صُنّاع الحياة إنسانيون
كتبه: الشيخ محمد سعيد المخزومي
حرر في: 2013/06/06
القراءات: 1033

خُلق الإنسان في الأرض على الفطرة، فهو يُحب الخير ويُبغض الشر.. يميل إلى الصلاح ويهرب من الفساد، يرغب في البناء، ويُبغض الهدم. تواقٌ إلى الارتقاء، حذرٌ من التردي والتدهور. ينشد التطور، ولا يحب التوقف. يستأنس بالاجتماع والتآلف ويستوحش من التمزق والتشرذم. يحب القوة ويبغض الوهن والضعف.

ثم إن الذي أعطاه هذه الدوافع النابعة من الفطرة الذاتية، قد أعطاه التمكين على الفعل وإظهار كوامنها إلى العلن لكي يوجد الإنسان لها واقعاً خارجياً.

فمن البديهات أن الله تعالى قد غرس في الإنسان الدافع للأكل أو الشرب أو التملك والشراء وغيرها، وقبل أن يغرز فيه تلك الغرائز مكَّنه عليها، وسهَّل له التوصل إليها، والاستفادة منها، وجهزه بالامكانات اللازمة لإنجاز تلك الأمور، وهكذا الأمر في كل الدوافع والغرائز الأخرى.

فالرب، الحكيم الذي أعطاه كل شيء وسيّره وفق نظام دقيق، لابد وأن يكون قد أراد له أمراً وكلفه بمهمة في الحياة الدنيا، فكانت تلك المهمة أن يحلق عالياً في سماء التكامل والارتقاء، وتسلّق مراقي النضج والتحليق إلى أرقى عوالم الوجود الإنساني التي تتاخم الوجود الملائكي، فأراد له أن يرتقي في ممارساته اليومية فيلمسها بيده ويتحسسها بحواسه ولقد قال الإمام الصادق عليه السلام، عن هذا الارتقاء الممكن في خطابه لواحد من اصحابه:

«... يا ابن جندب لو أن شيعتنا استقاموا لصافحتهم الملائكة ولأظلهم الغمام ولأشرقوا نهارا ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولما سألوا الله شيئا إلا أعطاهم..». (1)

حقاً؛ ان دافع الارتقاء هو غريزة انطبع عليها الإنسان، فكل فرد يحب الارتقاء، ولكنهم يختلفون في تحديده ويتباينون في انتهاج مناهجه الموصلة إليه و يتنوعون في معرفة السبل الموصلة إليه ولذلك يختلفون.

 

* سبل الإرتقاء والتطور

المهم؛ أن الطبع الإنساني يحب الارتقاء والتطور والنضج والتكامل، وإن اختلفوا في تحديد السبل الموصلة إليه وانتهاج المناهج المؤدية إلى درجاته. فالمناهج الموصلة إلى التكامل تحتاج إلى تحديد القاعدة التي تنطلق منها وتقف عليها، تلك التي تتمثل بالأبعاد التالية:

الاستقامة على الأرض الصلبة، والثاني التوجه نحو الزاوية الصحيحة، والثالث العمل وفق السبل السليمة.

فإذا وضع المؤمن بقيم الحياة، نفسه على الطريق المستقيم دون الميل ولو بمقدار أنملة، متجهاً نحو الأهداف المنسجمة وطبيعة القيم، منتهجاً مناهج قيمية لا تحب المرواغة والمساومة، ولا هدر طاقات الآخرين الخلاقة، لصافحته الملائكة، فيصبح انسانا قريباً من سنخ الملائكة، بسبب سُموِّهِ عن المادة وتجرده عن الشهوات وترفعه عن سفاسف الأمور منهجياً ومسلكياً.

ولهذا فقد اُريد من الإنسان أن يسمو بروحه اللطيفة عن تبعات النزوات المادية الكثيفة، فهو جلّ جلاله، يريد لعبده أن يحلّق بلطافة روحه، ولكن المادة الكثيفة تجره بسبب تعلقه بها.

ولذا يفقد الإنسان التطور والتقدم والإبداع في الحياة لعدم تمكنه من استثمار طاقاته، فتكون طاقاته حبيسة سجن أهوائه النفسية من حيث كونها مقيدة بأثقال المادة التي ارتبط بها.

وهذا يكشف لنا أن كافة الْمُصلحين على سطح هذا الكوكب، من الذين أسسوا أمماً متحضرة راقية كانوا على درجة عالية من الطهر والنقاء. وبنسبة النقاء الذي يمتلكونه والطهر الذي يتمتعون به، استطاعوا التحليق في عالم المعارف واكتشاف أسرار الوجود وسبر اغوار الكون والوصول إلى تحقيق ما بين أيديهم من مشاريع للانطلاق نحو الآفاق البعيدة. وهذا مما أوجب عندهم التباعد عن كل ما يستقذره الطبع الإنساني السليم، واجتناب كل ما يستقبحه العقل البشري الصافي من الشوائب.

ولأن المؤمن هو قمة عنصر التحضّر في الحياة فقد التزم بمناهج الوحي التي تريد منه الطهر والنقاء والسمو، فهو الذي يستطيع صناعة الحياة والنأي بالبشرية عن التردي في أوحال التدهور والتخلف، فكان يتجنب دوما كل ما يجره إلى حظيرة التخلف وحضيض الجهل، ويتجافى عن كل ما يسقط انسانيته ويفقده عقله وعقلانيته.

ولأنه «إعتصم بالله تعالى اتخذ  قوله مرآته».. فلا يخرج منه إلاّ إليه، فتراه إذا قرأ قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ». (سورة المائدة/90)، يفهمها معياراً مهماً لقياس مستوى ارتقاء الإنسان من ترديه، والكاشف عن مستوى تطور المجتمع من سقوطه وانحطاطه، فيحدد له مستوى انسانيته في أي موقع كان، سواء في ميدان السياسة والحكم أو ميدان الاقتصاد والاجتماع أو ميدان الفكر والثقافة، وفي أيٍّ من ميادين الحياة.

فيدرك أن الله تعالى يقول للإنسان: احذر الكوابح التي توقف عجلة تقدمك وتكبح قواك وطاقاتك الخلاقة، وتقتل قدراتك، وتثني انطلاقتك، وتعيقك من التحليق إلى عوالم الارتقاء، وسماء التقدم وآفاق التطور، فتدمر من داخلك قدراتك على الابداع في الحياة.

فيرى عنصرُ الحضارة والارتقاء أن الخطاب إلى المؤمنين بقيم الوحي لأنهم المتحضرون حقا، وهو أحد المعنيّين به، فيحذر الاقتراب ما استقذره الطبع الإنساني السليم، فالخمرة قذرة لأنها تذهب بالعقل، وتسقط الإنسان، وتسفه المجتمع وتقتل الابداع الفردي والاجتماعي.

وإذا فقد المرء انسانيته أصبح بهيمة، فيقول ما لا يعقل، ويفعل ما لا يحب أن يراه حال صحوته، فيستقبح ما كان يستحسنه حال سلامته من الخمرة، ويستحسن ما يستقبحه عند صحوته.

والقمار قذر، بأنواعه لما فيه من هدر لعمر الإنسان وتجميد لطاقاته، وقتل للقدرة على استثمار فرص الحياة في البناء والتأسيس والإبداع فيدفعه إلى تبذير ماله ووقته، وقتل همته وطموحه في الحياة.

أما عبادة الاوثان، فهي قذر أيضاً، لأنها تحجر على الإنسان عقله وتزج به في أتون الاعتقاد بالخرافات والتسليم إلى الترهات فتبعده عن التحليق في عالم المعرفة والحياة.

وهكذا الاستقسام بالازلام.. لأنهم يستظهرون قسمة الارزاق عبر لعبة شبيهة بالقمار.

هذه الأمور الثلاث وما يدور حولها، قد نهى عنها الله تبارك وتعالى لما فيها من قتل للقدرات العقلية، وتقويض للطاقات الذاتية، وهدر للمواهب الكامنة في الإنسان، وتركه يدور حول الخرافات التي تصنعها له عبادة الاصنام، فتحدد له نظامه الفكري ونسيجه العقيدي، وترسم له طبيعة مسلكه في الحياة. ولذلك نهى تبارك وتعالى عن الاقتراب منها فضلا عن شربها وتعاطيها.

 

* الشيطان .. التحدّي العنيد

ولأن مسؤولية الإنسان التحليق في طاقاته الذاتية عبر سموه الروحي إلى فضاء سبر أغوار أسرار الحياة فإن ابليس قد آلى على نفسه إلاّ أن يحول بينه وبين هذا التحليقن وأراده أن يكون مسجوناً بسجن العالم المادي عبر تقييده بقيود الانجذاب إلى الأرض والمادة والميل إلى الشهوات والانغماس في الاهواء .

الأمر الذي يستنفذ منه طاقاته الكامنة ويستهلكها في الترهات، فتحجب رؤيته إلى حقائق الأشياء، فتذوب جذوة الابداع فيه، وتذوي همته وتنعدم خلاقيته في الحياة فيصبح لا يهم إلاّ بدواني الأمور، ولا ينشغل إلاّ بسفاسف القضايا، حتى إذا عصفت به عاصفة عجز عن الوقوف أمامها بحكمة، فيخبط فيها خبط عشواء، فتسقط عنده قدرته على التفكير الصحيح، والإنتاج السليم، والفعل القويم.

ذلك؛ «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا»، (سورة الإسراء/53)، فهو يفرغه من محتواه الخلاّق، عندها يكون من الغباء أن يتخذ الإنسان عدوه اللدود صديقاً حميماً، يأتمر بأمره، في الوقت الذي كان عليه أن يتخذه عدوا لقانون؛ «إن الشيطان لكم عدوٌ فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير» (سورة فاطر/6).

فهو لا يريد للإنسان خيراً قط، بل يريد، «إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العدواة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون»، (سورة المائدة /91).

وذلك أنه كره الخير منذ أن توعده بإخراجه عن سبيل الاستقامة والارتقاء فقال: «قال أرأيتك هذا الذي كرّمت عليّ لإن أخرتن الى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا»، (سورة الإسراء /62).

وما هذه العداوة في البشر والقتل والانانية الفردية والحزبية، والتفرد السياسي، والاحتكار الاقتصادي، والاستئثار في التحكم بقدرات الناس، والجهل في رؤية الأمور وتضييع الصوابية في مسالك الإنسان سياسياً واجتماعياً وغيرها.

إلاّ من عمل الشيطان الذي «يصدكم عن ذكر الله»، عبر تغييب العقل بالخمرة، و أكل السحت، وتناول المحرمات في القول والفعل والتصرف والأكل والشرب وغيرها.

خصوصا وهو الذي يمتلك الامكانات المادية الهائلة بما يستطيع إغواء الإنسان عن سبيل الاستقامة يوم توعده الله فقال له: «واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا». (سورة الإسراء /64).

وحينما يقف الإنسان المتحضر المستمسك بالله تعالى وقد اتخذ قوله مرآته، يعلم أن له عدواً خفياً يعمل على غوايته، قادراً على تحريف البشر كلهم، إلاّ النمط الأعلى والنمرقة الوسطى والعنصر السامي عن السفاسف والدواني، وهذا هو وعد الله القائل: «إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا»، فيكون المؤمن الثابت على المنهاج الصحيح فكراً، وقولاً وفعلاً، عنصراً حياً متحضراً، لأنه في كفالة الله وحمايته وهو،  به وكيل. والنتيجة..

فصناع الحياة مملوؤن قيماً وحيوية فهم إنسانيون، بعكس صناع الموت والدمار، «أم تحسب أن أكثرهم يسمعون او ويعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا»   (سورة الفرقان /44).

------------------

1- تحف العقول - ابن شعبة الحراني - ص 302.


ارسل لصديق