المتحضّر معتدل على كل حال
كتبه: الشيخ محمد سعيد المخزومي
حرر في: 2013/07/15
القراءات: 1235

إذا اردت أن تميّز المتحضر من الجاهل المتخلف، فانظر إلى تصرفه ما إذا كان يَنُمُّ عن علم ومعرفة أو عن هوى ورغبة ؟

فإذ لا يتصرف المتحضر إلاّ بعد أن يقرأ مقدمات القضية ويستشرف نتائجها وما تنتهي إليه وما يصلح وما لا يصلح، عندئذ يُقدم أو لا يقدم، فهو يعمل ويقول ويتصرف عن علم ومعرفة.

بينما الجاهل المتخلف لا ينظر إلى النتائج ولا يكترث بالعواقب. ينظر إلى الأمور من ثقب ضيق صغير؛ ذلك هو ثقب النفس والرغبة والميل، فيستعمل العنف والشدة والتطرف والانتقام والثأر من أجل تحقيق هواه، فهو لا يرى إلاّ نفسه ولا يفهم إلاّ ما تمليه  دوافعه نزعاته.

 

* القرآن الكريم مرآة المتحضّر

الحق هو: أن العلم بحقائق الأمور ونتائج المشاريع يفرض على الإنسان أن يربي نفسه ويروضها في كل احوالها على الاتجاه الصحيح، من حيث التفكير والعقيدة والعمل الصحيح والتسليم له والقبول به.

إذن؛ المتحضر هو العالم الذي لا يطمئن إلاّ باليقين، بعكس المتخلف الجاهل الذي لا يركن إلّا إلى نفسه، ولذلك يتطرف في القرار ويعنف في الموقف ويتزمت بالرأي، لا يتهم رأيه ولا يراجع نفسه. يرى نفسه دائما على صواب، ولا يحتمل في حسابه شيئاً من الخطأ. فهو لا يصحح إلّا نفسه ولا يصوّب إلاّ رأيه. بينما نجد أن أمير المؤمنين قد ربّى شيعته بأن: «من لم يتعاهد النقص من نفسه غلب عليه الهوى، ومن كان في نقص فالموت خير له. (1)

وعلى هذا فإن صانع الحضارة، معتدل مستوٍ على النمرقة الوسطى والمحجة الواضحة. ولأنه كذلك، فهو حينما ينظر في مرآته التي يرى فيها نفسه إذا قرأ قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ». (سورة المائدة /87)، يعرف أنه يجب: أن يكون معتدلاً غير متطرف، ولا يتعامل بلين مفرط فيُعصر، ولا بشدة وقسوة فيُكسَر، إذا قال؛ قال عن علم، وإذا نطق أفرغ عن حلم، لا يتعجّل الأمور قبل أوانها ولا يبطأ حتى تفوته الفرصة، لا يبخل في خير ولا يجود في شر، لا يهمه إلاّ تنقية نفسه وتقوية قلبه. لا يفكر إلاّ في صناعة المعروف لنفسه في غيره، فيكون عفوّاً سمحاً، كريماً معطاءً، يجود بالكلمة الطيبة والفعل الطيب والموقف الطيب، ذلك لأنه طيب. يفهم أن الآية السالفة تقول له: كن طيباً، استفد من الطيبات، تعامل مع الطيبــين، وكن معتدلاً، لا تتعدى حدودك فتظلم نفسك وتظلم غيرك .

الاعتدال الذي عليه عنصر الحضارة والحياة، هو المؤمن المربي نفسه على قيم الوحي وضوابط الحياة، كما بيّنها أمير المؤمنين عليه السلام، في قول الإمام الصادق عليه السلام، إذ «قام رجل يقال له: همام - وكان عابداً، ناسكاً، مجتهداً - إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وهو يخطب، فقال: يا أمير المؤمنين صف لنا صفة المؤمن كأننا ننظر إليه ؟

فقال: يا همام.. المؤمن هو الكيّس الفطن، بشره في وجهه وحزنه في قلبه، أوسع شيء صدراً وأذل شيء نفساً، زاجر عن كل فان، حاض على كل حسن، لا حقود ولا حسود، ولا وثاب، ولا سباب، ولا عياب، ولا مغتاب، يكره الرفعة، ويشنأ السمعة، طويل الغم، بعيد الهم، كثير الصمت، وقور، ذكور، صبور شكور، مغموم بفكره، مسرور بفقره، سهل الخليقة، لين العريكة، رصين الوفاء، قليل الأذى، لا متأفك ولامتهتك، إن ضحك لم يخرق، وإن غضب لم ينزق، ضحكه تبسم، واستفهامه تعلم، ومراجعته تفهم، كثير علمه، عظيم حلمه، كثير الرحمة، لا يبخل، ولا يعجل، ولا يضجر، ولا يبطر، ولا يحيف في حكمه، ولا يجور في علمه . نفسه أصلب من الصلد، ومكادحته أحلى من الشهد، لا جشع، ولا هلع، ولا عنف ولا صلف، ولا متكلف ولا متعمق، جميل المنازعة، كريم المراجعة عدل إن غضب، رفيق إن طلب، لا يتهور ولا يتهتك ولا يتجبر، خالص الود، وثيق العهد وفيّ العقد، شفيق، وصول، حليم، خمول، قليل الفضول، راض عن الله - عزّ وجل- مخالفٌ لهواه، لا يغلظ على من دونه، ولا يخوض فيما لا

يعنيه، ناصر للدين، محام عن المؤمنين، كهف للمسلمين، لا يخرق الثناء سمعه ولا ينكي الطمع قلبه، ولا يصرف اللعب حكمه، ولا يطلع الجاهل علمه، قوال، عمال، عالم، حازم، لا بفحاش ولا بطياش، وصول في غير عنف، بذول في غير سرف، لا بختال ولا بغدار ولا يقتفي أثرا، ولا يحيف بشرا، رفيق بالخلق، ساع في الأرض، عون للضعيف، غوث للملهوف، لا يهتك سترا، ولا يكشف سرا، كثير البلوى، قليل الشكوى، إن رأى خيرا ذكره، وإن عاين شرا ستره، يستر العيب، ويحفظ الغيب، ويقيل العثرة، ويغفر الزلة، لا يطلع على نصح فيذره، ولا يدع جنح حيف فيصلحه، أمين، رصين، تقي، نقي، زكي، رضي، يقبل العذر ويجمل الذكر، ويحسن بالناس الظن، ويتهم على الغيب نفسه، يحب في الله بفقه وعلم، ويقطع في الله بحزم وعزم، لا يخرق به فرح، ولا يطيش به مرح، مذكر للعالم، معلم للجاهل، لا يتوقع له بائقة، ولا يخاف له غائلة، كل سعي أخلص عنده من سعيه، وكل نفس أصلح عنده من نفسه، عالم بعيبه، شاغل بغمه، لا يثق بغير ربه، غريب وحيد حزين، يحب في الله ويجاهد في الله ليتبع رضاه ولا ينتقم لنفسه بنفسه، ولا يوالي في سخط ربه، مجالس لأهل الفقر، مصادق لأهل الصدق، موازر لأهل الحق، عون للغريب، أب لليتيم، بعل للأرملة، حفي بأهل المسكنة، مرجو لكل كريهة، مأمول لكل شدة، هشاش، بشاش، لا بعباس ولا بجساس، صليب، كظام، بسام، دقيق النظر، عظيم الحذر، ( لا يجهل وإن جهل عليه يحلم) لا ينجل وإن نجل عليه صبر، عقل فاستحيى، وقنع فاستغنى، حياؤه يعلو شهوته، ووده يعلو حسده، وعفوه يعلو حقده، لا ينطق بغير صواب، ولا يلبس إلا الاقتصاد، مشيه التواضع، خاضع لربه بطاعته، راض عنه في كل حالاته، نيته خالصة، أعماله ليس فيها غش ولا خديعة، نظره عبرة، سكوته فكرة، وكلامه حكمة، مناصحا متباذلا متواخيا، ناصح في السر والعلانية، لا يهجر أخاه، ولا يغتابه، ولا يمكر به، ولا يأسف على ما فاته، ولا يحزن على ما أصابه، ولا يرجو ما لا يجوز له الرجاء، ولا يفشل في الشدة، ولا يبطر في الرخاء، يمزج الحلم بالعلم، والعقل بالصبر، تراه بعيدا كسله، دائما نشاطه، قريبا أمله، قليلا زلَـلُهُ، متوقعا لأجله، خاشعا قلبه، ذاكرا ربه، قانعة نفسه، منفيا جهله، سهلا أمره، حزينا لذنبه، ميتة شهوته، كظوما غيظه، صافيا خلقه، آمنا منه جاره، ضعيفا كبره. قانعا بالذي قدر له، متينا صبره، محكما أمره كثيرا ذكره، يخالط الناس ليعلم، ويصمت ليسلم . ويسأل ليفهم ويتجر ليغنم، لا ينصت للخبر ليفجر به، ولا يتكلم ليتجبر به على من سواه، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته، فأراح الناس من نفسه، إن بغي عليه صبر حتى يكون الله الذي ينتصر له، بعده ممن تباعد منه بغض ونزاهة، ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده تكبرا ولاعظمة، ولا دنوه خديعة ولا خلابة، بل يقتدي بمن كان قبله من أهل الخير، فهو إمام لمن بعده من أهل البر.

 قال عليه السلام:  فصاح همام صيحة، ثم وقع مغشياً عليه.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أما والله لقد كنت أخافها عليه. وقال: هكذا تصنع الموعظة البالغة بأهلها .

فقال له قائل: فما بالك يا أمير المؤمنين؟

فقال: إن لكلٍ أجلاً لا يعدوه، وسبباً لا يجاوزه، فمهلا لا تَعُد، فإنما نفث على لسانك شيطان. (2)

 

* المتحضّر لا يُسابق ضوابط الوحي

ضوابط الحياة هي تعاليم الوحي دون غيره، ولأنها كذلك فقد وجب على الإنسان أن لا يتعجلها ولا يسابقها ولا يحسب نفسه أفهم من الوحي أو أنه محيط بمراد الوحي، حيث جاءت تلك الضوابط منسجمة مع عقل الإنسان وهمته في الفهم ونسبة تحليقه في عالم العلم والمعرفة، فيكون واجبه التمسك بما جاء من الوحي ويتعلمه ممن هبط فيهم الوحي ونزل القرآن في بيتهم واُفرِغَ العلم في صدورهم. فالمؤمن المتحضّر يتوقف عند كل ما جاء من عند الله تعالى فيتعبد به لا يتعجل الاحكام ولا يفسر كلام الله وعلوم الوحي من تلقاء نفسه فيهلك ويُهلِكَ، ذلك أن الإنسان محدود، وعلم الوحي غزير لا حد له، حيث لا يستطيعون حَدَّهُ «وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ» (سورة البقرة /255). فيقف المؤمن عند خطاب الله تعالى القائل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ». (سورة المائدة /101)،  يُسَلِّم لأمره تبارك وتعالى ويعرف أن كل ما عنده

من قدرات علمية، وعلوم ومعارف، وأدوات تَعلّم، هي من عند الله، فلا يهرب من الله إلى نفسه فيهلك.

ولذلك حينما يسمع توجيه الله تعالى في أن لا يستعجل الأمور، وأن يأخذ العلم من أهله، يجب عليه الامتثال وإلا فالخيار الثاني التيه والضلال.

هذه الدروس الربانية النازلة من عند الوحي في إحياء الإنسان وانتشاله، عبر الاصلاح الاجتماعي، وبعث الحيوية والمناعة في المجتمع عبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد تعرضت إلى قرار مضاد خطير يدعو إلى سحق معالم الوحي وطمس آثاره وإلغاء تأثيره في الحياة عبر المشروع الأموي والنظام السياسي الذي أسس القاعدة للمشروع الأموي الخطير، فانبرى الإمام الحسين عليه السلام، الى التصدي له وأسقطه فأبقى معالم الوحي حيّة تنبض في  ضمير الإنسانية جيلاً بعد جيل، عبر الميراث النبوي لمعالم الوحي الذي تناقله أئمة أهل البيت عليهم السلام، من ولد الإمام الحسين عليه السلام. الأمر الذي يكشف أن بقاء مشروع الوحي الرامي إلى الاصلاح في المجتمع مدينٌ إلى جهود الإمام الحسين وتضحياته.

 

* والنتيجة ..

فإن التعامل الاجتماعي السليم والاصلاح الاجتماعي الحق، والبناء الاجتماعي الرصين، وصياغة المجتمع الراقي الحي يجب أن يكون حسينياً، يرتبط بروح الوحي التي بعثها إلى الحياة من جديد سيد الشهداء الحسين عليه السلام، وإلا فغير هذا التعامل غريب وأجنبي عن روح الوحي.

----------------

1 - المجلسي، بحار الأنوار ج 76 ص 76

2- الكليني، الكافي ج 2 ص 226- 230


ارسل لصديق