معالم إيمانية للإنسان المتحضّر
كتبه: الشيخ محمد سعيد المخزومي
حرر في: 2012/12/22
القراءات: 1527

قال الإمام الحسين عليه السلام: "إن المؤمن اتخذ الله عصمته وقوله ومرآته".

 

المتقي هو إكسير الحياة وعنصر الحضارة لأنه يحذر أن يقع في الغلط أو يسقط في الشطط، وهذا هو معنى التقوى، ولذلك فهو متميز ذو شخصية تحدها معالم كثيرة أبرزها ما يأتي:

 

المَعْلَمُ الأول: الحضاري نمط أوحدي من الناس

لأن المؤمن هو الذي اعتصم بالله تعالى واتخذ قوله مرآته سيكون متقياً بمعنى أن يكون مستقيماً في الحياة، فيقول صحيحاً ويفعل سليماً ويفكر تفكيراً سديداً، فيطابق ظاهرُه باطنَه، فلا يختلف قوله عن فعله، يحب الناس ولا يبغضهم، يعرف الحق فلا يكون إمَّعَةً يتكلمُ عن غير علم من الله، ولا يكون رعاعا ينعق مع كل ناعق وينطق مع كل ناطق، بل يكون واعيا للأمور، ناضجاً في التعامل، فاهِماً للحقائق عن علم، ولا علم عنده إلاّ من الله عزّوجلّ الذي خلقه فسواه فعدله .

ثم أن الذي سواه فعدله وخلقه في أحسن تقويم لا بد أن يسوّي له منهاج تفكيره ويعدل له نظام فهمه، ويُقوِّم له نمط اعتقاده فلا يتخبط خبط عشواء.

وهذا النمط من الناس هم خيار الناس، وأعمده المجتمع، وأقطاب الحضارة، وصنّاع الحياة. فهم الذين يقرأون نداء الله تعالى في "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ" (سورة الصف /2)، فيفهمونه خطاباً توبيخياً للمنافقين الذين يقولون ما لا يفعلون، وإن كانوا في عداد المجتمع المؤمن لأنهم خلطة فيهم، ولهم مالهم، وعليهم ما عليهم.

من هنا فإن رجال التحضر يحذرون أن يكونوا من أولئك الذين يختلف ظاهرهم عن باطنهم ولا يتفق قولهم مع فعلهم.

وهذا يفهمنا أن رجال الحضارة هم النمط الأوحدي من الناس وهم المؤمنون المتقون الذين يفعلون ما يقولون، ولا يقولون إلاّ عن علم، ولا علم عندهم إلاّ من المعلم الذي علّم الإنسان ما لم يعلم. .

 

المَعْلَمُ الثاني: رجال الحضارة ينهلون من أئمة التحضّر

الحضارة فن إدارة الحياة، وهذا يحتاج إلى مُعلّم يأخذ منه ويتتلمذ على يديه.

والعنصر المتحضر في الحياة هو المؤمن الذي استند إلى الله في كل شيء حيث "اتخذ الله عصمته" واجتهد في تحصيل الاستقامة في الحياة، والذي يسميه القرآن الكريم بالمتقي، الذي اتخذ قول الله مرآته. وهذا يتطلب معرفة الثوابت التالية:

الثابت الاول: الإنسان مكلف بطاعة الله ورسوله

حينما يقرأ- هذا العنصر- قول الله تبارك وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ" (سورة محمد/ ٣٣)،  يتأملها جيداً فيكتشف أنه مكلف بطاعة الله ورسوله في كل تعليم من تعاليم الحياة وأنه مسؤول عن تطبيقها على نفسه قبل غيره.

الثابت الثاني: لابد من البحث عن القائم مقام رسول الله صلى الله عليه وآله.

ثم يتأمل عميقا فيبحث عمّن بعدُ لو غاب الرسول صلى الله عليه وآله عن الحياة الدنيا فهل تنقطع هذه الطاعة ويصبح البشر همجاً رعاعاً يعرضون عن الوحي ونصوصه فيقنّون لأنفسهم بأنفسهم، أو أن يفسروا علوم الوحي بما تملي عليهم استحساناتهم؟

الثابت الثالث: يجب التسليم للقائم بالأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.

فيذهب هذا العنصر عميقاً في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ" (سورة النساء/ ٥٩)، فيفهم أن من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، أولي الأمر .

الثابت الرابع: القائم بالأمر بعد الرسول صلى الله عليه وآله، الأئمة الاثنا عشر.

ثم يقف هذا العنصر المتحضر متأملاً في آيات الله تعالى ليطلع على حقيقة أولي الأمر فيقف عند قوله تعالى: "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ" (سورة المائدة/ ٥٥)، فيكتشف أنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ومن يخلفه إلى يوم الدين. عندئذ يعرف أن عليه التلمذة على أئمة التحضر.

الثابت الخامس: الخالق العليم لم يترك الإنسان جاهلا

حقاً... إن اكثر الناس يرجعون في كلامهم وتصرفاتهم وتصريحاتهم ونواياهم وأعمالهم إلى أفكارهم وتصوراتهم القائمة على استحساناتهم الشخصية.

وهنا غلط كبير، ومغالطة وَوَهْمٌ خطير، إذ أن ثمة فرق بين المتحضر والمتخلف ذلك هو فرق العالم عن الجاهل.

ذلك لأن العالم بكل شيء وقد خلق بدقة وحكمة كل شيء، ألمْ يخلق الله العِلم بكل شيء، أمْ ترك الإنسان جاهلا بكل شيء؟

نحن بنو البشر لن يقبل أحدنا من صانع لأجهزة الكترونية دقيقة لغرض تصديرها إلى المجتمع، إلاّ أنه يعلمهم كيفية تشغيلها وطريقة عملها والحلول اللازمة لمشاكلها؟. ومن لا يطلب بذلك، لا يعدوا إلاّ أن يكون جاهلا لا يفهم من الحياة شيئا.

وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يقبل البشر في عقيدة، أن الخالق الذي أوجد الخلق بدقة متناهية ونظام دقيق، ثم خلق البشر على الأرض كي يحيوا حياة طيبة حتى إذا اتم كل شيء تركهم بلا علْمِ بنظام الحياة ؟ فيضطرهم الأمر لأن يجربوا من عند انفسهم نظاما للحياة حسب مقتضيات عقولهم الناقصة المحدودة؟

إن الإذعان لهذا القول لا بد أن يكون من فعل الجاهلين، ذلك لأن الذي خَلَقَ الأشياء كلها وخَلَقَ الإنسان قد خَلَقَ له العلم بالأشياء وهو الذي "عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" (سورة العلق /5).

إذن.... 

فالله تبارك وتعالى الذي خلق الإنسان جاهلاً لا يعلم من العلم شيئا قد منحه وسائل التعلم واستيعاب العلم فقال عزّوجل: "وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"، (سورة النحل /78).

ولذلك فإن الذي علّم الإنسان الذي لم يكن يعلم شيئاً، هو الله تبارك وتعالى كما في الآية الكريمة آنفة الذكر.

الثابت السادس: الخالق العليم بيّن للإنسان علم ما يحتاج

وهنا يتسائل العنصر المتحضر في الحياة مستفهماً: إذا كان الخالق عزّوجل، قد خلق الإنسان جاهلا ثم أعطاه وسائل العلم، فمن أين إذن يأخذ العلم الذي يحتاجه ووسائله؟

الجواب: الخالق الذي وهبه وسائل العلم لا بد أن يبين له العلم بالأشياء التي يحتاجها في الحياة لكيلا يبقى تائها متخبطا، وقد قال سبحانه وتعالى: "يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (سورة النساء/ 176).

 الثابت السابع: وجوب التعلم على القائم بالأمر بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

فكانت تلك العلوم تحت تصرف الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، حيث أمر الله عباده أن يتعلموا علوم الحياة من الرسول صلى الله عليه وآله، إذ كلفهم الاستجابة بقوله عز وجل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ" (سورة الأنفال/ ٢٤)، وقد دعاهم الله ورسوله إلى الامتثال وتَعَلُّم علوم الحياة اللازمة للبشر من ولي الله في الأرض ذلك: "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ" (سورة المائدة /٥٥). 

إذن فعلوم الحياة متاحة بيد رسول الله صلى الله عليه وآله، وخلفاءه المعصومين من بعده كما أسلفنا .

ولقد ورد عن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام في قوله: "الرَّحْمَنُ*  عَلَّمَ الْقُرْآَنَ" (سورة الرحمن /1-2).

 قال عليه السلام: الله علم محمداً القرآن .

قلت: "خَلَقَ الْإِنْسَانَ".

قال عليه السلام: ذلك أمير المؤمنين عليه السلام .

قلت: "عَلَّمَهُ الْبَيَانَ"؟ 

 قال عليه السلام: (علمه بيان كل شيء تحتاج إليه الناس ..) (1).

والنتيجة...

 فإن الإنسان المتحضر هو الذي لا يقول من عند نفسه قولاً، ولا يبرم أمراً، ولا يعقد عقداً، اجتماعياً كان أو اقتصادياً، سياسياً أو فكرياً إلاّ أن يكون عن الله عز وجل، ورسوله صلى الله عليه وآله، وحججه عليهم السلام، إلى قيام يوم الدين لأن الله لم يترك الأرض غابة والبشر ضُلاّلا.

وأن على الإنسان أن يتتلمذ على أئمة الحضارة فيتعلم منهم كلما يحدث له ويطرأ عليه ويحتاج إليه، وإلا فهو جاهل وإن تسمى عالما.

وقد بيّن ائمة الحضارة ومنابع الحياة ذلك الأمر على لسان الإمام الصادق عليه السلام، كما ورد عن يحيى بن زكريا الأنصاري ، عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام، أنه  قال:

(سمعته يقول: من سرّه أن يستكمل الإيمان كله فليقل: القول مني في جميع الأشياء قول آل محمد، فيما أسرّوا وما أعلنوا وفيما بلغني عنهم وفيما لم يبلغني) (2) .

 

المَعْلَمُ الثالث: المتحضرون لا يؤثر فيهم المتخلفون

المعلم الثالث من معالم شخصية الإنسان المتحضر هو أن المتحضر هو العنصر الأوحدي من الناس الذي استند في نظام حياته إلى الله تعالى وقد اتخذه عصمته وقوله مرآته كما قال الإمام الحسين عليه السلام .

وبالتالي فعنصره أصيل ومعدنه ثقيل لا تؤثر فيه التيارات الدعائية والأفكار التي تعتمد الشبهات وتعمل على التسطيح الفكري في الحياة.

فعنصر الحضارة والحياة إذا ما قيل له أنت نحاس وهو ذهب لا يهمه من الأمر شيء، وإذا قيل له لقد صار سعر الذهب أبخس من سعر النحاس لا يتأثر إذ يضع الأمور محلها وكل شيء عنده بميزان الوحي والعقل وليس النفس والهوى.

من هنا فإن المتحضر حينما يقرأ قوله تعالى:  "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" (سورة المائدة: ١٠٥)  يتأمله جيدا فيعرف أن (الدنيا سوق ربح فيها قوم وخسر آخرون) (3) ويفهم أن الحياة سباق في صناعة الخير "وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ" (سورة المطففين: ٢٦) ويفهم أن (العمر أنفاس معدودة) (4) وعليه أن يستثمره ما استطاع إلى ذلك سبيلا وأن يكون على السبيل الصحيح والمنهاج السليم والطريق القويم لأنه سبيل النجاح الناجحين ومنهاج الفلاح والمفلحين  فيعمل بقانون: "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (سورة التغابن: ١٦)

لذلك فلا يهتم إذا ضل قوم أو حرج آخرون عن السبيل المستقيم، المهم أن يحافظ على نفسه ليكون ناجحا في هذا المضمار.

بعكس الجاهل الذي تهزه العواصف وتنال منه الرياح فينعق مع كل ناعق.

 

المَعْلَمُ الرابع: المتحضرون متبصرون

المتحضرون هم الوحيدون الذين إذا  قرءوا قوله تعالى:   

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ" (سورة الحجرات: ٦)   يتثبتون ولا يتسرعون وذلك أنهم أهل علم ودليل وهم أهل قواعد ثابتة وثوابت راسخة، فلا ينطقون جزافا ولا يتسرعون فيندمون لمعرفتهم أن (من ركب الباطل ندم) (5) كما في قول أمير المؤمنين عليه السلام.

والسبب في ذلك أن المتحضر هو الذي اتخذ الله عصمته قوله مرآته، بعكس الجاهل الذي مال إلى رأيه واعتصم بآراء غيره، ثم اتخذ هوى نفسه مرآته، فَضَلِّ وأضَلَّ.

-----------------

1- تفسير نور الثقلين - الشيخ الحويزي - ج 5 - ص 188 والايات من سورة الرحمن/ آية ١ - ٤.

2- الكافي - الشيخ الكليني - ج 1 - ص 391.

3- ابن شعبة الحراني، تحف العقول عن آل الرسول ص483.

4 كما قال أمير المؤمنين عليه السلام، غرر الحكم ودرر الكلم، للآمدي  ص159.

5- الآمدي - غرر الحكم ودرر الكلم ص71.


ارسل لصديق