الأخلاق كمنهج لصناعة النجاح الشخصي
سبل النجاح
كتبه: سماحة السيد محمود الموسوي
حرر في: 2012/05/04
القراءات: 2095

إننا في موضوع الأخلاق أمام مفارقة ملفتة في واقعنا المعاصر، ففي المجتمع الإسلامي تدنت مستويات الاهتمام بموضوع الأخلاق الفاضلة لدى الشباب خصوصاً ولكن في الوقت نفسه تزايدت مستويات الاهتمام بموضوع السلوك بشكل عام، أي أن الشاب والشابة تراهم يلجأون لصقل شخصياتهم وتنمية مواهبهم من خلال حسن التصرّف وسبل التعامل مع الناس، وكيفية التواصل مع الآخرين، وتقنيات جذب الآخر والتأثير فيه، وما إلى ذلك من مواضيع تدخل في دائرة السلوك البشري فيما يختص باجتماع الإنسان مع أخيه الإنسان.

هذا الإقبال إنما يسعى من خلاله الشباب إلى اكتساب مهارات تؤهلهم لأن يكونوا أفراداً متميزين في عشرتهم مع الناس، إلا أن الهدف المتوخى من كل ذلك الإقبال ينحصر في أهداف مادية لا تتعدى الفترة الزمنية التي يعيشها الانسان، بل ولا تتعدى مصلحة الفرد نفسه في أغلب الأحيان، فالأهداف هي الوصول للنجاح في الحياة العملية، بل وأي أهداف علمية تُذكر فإن المقصود منها هو تسنّم مقام وظيفي عملي يدر المال ليس إلا.

ونلحظ هذا التوجه الشبابي على المستوى الشخصي من الإقبال على المعاهد التدريبية والدورات التأهيلية مدفوعة الأجر التي تنتشر تحت مسميات عديدة، والمفارقة الحاصلة أن هذه المعاهد والدورات إنما تهدف صياغة الشخصية في سلوكها اعتماداً على تجارب وأفكار مستوردة من الغرب، ومن أناس ذوي نزعة في التفكير النفعي المادي، بينما يمتلك الإنسان المسلم كنوزاً من البصائر والمعارف التي تضمن له صياغة شخصيته بأفضل صورة، مما يؤهله لحسن العشرة مع الناس ولأن يتعاطى بأفضل التعاطي مع مختلف شرائح المجتمع، الأمر الذي يعود عليه بالنفع الدنيوي والتأثير في نجاحاته وانجازاته، كما يضمن له استمرار تلك الانجازات بعد مماته ، وبقاء آثارها في الواقع الاجتماعي.

صياغة الشخصية المتكاملة

        إننا وإن اعترفنا أن في تلك المواد التدريبية بعض الفائدة إلا أنها لا ترقى أبداً إلى ما لدى الإنسان المسلم من منهج أخلاقي في دينه، فلو اطلعنا على الفكر الإسلامي لرأينا أنه يقدّم لنا أفضل القيم والمعارف التي تهدف إلى صياغة السلوك الإنساني على مستوى التصرف الفردي وعلى مستوى اندماج الفرد مع المجتمع وتعايشه معه، وموضوع الأخلاق الفاضلة هو ما يرسم السلوك الحسن بأفضل صوره، بل له مميزات تفتقدها الأطروحات التي لا تستقي معارفها من الدين، وتلك المميزات كفيلة بأن تصوغ شخصية متكاملة الأبعاد في سلوكها، وقد ورد عن الإمام محمد بن علي بن الحسين (ع): (من أعطى الخلق والرفق فقد أُعطي الخير والراحة وحسن حاله في دنياه وآخرته، ومن حُرم الخلق والرفق كان ذلك سبيلاً إلى كل شر وبليّة إلا من عصمه الله). فآثار الأخلاق الفاضلة واضحة وواسعة في حياة الإنسان في جانبها الدنيوي وجانبها الأخروي معاً.

        ونبيّن بعض تلك الجوانب والأبعاد من خلال روايات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وروايات أهل بيته (عليهم السلام).

1/ اكتسب مودة الآخرين.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (حُسنْ الخُلق يُنبت المودّة). وعن الإمام علي (عليه السلام): (عليك بحُسن الخُلق، فإنّه يُكسبك المودّة).

الأخلاق الفاضلة ذات أثر واضح ومباشر في اكتساب مودة الآخرين وحبهم، وهذا الميل الذي تجرّه الأخلاق الحسنة هو زرع في القلب وله أثر في واقع علاقة الإنسان بالآخرين، ولأن رابطة القلوب هي الأقوى على الإطلاق فإن الأخلاق هي أفضل وسيلة لتحقيق تلك الرابطة التي تحمل مقوّمات الثبات ومقوّمات الانتشار.

ولذلك فإن الإنسان مهما تحصّل على مهارات وقدرات علمية أو مادية أو جمالية، فلن ينتفع بها كل الانتفاع، لأنه كائن اجتماعي، خلقه الله تعالى لكي يعيش مع الناس ويتعايش معهم ويتبادل كل المصالح الخيرة وأن يتعاون معهم في الخيرات ويبني معهم حضارته ومجتمعه، لقد قال رسول الله (ص): (ثلاث من لم يكنّ فيه واحدة منهن فلا يعتّد بشيء من علمه: تقوى يحجزه عن معاصي الله، وحلم يكفّ به عن السيئة، وخلُق يعيش به في الناس).

وإن الأخلاق الفاضلة لها مواصفات ذاتية فهي تجلب منافعها حتى لو لم يكن الشخص قاصداً تلك الصفة بشكل مباشر، فآثار الخلق الفاضل تلقائية، فبمجرد أن يتصف بها الإنسان ويمارسها تعود عليه بالنفع ويجد آثارها على نفسه وعلى الآخرين، قال رسول الله (ص): (ثلاثة يوجبن المحبة: حسن الخلق وحسن الرفق والتواضع).

2/ أكمل إيمانك.

        الإسلام هو مجموعة معتقدات ومجموعة عبادات وسلوكيات منبعها الله عز وجل ورسوله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، فعندما لا يلتزم الإنسان بجزء من هذه المنظومة فإنه منتقص الإيمان، فلا يمكن أن يلتزم المرء بمعتقدات الإسلام ولكنه لا يلتزم بأداء العبادات، وكذا الحال عندما يتخلى البعض عن المنهج الأخلاقي الإسلامي فإنه قد جزّأ الدين وأخذ بعضاً وترك البعض الآخر، فكمال الإيمان هو باتخاذ كافة الجوانب من الدين، ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً).

        فدرجة إيمان الإنسان مرتبطة بحسن أخلاقه، وهذا يعني أن الأخلاق مؤثرة في إيمان الإنسان، وهذا ترغيب في الالتزام بالأخلاق من جهة، وهو أيضاً إثبات العلاقة المطردة بين الإيمان والأخلاق، بل إن الأخلاق جزء أساس من الإيمان أيضاً، فقد قال الإمام علي (عليه السلام): (رأس الإيمان حسن الخلق، والتحلّي بالصدق). فإن الرأس من أهم الأجزاء في الإنسان، وعندما تعبر الرواية أن منزلة الأخلاق بالنسبة للإيمان هي منزلة الرأس من الجسد، فهذا يعني أن الأخلاق معبّر عن إيمان الإنسان وناطق عنه، وجزء مقوّم فيه، ومن دونه يتلاشى الإيمان فلا يكون له معنى.

        ولقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) تعبيراً عن أثر الأخلاق في عبادة الإنسان: (إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة وأشرف المنازل، وأنه يضعّف العبادة). أي يجعلها مضاعفة في الأجر والأثر.

3/ ضاعف نجاحك

        إن سبل النجاح في الدنيا متعدّدة، سواء كان النجاح في تحقيق الإنجازات أو في در الرزق على الإنسان وتحسين مستواه المعيشي، أو في التفوق الاقتصادي، ولقد اعترف الكثير من علماء السلوك أن سلوك الإنسان وطريقة تعامله مع الآخرين لها دخل في تحقيق النجاح، وقد قالوا في الصين مثلهم: (من لا يعرف الابتسامة لا يفتح دكاناً)، كناية عن دور حسن التعامل مع الناس في نجاح المشاريع، ولأن النجاحات هي في الأساس تفاعل اجتماعي بين البشر وتحتاج إلى توافق وانجذاب وتفهم وتعاون، فلابد من الأخلاق الفاضلة لتحقيق النجاح بأفضل صوره وأسرع طرقه، لقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): (حُسن الخُلق وكفّ الأذى يزيدان في الرزق). وقال الإمام علي (عليه السلام): (من ساء خُلقه ضاقَ رِزقه).

4/ كن لدينك زينة.

        من الفوائد الفاعلة للأخلاق الفاضلة التي يتصف بها الإنسان المسلم، هي تحوّل الإنسان إلى داعية للدين، ولأن من مسؤوليات الإنسان المسلم أن يكون داعياً رسالياً يدعو للخير والفضيلة من خلال الدعوة للدين، وقد قال تعالى مخاطباً المؤمنين بالرسالة المحمدية: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين ((النحل /127).

        وتلك الدعوة تحتاج إلى الأخلاق ليكون عامل جذب لغير المؤمنين، فإذا تجسّدت الفضائل في سلوك الإنسان وتصرفاته، فهذا يعني أنه أعلن للآخرين أن ديني الذي أنتمي إليه يحمل هذه الفضائل، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الله استخلص هذا الدين لنفسه، ولا يصلُح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق، ألا فزيّنوا دينكم بهما).

        فالأخلاق يعدّها الرسول (ص) زينة للدين، وكما قال الإمام علي (ع): (الآداب حلل مجددة)، فهذا الحلي هو زينة دين الإنسان، فيكون داعياً للدين بتعامله حتى لو لم ينطق لسانه بكلمة واحدة، وقد قال أمير المؤمنين (ع): (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بطلاقة الوجه، وحسن اللقاء؛ فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم). فطلاقة الوجه وحسن التلاقي مع الناس هي مفردات ومصاديق تطبيقية أخلاقية تؤثر في جذب الآخرين وفي حسن التواصل معهم.

        وإننا قد وجدنا في التاريخ، الكثير من المواقف والقصص التي تبيّن كيف أن أفراداً دخلوا في الإسلام نتيجة رؤيتهم لأخلاق الطرف المقابل وكيفية تعاملهم سواء في التعاملات التجارية أو ردود الأفعال تجاه أذى الآخرين، أو في السلوك تجاه الضعفاء أو غير ذلك.

5/ تبوّؤ درجة رفيعة في الآخرة.

        في الجانب الآخر من حياة الإنسان وهي حياة ما بعد الموت، وهي الحياة الأهم والأكثر مكوثاً، بل إن ما يفعله الإنسان في حياته إنما هو لأهداف الآخرة لينال درجة رفيعة عند الله تعالى في الجنة، وقد قال تعالى: (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى). وقد قال رسولنا الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم): (الدنيا قنطرة الآخرة)، و(الدنيا ساعة فاجعلها طاعة)، و(الدنيا مزرعة الآخرة)، كل ذلك لكي يعطي الإنسان المسلم أولوية في أعماله في الدنيا لتكون جسراً ينقله إلى أفضل الدرجات في الآخرة.

        والأخلاق الفاضلة تدفع بهذا الاتجاه، وهي مع أثارها في حياة الإنسان واصطفافها في مصلحته ودعمها لنجاحاته، فهي أيضاً من عوامل الفلاح في الآخرة، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أحبّكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم خُلقاً). فكلما كانت جودة أخلاق الإنسان وعشرته الحسنة مع الناس، كان قربه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم القيامة أكثر، ونحن نعرف ونؤمن أن أرفع درجة في القيامة والجنة هي لرسولنا الكريم، وهذا يعني أن الأخلاق هي من أهم عوامل الرفعة والتسامي في الآخرة.

كيف نسمو وننجح بالأخلاق؟

        علينا أن نعرف أن الأخلاق هي مجموعة من القيم والمواصفات التي يتحلّى بها الإنسان في قوله وفعله وعشرته مع الناس، بحيث تتحول إلى سجايا تلقائية ترسم أداءه وتحدد معالم شخصيته في تعامله مع الناس ومع نفسه ومع المواقف التي يواجهها، سواء كانت مواقف إيجابية أو مواقف سلبية، ومن هنا يتضح لدينا كيف تكون الأخلاق عاملاً من عوامل صياغة الشخصية، ودافعاً مهماً من دوافع النجاح وتحقيق الإنجازات.

        فعندما يتحلّى الإنسان بتلك المواصفات ويمارسها كسلوك يومي يمكنه أن يحقق بناء شخصيته وينميها بأفضل حال، وتلك المواصفات الأخلاقية التي تصنّف في علم الأخلاق بفضائل الصفات ومكارم الأخلاق هي  في الأساس نابعة من قيم الدين ومعبّرة عن حقيقة إيمان الإنسان ومتسقة مع عبادته وعقيدته، ولذا فإن من الواجب على الإنسان المسلم أن يتوجه لصياغة شخصيتة من خلالها، وأن لا يستبدل بها ما هو دونها، وقد بلغت أهمية الأخلاق  إلى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، أي إن الأخلاق هي روح الرسالات السماوية الإلهية وقد جاء نبينا (ص) لإتمامها؛ لأنه خاتم النبيين، ولذلك فإن رهاننا ينبغي أن يكون عليها وتوجّهنا ينبغي أن يصب في اتجاهها.

        لقد بدأنا بمفارقة توجه الشباب نحو أخذ السلوك من غير المسلمين والعزوف عن اتخاذها من منظومة الأخلاق الإسلامية، ونختتم بمفارقة أخرى، وهي أن اللوم لا يقع على الشباب وحدهم في ذلك العزوف، فإن  المهتمين أيضاً لهم نصيب من تحمل المسؤولية، فإننا نجد وحسب الملاحظ، أن الاهتمام ينصب في كثير من الأحيان على جوانب من الدين مثل علم الفقه وهو أمر لابد منه، ولكن البعض على مستوى التعليم أو على مستوى الممارسة، يقوم بالاهتمام بأدق المسائل الشرعية لكي لا يقع في محذور، وقد يصل الأمر إلى حد الوسواس، إلا أنه في المقابل لا يعير موضوع الأخلاق اهتماماً ملحوظاً، وقد يتصف بالسيئ من الأخلاق والفظاظة والغلضة في التعامل، ولقد قلنا أنه من النقص في الإيمان أن يجزئ المرء سلوكه، وهذه مفارقة تحتاج إلى معالجة، وعلاجها يتم عن طريق فهم الدين وأنه منظومة متكاملة، فالفقه يدعم الأخلاق والأخلاق تدعم العقيدة فهذه السلسلة تصدق إحداها الأخرى.

        ويمكننا أن نستفيد من الطرق الحديثة في طرح الأخلاق كسلوك حضاري يسهم في بناء الشخصية وفي تحقيق النجاحات المختلفة، والاستفادة من المواد الأسلوبية والأدوات الجديدة، وطرق الخطابة المحببة لهذا العلم الذي هو يحمل التشويق في داخله أصلاً، فإن الله يقول: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات /7).

        فإن الإيمان بكله يحتوي على صفة الجاذبية، وقد زيّنه الله في قلوب المؤمنين إضافة إلى زينته الذاتية، فمن هنا ينبغي أن يتم طرح الأخلاق الفاضلة بأسلوب مفضّل، لتزداد القابلية عليه وليتزين بها الإنسان المسلم في حياته، ويجعلها عنوان نجاحاته. 


ارسل لصديق