خطيب المنبر الحسيني آية الله السيد مرتضى القزويني في حوار مع «الهدى»:
المنبر الحسيني.. مؤسسة إعلامية متكاملة
كتبه: محمد علي جواد تقي
حرر في: 2012/11/29
القراءات: 6110

من أعلام كربلاء وعلمائها البارزين، و لا يزال يواصل العطاء من خلال المنبر الحسيني منذ أن درس في الحوزة العلمية بكربلاء المقدسة عند اساتذتها الكبار، كالشيخ جعفر الرشتي والشيخ محمد الخطيب والسيد محمد حسن القزويني.

انه: السيد مرتضى بن السيد محمد صادق بن السيد محمد رضا القزويني، استقبلته أرض كربلاء المقدسة، وليداً في ربيع عام 1349للهجرة.

عُرف بمواقفه الجريئة في نصرة الحق والعدل ومجابهة الظلم والانحراف، كما عُرف بشخصيته الصلبة التي لا تساوم ولا تداهن. كما اشتهرت مواقفه الجهادية، منذ أن واجه المد الشيوعي حين ردد فتوى المرجع الديني الراحل السيد محسن الحكيم: «الشيوعية كفر وإلحاد»، وتعرض للاعتقال في بغداد و نُفي الى زاخو ثم الى تكريت، ثم واصل جهاد الكلمة ضد حزب البعث بعد ان هاجر الى الكويت قسرا عام 1971، وصدر حكماً غيابياً بإعدامه ومصادرة امواله.

ثم كانت الهجرة الثانية الى ايران عام 1980 والثالثة الى امريكا عام 1985 لينطلق عالمياً في أداء مسؤوليته الرسالية، بنشر العقيدة وثقافة أهل البيت عليهم السلام، منتدباً من قبل بعض المراجع العظام للعمل الإسلامي والدعوة والتبليغ

• نبذة عن الانطلاقة الاولى:

• في الثانية عشر من عمري أخرجني والدي من المدرسة الحكومية، وادخلني الحوزة العلمية في المدرسة الهندية المعروفة في كربلاء المقدسة، والى جانب الدارسة الدينية، بدأت بتعلّم الخطابة، وكان المشجّع والمعلم لي، خالي المرحوم السيد محمد صالح القزويني، وكان من مشاهير الخطباء آنذاك. وكنت اصعد المنبر على صغر سنّي بعنوان المقدمة للمرحوم خالي، حيث كان يعطيني، أنا و بن عمي السيد محمد كاظم – رحمه الله-، كل يوم عدة أبيات للنعي ونقرأ أمامه، وهكذا تطورت المجالس بمرور الزمان، حيث بدأنا بقراءة الاحاديث والنصوص التاريخية، ثم توسعت مجالسنا تدريجياً، حتى وصلنا الى ما نحن عليه.

وبذلك بإمكاني القول: اني منذ الثانية عشر من العمر وحتى اليوم حيث عمري 84 سنة، لي الشرف بان أكون قد خدمت المنبر الحسيني لمدة 72 سنة.

• ما هو تقييمكم للدور الثقافي للمنبر الحسيني في توجيه الناس وتكريس الوعي الديني والثقافي؟

• بالحقيقة إن أول خطيب حسيني هو الامام الحسين عليه السلام نفسه، وتاريخياً أقول: انه قبل استشهاده وفي تلك الخطبة المعروفة قبل خروجه من مكة المكرمة قال: «الحمد لله وما شاء الله ولا قوة إلا بالله.. خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلي يوسف، وخيرٌ لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها عُسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء...»، الى آخر خطبته.

ومن بعده كان الامام زين العابدين عليه السلام وعمته العقيلة زينب عليهما السلام، الصوت الصادح بالرسالة المحمدية ورفض الظلم والطغيان. وكان هذا الصوت يجابه الصوت المأجور والممالئ للسلطان والحكومة، وفي مجلس يزيد بالشام، صاح الإمام السجّاد عليه السلام بذلك الخطيب الذي اعتلى المنبر ليمدح يزيد، وقال له: ويحك..! اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق.

إذن؛ منذ زمن يزيد وقبله، كان هناك علماء وخطباء من اتباع السلطة والظالمين، ويتسلّمون أجورهم المزيفة، وبالمقابل هنالك خطباء على خط الحسين عليه السلام، بمعنى، هنالك خطّان في الخطباء، كما هو الحال مع العلماء، وما يزال الامتداد حتى اليوم: فهناك من يدعو الى الأفكار الدخيلة والأجنبية، واتباع الحكام الظالمين والمستكبرين، وهنالك الخطيب الحسيني الذي مهمته كشف زيف الحكّام الطغاة، حتى في هذه الأيام، مما يستوجب أن يعرف الخطيب الحسيني دوره في هذه الظروف.

 

• هذا عن إماطة اللثام عن وجه الحكام الظلمة والمنحرفين، فماذا عن التوعية والتثقيف في أوساط المجتمع..؟

• نعم.. للمنبر الحسيني دوره الرئيس في التوعية الدينية في المجتمع، إلى جانب مهمة فضح الحكام.. حيث بإمكان المنبر أن يكون له دور في التوعية الثقافية والأخلاقية والعقائدية. ففي زمننا الحاضر، بل وعلى مدى القرون الماضية، كان المنبر الحسيني ـ و مازال ـ يمثل وزارة الإعلام ، كما في أي دولة..

إن للحكومات وزارات، و وسائل إعلام عديدة، من صحافة وقنوات فضائية، ومؤسسات إعلامية وثقافية ضخمة، بل هنالك الاستفادة من الأوقاف للدعاية الحكومية.. لذا على خطباء المنبر الحسيني ان يعلموا أنهم يقفون أمام جحافل من أئمة الجماعة وأئمة الجمعة التابعين للحكومات والأنظمة، ومعهم كل وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة، كل ذلك في جبهة وهم في جبهة أخرى.. بمعنى أن أمامهم جبهة ضلالة وباطل، وتمتلك كل أسباب القوة، لذا يجب على الخطيب الحسيني ان يعدّ العدّة ويوفر قوة تضاهي تلك القوة.. والتجهيز هنا، يتمثل بالعلم والإخلاص لله تعالى والشجاعة، وان يحمل الخطيب الحسيني الثقافة العالية التي تشمل الثقافة الحوزوية والجامعية و العصرية، وأن يعرف لغة ذلك البلد الذي يبلّغ فيه.. لان لغة الشباب تختلف عن لغة الشيوخ.. ولغة الأميين تختلف عن لغة المثقفين.. فالخطيب الحسيني يجب ان يعرف لمن وفيمن يخطب..؟ إن كان للمثقفين يجب أن يعرف عقليتهم، بل تكون ثقافته أعلى منهم، أو يخطب بين الأميين يعرف عقليتهم، وهكذا إذا خطب بين العلماء والسياسيين، حتى يكون كلامه ومنبره مؤثراً.

 

• هل يمكن توجيه القضية العاطفية لإيصال أهداف وقيم النهضة الحسينية الى ابناء المجتمع؟

• المسألة العاطفية التي أشرت إليها، أمرنا بها أئمتنا عليهم السلام..

يقول الامام الصادق لأحد أصحابه وهو فُضيل ابن يسار، وكان من فضلاء وعلماء الشيعة: «تجلسون وتحدّثون؟ قال: نعم، جعلت فداك. قال: إن تلك المجالس أحبها، فأحيوا أمرنا.. يا فضيل، رحم الله من أحيا أمرنا..»، فالإمام الصادق عليه السلام يحب أن يحضر في هذه المجالس التي فيها إحياء لذكر آل محمد صلى الله عليه وآله..

وفي حديث آخر عن الإمام الرضا عليه السلام يقول: «من جلس مجلساً يُحيا فيه أمرُنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب»، وليس المقصود من موت القلوب، في الآخرة، إنما في الحياة الدنيا. إن القلوب البعيدة عن ثقافة آل محمد، قلوب ميتة.. لاحظ أي مذهب أو دين في العالم، لا تجد سوى مذهب أهل البيت عليهم السلام، يُحيي قلب الإنسان، من خلال ذكر أخلاقهم وفضائلهم وحكمتهم وسيرتهم من على المنبر، ثم تشجيع الناس على إتباع آل محمد، والدعوة إلى تقوى الله، وتقوية أصول وفروع الدين، مثل الاهتمام بالصلاة والصيام وسائر العبادات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وهذا يأتي في مقدمة أولويات المنبر الحسيني في الوقت الحاضر. وهو كذلك منذ مئات السنين..

وبما ان المنبر الحسيني يمثل وزارة إعلام بالكامل، فان المسؤولية أمامنا ثقيلة وكبيرة جداً، لكن بالمقابل تدر فوائد كبيرة على الأمة، إذا كان الخطيب الحسيني ومنبره ناجحين.

إن الذي حافظ على الشيعة وكيان التشيع، هو المنبر الحسيني، سواءً في إيران أو العراق أو أفغانستان أو باكستان، أو لبنان وسائر البلاد الإسلامية، ولولا المنبر الحسيني لتشتت الشيعة وضاعوا بين الشعوب المختلفة.. هنالك الكثير من الشيعة في بعض البلاد ضيعوا تاريخهم وثقافتهم وهويتهم، بل حتى خرجوا من الإسلام.. أعرف عوائل من نسل رسول الله صلى الله عليه وآله في لبنان، اعتنقوا الديانة المسيحية، وهم ما يزالون يحملون لقب «الهاشم»..! منهم «جورج الهاشم»، وهو مسيحي لكنه يقول: «إني من ذرية محمد» صلى الله عليه وآله.. والسبب في ذلك انقطاعهم عن المنابر والمساجد.. من هنا على الخطباء أن يعرفوا دورهم، وأن يدخلوا في كل قرية وفي كل عشيرة وفي كل بلدة، ويوصلوا صوت الحسين ليس فقط إلى الشيعة، إنما إلى أبناء العامة أيضاً، بل إلى جميع سكان الأرض، وهنالك العديد ممن اعتنقوا الاسلام ببركة المنبر الحسيني. وهنالك الملايين من غير الشيعة استبصروا ببركة المنبر الحسيني، لاسيما مع ظهور القنوات الفضائية التي بدأت تنقل المنبر الحسيني إلى مختلف بقاع العالم.. لذا يجب على الخطيب ان يعرف ان صوته لا ينحصر في الحسينية او المسجد انما يصل إلى كل مكان، فعليه أن يعرف ما يقول ومع من يتكلم..؟

 

• هنالك من يقول: إن الخطاب العلمي اكثر تأثيراً في المنبر الحسيني من أسلوب الوعظ المباشر، فما رأيكم بهذا القول؟

• يقول الله تعالى: [ومَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ].. احياناً نجد المستمعين تحت المنبر، من المثقفين والأكاديميين والعلماء، فعلى الخطيب أن يتكلم بلغتهم. بينما اذا كان المستمعون من غير المتعلمين، ويتفاعلون اكثر مع لغة العاطفة والبكاء، فيجب أيضاً أن يتحدث بلغتهم الخاصة.. ومثالاً على ذلك؛ يقول البعض عنّي أن مجالسك تحظى بإقبال كبير لأنك تتحدث بلغة بسيطة يفهمها الجميع..

ربما هنالك البعض ممن لايفهمون اللغة العلمية، او النصوص الواردة في كتب التاريخ والحديث والأدب، لأن الجالسين تحت المنبر ربما يكونون من الأطفال ومن الشيوخ والعجائز، إذن، علينا أن نوصل الآية القرآنية الى مستوى عقلية تلك العجوز وذلك الشاب وحتى الطفل.

 

• ما هي برأيكم، شروط نجاح المنبر الحسيني؟

• الخــــــــطيب الذي يريد أن يكون ناجحاً، ويكون منبره محل استقطاب المثقفين والجامعيين والسياسيين و الحوزويين، عليه أن يحمل ثقافة جامعة وشاملة، بحيث يتمكن من الحديث الى الجميع.

بدايةً عليه أن يكون قد أكمل دراسة علوم اللغة العربية، من النحو والصرف والبلاغة والبيان. فهنالك خطباء لهم فكرة قوية، لكن لغتهم ضعيفة تشوبها الاخطاء. ومن ثم عليه ان يكون عالماً بالفقه والمنطق والأصول والتفسير الحديث.. وإذن؛ على الخطيب أن يتخرج من الحوزة إما بدرجة مجتهد وإما مقارب إلى الاجتهاد، حتى يتمكن من أن يوصل رسالته إلى الجميع، ويتمكن الإنسان العادي وطلبة العلوم الدينية والطبقة المثقفة من الاستفادة منه. أما إذا كانت ثقافته حوزوية بحتة، فان المستفيدين يكونوا حوزويون فقط، وإن كانت أكاديمية، فان الأكاديميين والجامعيين وحدهم من يستفيد منه. ونلاحظ ابنائنا من الخطباء الشباب في بلاد الغرب، فلأنهم يتقنون اللغة الانجليزية، نرى الإقبال الكبير والواسع على منابرهم. والى ذلك يدعونا القرآن الكريم في الآية الكريمة: [ومَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ].

 

• ما هي رسالتكم الى طلبة الحوزة العلمية الذين يسلكون طريق الخطابة الحسينية؟

• هذه الرسالة يوجهها الله تعالى في آخر سورة التوبة حيث يقول: [مَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ]، وهذه تمثل أقوى رسالة، وهي من الله تعالى، إلى طلبة العلوم الدينية. و رسالة أخرى منه تعالى أيضاً، عن كيف يجب أن يكون الخطيب..؟ تقول الآية الكريمة: [الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا]، أي لا يجب على الخطيب الحسيني أن يخاف من الحكومة، ولا من الشرطة، ولا من العشيرة، ولا من الفسقة، لذا أضمّ صوتي إلى صوت القرآن الكريم، والى صوت رسول الله صلى الله عليه وآله، الذي يقول: «من رأى منكم سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسُنة رسول الله صلى الله عليه وآله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله»، فيجب أن يكون الخطباء على هذا المستوى من المسؤولية. فالخطيب الذي يسمّي نفسه «خطيباً حسينياً»، يجب أن يكون خطه حسينياً مائة بالمائة، وإذا تهاون، فمن المعيب عليه ان يسمي نفسه خطيباً حسينياً، إنما هو خطيب الدينار والدولار..

وهكذا خطيب معرض للمحاسبة والمسائلة في يوم القيامة أمام الإمام الحسين عليه السلام.

 

• كيف نُكافئ الخطيب الحسيني؟

• هنالك أمران: الأول: يعود إلى نية الخطيب، والثاني: يعود إلى نية الذين يدعونه.. فالخطيب يجب ان تكون نيته خالصة لله تعالى..

كما يقول تعالى: [إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا]. فلا يجب ان تكون نية الخطيب منذ البداية، هي المكسب المادي، ولا أن يكون مجلسه مقابل مبلغ من المال.. من جانب آخر، على أصحاب المجالس ان يفكروا أن على الخطيب استحقاقات و واجبات اجتماعية وشخصية، فهو يأكل ويشرب ويلبس ويسكن و يوفر لعائلته المستلزمات الضرورية للعيش الكريم، مثل أي إنسان آخر. لذا يجب أن ينصفوا الخطيب الحسيني.. فالخطيب الذي أمضى ثلثي عمره في المطالعة و البحث حتى صار خطيباً ناجحاً، لن يتمكن بعد عمر طويل، من أن يعمل في المهن الحرة لتغطية احتياجاته..

وإذن؛ هنالك تكليفان: أحدهما على الخطيب، وهو خلوص النيّة، والآخر على أصحاب المجالس الحسينية، بأن ينصفوا ويراعوا حاجات الخطيب الحسيني.

 

• ما هو تقييمكم للمجالس الحسينية النسائية التي تقام في البيوت..؟ وما هي مقومات النجاح والتطور في هذا المجال؟

• ليست لي تجربة في هذا الميدان.. لكني أقول: يجب على مراجع الدين والعلماء ومن يهمهم أمر الشيعة والتشيع، أن يربوا خطيبات متكلمات ومثقفات.. والتاريخ يحدثنا عن السيدة فاطمة الزهراء وابنتها العقيلة زينب عليهما السلام. والقدرة الخطابية التي كانت لهاتين العظيمتين، تمثل درساً لكل امرأة وكل فتاة مؤمنة ومثقفة، بان تتثقف بثقافة جدتها الزهراء وأمها زينب.. نعم يمكن للمرأة ان تشارك الرجال في المجالس الحسينية في المكان الخاص والمنعزل.. لكن هنالك مسائل لا يمكن أن تطرح بشكل عام، إنما تكون خاصة للنساء.. فلابد من وجود خطيبات متكلمات وعالمات ومثقفات..

 

• من أين تأتي الخطيبات بتلك الثقافة وذلك العلم...؟

• كما نربي الخطباء من الرجال والشباب، لابد من وجود معاهد ومدارس تربوية تزوّد الخطيبات بالثقافة والعلم، كما يحصل هذا بالنسبة للخطباء الرجال. وأرجو ان تقام مثل هكذا معاهد في كربلاء المقدسة.

 

• ما هي التحديات التي تواجه الخطيب والمنبر الحسيني؟

• التحديات كثيرة.. وهي تختلف من زمان إلى آخر.. مثلاً؛ أنا شخصياً، بدأت الخطابة منذ العهد الملكي وواكبت الانقلابات وتعاقب الأنظمة، منذ انقلاب عبد الكريم قاسم والمد الشيوعي، ثم مجيء عبد السلام عارف والمد القومي والطائفي المتعصب، وفي كل هذه المراحل، جربت الاعتقال والسجن من دون الكثير من الخطباء، لأني كنت أواجه السلطة و أتصدي للانحرافات الموجودة، بينما بعض الخطباء كانوا يجاملون، بل كثير منهم اتهموني بالقول: « إن مرتضى القزويني مجنون، عندما يقوم بأعمال تقذف به إلى خلف القضبان...»! فالخطيب أمام حالتين لا ثالث لهما: إما أن يكون هدفه كسب رضا الحكومة والحاكم، وإما يرضي الله تعالى.. فإذا اتخذ الحالة الأولى، لا يُسمي نفسه بعد ذلك خطيباً حسينياً، بل خطيب الحكومة والحكّام، و ليستلم راتبه منهم. أما إذا اراد أن يكون خطيباً حسينياً، فعليه أن يتخذ موقف الإمام الحسين عليه السلام، الذي اتخذ سبيل مرضاة الله تعالى وحسب. و وقف أمام الظلم والانحراف وضحى بنفسه وأهل بيته. فيجب ان يقف بوجه أي حكومة وأي نظام حكم، مهما كان، ويشير إليه بنقاط الضعف والانحراف، ولا يخشى في الله لومة لائم.

 

• بمعنى أن رسالة الخطيب الحسيني، ليست خاصة بأيام عاشوراء، إنما هنالك دور حضاري، يتمثل بالتبليغ الديني..

• نعم.. ان تاريخ الخطباء حافل بمواجهة الطغيان والتصدّي للانحراف، لذا فان الحديث عن التبليغ الديني، يكون أوسع من المنبر الحسيني، لأن التبليغ هنا، إلى الله تعالى، و هي مهمة الأنبياء.. وهذه الصفة جاءت في آيات عديدة: [فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ] و [الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا]، و [وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ].

لنرى نبينا الأكرم، كيف أنه ضحى وجاهد، وتحمل الاتهامات بالسحر والجنون والكذب، حتى قال عن نفسه: «ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت». كذلك أئمتنا المعصومون، لو كانوا ساكتين، وجالسين في بيوتهم، وكانوا يتوجهون إلى الموائد الدسمة والامتيازات الكبيرة، لما أصابهم مكروه، بل ربما كانوا يغدقون عليهم بالأموال.. وهذه هي مسيرة الأنبياء، حيث نجد المعاناة والتحديات الكبيرة التي واجهوها من قبل اقوامهم. لذا نجد بني إسرائيل يقتلون ثمانمائة نبي، منهم النبي يحيى الذي قتل ذبحاً، فيما والده النبي زكريا، قطعوا جسمه بالمنشار.. والسبب في كل ذلك، هو أنهم مبعوثون من قبل الله تعالى لإيصال رسالة الله إلى الإنسان، وهذه الرسالة كانت تجابه بالرفض والامتعاض من البعض، والى هذه الحقيقة تشير الآية القرآنية: [أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ]. أي ان جذر المشكلة في النفس الانسانية التي تدفع الى معارضة ومقارعة الانبياء والرسالات السماوية الداعية إلى التغيير والإصلاح. وإذن؛ على الخطيب أن يحارب ما تهوى النفس الانسانية. وبالنتيجة عليه أن يهيئ نفسه للمعارضة والمطاردة والسجن والتعذيب والتشريد والإعدام وكل أنواع المعاناة والمحن، وبهذا يقتدي بالأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم، و أن لا يقصر في مهمته.


ارسل لصديق