ملامح المؤمن المتحضر
ضرورة النجاح في دوائر الإمتحان المتنوعة
كتبه: الشيخ محمد سعيد المخزومي
حرر في: 2013/05/09
القراءات: 1141

قال الإمام الحسين عليه السلام (إن المؤمن اتخذ الله عصمته وقوله مرآته)

المؤمن هو المستمسك والعامل بقيم الحياة دون المدعي لها، فهو عنصر الحياة دون غيره.

ولانه كذلك فهو يقع في دائرة الامتحانات المتعددة في الحياة التي يجب أن يكتشفها الإنسان عبر انفتاحه على آيات الله تعالى ليكتشف الموقف المطلوب منها، ثم النجاح فيها .

ومن تلك الدوائر الامتحانية ما يلي:

 

الدائرة الامتحانية الأولى:

إمتحان المتحضرين بالمتخلفين

قسم من البشر لا ينفع في معركة البناء الحضاري  في الحياة، وهم ممن يقعون في دائرة المؤمنين ثم يطفون على السطح فيبدون «غثاء يأتي به المـــــوج من كل مكان»، كما قال الإمام الصادق، عليه السلام (1)، فترتفع اصواتهم في صفوف المؤمنين لزعزعة جبهة أنصار الحياة ودعاة الخير، رافعين ابواقهم المشككة للطعن في مناهج الوحي فيكونون تجسيداً لقوله تعالى: «وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا». فينقلب منهم على جذور مشروع المصلحين حتى تنطلق «طَائِفَةٌ مِنْهُمْ»  فترفع شعار الردة، «يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا»، فيبدأ منهم للبحث عن طرق ملتوية «وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً». فنفوسهم مجبولة على المسارعة للفتنة، «وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً»، رغم ما واثقوا عليه من مواثيق، «ولَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا».(سورة الأحزاب /11- 15).

وهذا بالطبع من موارد امتحان الله المؤمنين بالآخرين في مدرسة الامتحان الكبرى في الحياة.

 

الدائرة الامتحانية الثانية:

إمتحان أئمة الباطل ورموز التحلل

أما بالنسبة إلى الكافرين فأئمتهم قوم نكرات في الحياة، لا في كلامهم يصدقون، ولا بوعودهم يفون، فهم يشكلون بؤرة للارهاب والإفساد وامتهان صناعة الموت، «وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ»، والموقف منهم لا ينفع فيه هداية و اصلاح وحكم الله فيهم، «فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ» (سورة  التوبة /12).

 

الدائرة الامتحانية الثالثة:

إمتحان أنصار الباطل وأتباع التخلف

وأما أنصار أئمة الكفر وأتباعهم فيتذرعون عادة بالحجج الواهية، متنصلين عن الالتزام، بشتى السبل الملتوية، وهؤلاء ممن تكشفهم امتحانات الحياة التي تمر على المؤمنين ومن في خلطتهم من المنافقين الذي لا يصلحون للبناء الحضاري وصناعة الحياة، فهُم ممن، «قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ» (سورة آل عمران /154).

 

الدائرة الامتحانية الرابعة:

إمتحان الخارجين تماما على نظام الحياة

حتى إذا تمادى الجاهلون المتمردون على انصار التحضّر والحياة، ولم ينتفعوا بالحق الذي بين ظهرانيهم، وأخلدوا إلى الدنيا وبهارجها، معرضين عن الحياة الحقيقية، فحُكم الله فيهم أن يعطيهم ما يريدون حتى لا يبقى لهم في الآخرة من نصيب.

وذلك لأن قانون الله تعالى في تخيير الإنسان ما يشاء من خير أو شر، فلكلٍّ فرصته، وامتحانه في الحياة بحيث «مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ» (سورة الشورى /42).

فإذا انساقوا وراء دنياهم ومطالبها الرخيصة ووثقوا بها أعطاهم ما لا يتصور أحد، حتى يتمنى الناس ما عندهم من النعيم كما تمنى غيرهم ممن نظر إلى ما على قارون من زينة، يقول تعالى:

«فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ»، (سورة القصص /49).

ولأن هذا النمط من الناس لا يكترث بخطاب الوحي ولا يصغي إلى نداء العقل، ويغلق منافذ الفهم على نفسه، فيحسبون أنفسهم بهائم ليس لهم من الدنيا إلاّ اللذائذ والشهوات فيعطيهم الله اياها وذلك أن «لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ». (سورة الأعراف /179).

وهذا هو الاستدراج بأنواع النعم الإلهية التي هم عليها لتكذيبهم حقائق الوحي وقيم السماء ونور الحياة فقال عزّوجل:

«وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ». (سورة الاعراف /182).

فيغدق الله عليهم من نعم الدنيا ما لو شاء الله لأعطاهم اكثر لولا أن يسبب ذلك زعزعةً في عقيدة بعض المؤمنين، فيوقعهم بالكفر فقال تعالى:

«وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ». (سورة الزخرف /33). فيتمادون في طغيانهم عادّين ذلك من مسارعة الله لهم بالخيرات كما قال تعالى:

«أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ». (سورة المؤمنون /55 -56).

وهنا يأخذهم ربهم أخذ عزيز مقتدر، وهم في غفلة ساهون وذلك «إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ». (سورة يونس /24).

 وهنا يفهم عناصر التحضر ورجال صناعة الحياة، أن الإنسان، ومنذ أن كلَّفه الله تعالى، يدرك أن مسؤوليته في الحياة الدنيا هو في صالة امتحان شديد حتى يغادرها، وأن عليه رقيباً عتيداً لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.

فيدرك أن الله تعالى لم يجعل الناس ليكونوا أمة واحدة على الكفر بالحق والتمرد على الحياة، والعصيان لمناهج الوحي، ولا أمة واحدة مجمعة على الايمان دون أن يمتحنهم بالكافرين، بل منحهم مستلزمات النجاح في الامتحان وترك لهم تقرير المصير ليختاروا ما يشاؤون، «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ». (سورة المائدة /48).

ومع هذه الدوائر الامتحانية الكثيرة، يكون «المؤمن» بقيم السماء «المربي نفسه» عليها «لا المدعي لها»، يشكّل العنصر المتطور في الحياة، السالك سبل التقدم، العامل عليها،  وذلك لمعرفته أنه في امتحان دائم يلزمه أن يحقق تطورا دائما، وتقدما مستمرا، وتراكما لفرص النجاح المتكرر في الحياة.

--------------------

* 1/ الكافي؛ الكليني، ج8 ص237.


ارسل لصديق