضح أن الهداية هي الوصول لحالة التقوى، ما جاء في الآية المباركة من سورة الزُّمَر: {أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}، (سورة الزمر: 75)، وتكبير الله هو معرفة شأنه في نفس الإنسان وكلّما كبر شأن الله - تعالى - في نفسه كلما تصاغر ما دونه، فهذه علامة من علامات الهداية، وأثر من آثارها. وهنا تأتي خطوة أخرى بعد إتمام البرنامج، وهي مراجعة النتائج، والتي سيعرف الإنسان على ضوئها مقدار الفائدة؛ فالواجب على الإنسان حينما يشعر بعروج روحه وتأثير البرنامج الرمضاني عليه، أن يقدّر الجهة التي منحته هذه النعمة، فيتوجب عليه الشكر، ألا «بالشكر تزيد النعم»، يقول - عزّ وجلّ - في نهاية الآية: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، كآلية لتنمية النعم وزيادتها.

يستفاد من هذا المقطع من الآيات الرمضانية، أن المقاصد والأهداف التي يحدّدها الإنسان في الدنيا، لا تزال تحتاج إلى دور إضافي بعد تحقيقها، فمن يطمح بأن يكون تاجراً كبيراً في السوق، لا ينتهي دوره عندما يحقّق الثراء، بل إنه يحتاج إلى دور آخر، عندما يكون بالفعل تاجراً، فالتاجر يحتاج إلى معرفة السوق ومعرفة حسن التعامل مع الناس ومعرفة القوانين والأحكام، كل ذلك لكي يحافظ على ما وصل إليه وينمّيه.


ارسل لصديق