الشيخ صاحب الصادق في لقاء مع «الهدى»:
قرب الحوزة من المجتمع، قوتها في قيادة حركة التغيير السياسي
كتبه: محمد علي جواد تقي
حرر في: 2013/02/28
القراءات: 1538

سماحة الشيخ صاحب حسين الصادق، من مواليد كربلاء عام 1953م.

أكمل دراسته الابتدائية في مدارس حفّاظ القرآن الكريم، بعدها انتقل إلى دراسة العلوم الدينية في الحوزة العلمية بكربلاء المقدسة. وفي العام 1971م وبعد التهجير القسري لمنتسبي الحوزات الدينية في العراق، تابع دراسته العلمية في الحوزة العلمية بمدينة قم المقدسة. ثم انتقل إلى الدرس والتدريس في حوزة القائم العلمية بطهران، فدّرس الفقه (المكاسب)، والأصول (الرسائل). تَنَقَّل بين أكثر الدول العربية والخليجية للتبليغ الإسلامي، وإلقاء المحاضرات وتربية الجيل المسلم. واشترك في تأسيس العديد من المشاريع الدينية والمؤسسات الثقافية والسياسية والإعلامية. وهو الآن يعمل في المكتب الفقهي لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي. صدرت له العديد من المؤلفات، أبرزها: قصة الانتصار الكبير: (تاريخ الثورة الإسلامية في إيران)، و(استراتيجية الأسرة وقضايا الزواج)، و(الإسلام.. مجتمع أفضل)، و(هل ندخل حصن الله)، و(الثورة والقائد)، و(لماذا المجتمع الإسلامي)، كما نشر العديد من الدراسات الفكرية في مجلة «الشهيد»، ومجلة «البصائر»

• رغم معرفة الجميع بالدور التاريخي للحوزة العلمية سياسياً واجتماعياً، هل توافقون على مقولة «التاريخي»، وأنه اصبح من الماضي..؟

 

• بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

لا شك أن الحوزات العلمية لم تصبح جزءاً من الماضي، ولم ينته دورها البنّاء في قيادة الأمة نحو تحقيق الأهداف المرجوّة، بل إن المقصود بالدور التاريخي هو أنها ــ وفي منعطفات عديدة عبر الزمن ــ أدت دورها الفاعل بشكل غيّر مجريات التاريخ باتجاه السير نحو الأفضل، والحفاظ على جوهر الدين، والدفاع عن حقوق الأمة. ورغم الإصطلاح المشهور والمتداول على الألسن وهو (الحوزة العلمية) إلا أن هذه المؤسسة ليست ذات بُعد علمي فقط، فهي ليست مؤسسة أكاديمية بحتة كالجامعات، بل الحوزة هي مؤسسة تربوية، تعليمية، تهتم بإعداد وتربية العلماء الصادقين الذين ينطلقون في الحياة لإدارة شؤون المؤمنين في كل المجالات: الثقافية والإجتماعية والسياسية والإقتصادية وذلك في إطار الموازين والأحكام الشرعية. وهذا الدور الفاعل لا يصبح من الماضي، ولا يتوقف عن العطاء، رغم أننا قد نجد بعض العناصر المنتمية للحوزات قد تتوقف عن تحمل مسؤولياتها وأداء دورها في فترات زمنية فتصبح تلك العناصر ــ كأفراد ــ جزءاً من التاريخ الماضي وليس الحوزة كمؤسسة بنّاءة ونشطة.

 

• هنالك حديث عن التطوير والتحديث في الحوزة العلمية، سواءٌ في المناهج أم الادارة أم غيرها، كيف ترون المسيرة؟ أ لصالح التمسك بـ «التراث القديم» أم التوجه نحو «النهج الجديد»؟

 

• الحياة متطورة، وهذه سنّة الله التي لن تجد لها تبديلاً. وإذا ما توقفت الحياة عن التطور فإن مصيرها إلى الموت والفناء. وهناك العديد من آيات القرآن الحكيم التي نستلهم منها الحث على التطوير والتطوّر:

يقول الله تعالى:

«وَفِي ذَلِكَ فَلْـــيَتَنَافَسِ الْمُـــتَنَافِسُونَ» (المطففين،26).

«وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ» (فاطر،32).

«وَالسَّـــــابِقُونَ السَّابِقُـــونَ• أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» (الواقعة، 10-11).

«وَقُلْ اعْمَـــلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَـــلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ» (التوبة،105).

فالتنافس الايجابي، والسبق إلى الخير والعمل الصالح، والإهتمام بإجادة العمل لكي يراه الله ورسوله والمؤمنون، كل ذلك يستدعي التطوير المستمر في الوسائل والأدوات في الحياة لكي يتقدم الإنسان، ويسمو الى اكتساب رضوان الله تعالى.

ومن لا يواكب تطور الحياة، بل من لا يعكف على التطوير في الحياة، سوف يتوقف عن التقدم والنمو، ويتوقف عن العطاء والتوجيه، ومن ثم يتخلف عن ركب الحياة ويسلٍّم قيادها للآخرين.

وواضح أننا حينما ندعو للتطوير والتطوّر، لا نعني أبداً التطوير في الأصول والمبادئ، بل التطوير في المناهج والوسائل والأساليب التي تساعد على تفعيل المبادئ والأصول وتحقيقها في حياة الناس بشكل أفضل. والحوزات العلمية هي الأخرى لها جانبان أساسيان: الثوابت والمتغيّرات.

والثوابت لا يطالها التغيير والتطوير، بل الأساليب والأدوات والمناهج (وهي المتغيرات) لابد أن تخضع للتطوير والتغيير مواكبةً مع تطور الحياة. وعند ما يكون الحديث عن التطوير والتحديث في الحوزات العلمية فإننا نكون أمام بُعدين من التطوير: البُعد الداخلي، أي تطوير مناهج وبرامج وأساليب الحوزات نفسها. والبُعد الحياتي، أي مواكبة التطور الحادث في الحياة في إطار المحافظة على الأصالة وعدم المساس بالثوابت. ونحن نرى أن المسيرة الحوزوية اليوم تتجه لصالح التطوير، وإن التوجه للانعتاق من الماضي والجمود على القديم أصبح يفرض نفسه أكثر فأكثر على الحوزات النشطة التي تريد أداء دورها ومسؤولياتها في الحياة. ونؤكد هنا ــ مرة أخرى ــ إن التطوير لا يعني ــ على الإطلاق ــ التنازل عن الثوابت والمبادئ.

 

• لاشك أن إعداد العلماء الرساليين وتربية طلبة العلوم الدينية الملتزمين بالقيم والمبادئ، من أولى مهام الحوزات العلمية؛ لماذا نجد اليوم الإخفاق في هذا المجال؟

 

• قد يكون في استخدام كلمة (الإخفاق) هنا نوع من عدم الدقّة، فقد تخرَّج من الحوزات العلمية ــ بالذات تلك التي أخذت بالمناهج المتطورة ــ الكثير من العلماء الرساليين الذي يتحملون مسؤولياتهم الجسام هنا وهناك، ويقودون المجتمعات نحو الإصلاح والتغيير. لذا أفضل إستخدام كلمة (الضعف) بدل (الإخفاق).

إذ المتوقع من الحوزات هو أن يكون عطاؤها في هذا المجال أكثر. وقد يكون السبب في هذا الضعف الذي نلاحظه في بعض الحوزات هو تركيز الإهتمام في تربية الطلاب على الجانب العلمي البحت، لاسيما تلك العلوم التي لا تؤثر في إعداد الجانب الرسالي والإيماني لطالب العلم. كالمبالغة في علوم اللغة العربية، والمنطق القديم، والفلسفة، وما شاكل، بينما الأجدر هو صبّ الإهتمام على القرآن والسنة والسيرة قبل كل شيء ثم الإهتمام بتعريف الطالب بمسؤولياته تجاه رسالته وأمته.

فهناك فرق جوهري بين الطالب في الحوزات العلمية والطالب في المؤسسات الأكاديمية الأخرى، إذ الثاني إنما يدرس ــ في الأغلب ــ بهدف الحصول على شهادة علمية تساعده في الحصول على وظيفة، أو عمل يدرّ عليه المال الوفير لكي يعيش دنياه في رفاه وراحة. بينما الأول ــ أي الطالب الحوزوي ــ إنما يطلب العلم لكي يقوم بأداء دور فعّال ونشط في تغيير وإصلاح المجتمع، وتبليغ رسالة الدين إلى الناس، والمفروض ــ بالتالي ــ أن يكون ذا هدف رسالي معنوي رباني، فهو بعيد عن التكالب على الماديات والركض وراء حطام الدنيا.

ولكي تخرِّج الحوزة هذا النموذج الرسالي لابد أن تصب إهتمامها على التزكية، وتنمّي روح التقوى، والشعور بالمسؤولية، وخدمة المجتمع، والتضحية من أجل الآخرين، في نفوس الطلاب وعلماء الدين. لابد من العمل على تركيز العلاقة بين الطالب وبين القرآن وسنة الرسول وأهل بيته الأطهار وسيرتهم (عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام) من جهة، وبينه وبين المجتمع ومتطلّباته ومشاكله من جهة أخرى. ينبغي أن يتمتع طالب العلم والعالم الديني بشيء من روح رسول الله وأهل بيته في التعامل مع الناس وفي التضحية والعطاء وتحمل المسؤولية، ولا توجد هذه الروح من دون تخطيط وتوجيه وارشاد مستمر إلى جانب الدراسة العلمية. فدراسة الفقه وحدها ــ مهما كانت مفصّة ومعمّقة ــ لا تغني طالب العلم في هذه المجالات، كما أن التعمق في الأصول والمنطق والفلسفة لا تجعل طالب العلم حامل مشعل الهداية للمجتمع. بل هي روح القرآن الحكيم، ونهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسيرته، ومدرسة أهل البيت عليهم السلام  وطريقتهم، هي التي تخلق العالم الرسالي المتفاني في سبيل الله، والعامل من أجل التغيير نحو الأفضل، والمجاهد في سبيل إصلاح الأوضاع السياسية والإجتماعية نحو حياة طيبة يرضاها الله والرسول، دون الانكباب على الدنيا وحطامها. وبكلمة، ينبغي أن يكون عالم الدين نموذجاً مصغّراً من حياة رسول الله صلى الله عليه وآله، وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام.

 

• فيما يتعلق بدورها الفكري والثقافي، كيف السبيل الى تفعيل هذا الدور، لاسيما فيما يتعلق بمواجهة الغزو الثقافي، وتحصين المجتمع دينياً واخلاقياً؟

 

• ليس عالم الدين ــ كما أشرنا في ما سبق ــ عنصراً عادياً كسائر أبناء المجتمع، إنما هو رجل علم وعمل ومسؤولية. رجل رسالة وعطاء، رجل الإصلاح والتغيير. رجل القيادة والتوجيه.

ولكي يتحمل كل هذه المسؤوليات الجسام لابد أن يكون العالم الديني كتلةً من الحيوية والنشاط والإنتاج، فهو لا يتوقف عن العمل الإيجابي الذي يخدم هدفه الرسالي، وربما تأتي مواجهة الغزو الثقافي على رأس مهام ومسؤوليات العلماء. ولتفعيل هذا الدور لابد أن يتسلَّح العلماء بكل الأدوات التي تساعدهم على ذلك من الخطابة والبيان والكتابة.

فليس مقبولاً من الطالب الحوزوي أن يتقن دراسته العلمية ثم ينعزل عن الحياة والمجتمع يجترّ علومه ومعلوماته، بل المطلوب أن يحوِّل ما درسه وتعلّمه إلى مشعل هداية وتغيير في المجتمع، ومن أجل ذلك لابدّ أن يمتلك الأدوات التي تساعده، سواء على صعيد شخصه (كالقدرة على الخطابة والكتابة) أو على صعيد المجتمع  (كتأسيس المؤسسات العاملة في المجال الثقافي والتصدي للثقافات المستوردة). ولابد من الإستفادة هنا من كل الأدوات الحديثة التي يستخدمها الغزاة ضد أمتنا من: الشبكة العنكبوتية (الانترنت) والقنوات الفضائية، والصحف والمجلات، والمدارس والجامعات الأهلية والحكومية، وما شاكل ذلك.

ولمواجهة الغزو الثقافي لابد أن نعرف ثقافة العدو وأساليبه الماكرة لكي يكون التصدي والرد نافعاً وسليماً.

 

• عبر تاريخها الطويل، تصدّت الحوزات العلمية لقيادة الأمة، من خلال حضورها السياسي والاجتماعي في الساحة، ما السبيل لتعزيز هذه المكانة؟

 

• أحد أهم مسؤوليات الحوزات العملية هو الحضور السياسي والإجتماعي في الساحة. إذ إن الإقتصار على نقل الأحكام الشرعية للناس وممارسة بعض الأدوار العبادية فقط لا يشكل إلا جزءاً من مسؤوليات ومهام الحوزات. إنّ المطلوب من الحوزات العلمية أن تقتفي أثر النبي الأعظم وأهل بيته الأطهار (عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام) في  أداء المسؤوليات الرسالية، ومن أهم هذه المسؤوليات هو توجيه المجتمع إلى بناء الحياة الطيبة، عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله. ولا يتحقق كل ذلك إلا بالحضور السياسي والإجتماعي في الساحة، والتصدي لحل مشاكل المجتمع وإرشاده إلى المواقف الصائبة تجاه الأحداث السياسية، وقيادته في مواجهة ضغوط الطغاة.

وبكلمة: إن مسؤولية علماء الدين والحوزات لا تتحدد في إلقاء النظريات والأفكار فقط، بل المطلوب حضورهم في أوساط المجتمع وقيادة مسيرته نحو الإصلاح والتغيير، ولتعزيز هذا الدور لابد من التوجه إلى تنظيم الطاقات عبر مؤسسات وتنظيمات إجتماعية وسياسية، وذلك إستجابة للآية الكريمة التي تدعونا للتعاون على البر والتقوى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة،2).

فبالتعاون، والتخطيط، وتحديد الأهداف التغييرية والإصلاحية، وتوجيه الناس لتحمل مسؤولياتهم في مواجهة التحديات، إلى جانب الإخلاص في العمل، وانتهاج التقوى في الحياة، يتم تعزيز هذا الدور للحوزات العلمية وعلماء الدين.

 

• أين تقف الحوزة العلمية من «الحراك الجماهيري» في البلاد الاسلامية، وما هو الدور المطلوب من عالم الدين إزاء هموم ومشاكل الأمة؟

 

• رسالات الله هي المحرِّك الأقوى للناس باتجاه العمل من أجل التحرر من الأغلال والآصار، وعلماء الدين الصادقون، والحوزات العلمية الرسالية يقفون في الخط الأول للحراك الجماهيري المطالِب بالحقوق المهضومة واستعادة الكرامة المغتصبة.

إن الكلمة الأولى لكل الرسالات والرسل هي (لا إله) (إلا الله) فـ (رفض غير الله) هو الخطوة الأولى، يعقبها مباشرة (الايمان بالله). ورفض غير الله يعني رفض كل جبت وطاغوت، وإذا قُهرت الأمة بأنظمة طاغوتية في فترات زمنية مظلمة، فإنها اليوم إنطلقت نحو تحقيق رفض كل الآلهة المزيفة المتجسِّدة في الأنظمة الطاغوتية الجائرة. وعلماء الدين الصادقون، والحوزات العلمية الرسالية، تقف ــ بحكم رسالتها الربانية ــ في مقدمة هذا الخط الرافض. وعندما يكون هناك حراك جماهيري للمطالبة بالحقوق المشروعة، والحياة الحرة الكريمة في إطار مبادئ الرسالة وأحكام الشريعة، فإن الحوزات العلمية تؤدي الدور الرسالي الأول، وإذا ما تخلَّف البعض عن تحمّل هذه المسؤولية فإنما يجني على نفسه، ويتقاعس عن أداء واجبه.

 

• كيف تنظر الحوزة العلمية الى مفاهيم دارجة في الساحة، مثل؛ الحرية والسلم والمساواة والعولمة؟

 

• تنظر الحوزة العلمية إلى الأمور والمفاهيم بمنظار الدين والرسالة الالهية. فالدين هو المنادي الحقيقي بالحرية.. حرية الإنسان ــ داخلياً ــ من الهوى، والشهوة، والشيطان، وحرية الإنسان ــ خارجياً ــ من وطأة الحكومات الجائرة، وأصحاب المال الجشعين، وحرية الإنسان من الضلال الثقافي الذي يوحي به شياطين الجن والإنس، وبكلمة: حرية الإنسان من كل شيء يكبِّله عن التكامل إلى لقاء الله تعالى عبر حياة طيبة كريمة.

والسلم هو دعوة الدين إلى حياة آمنة، ليس فيها نزاع ولا خصام، وليس فيها ظالم ومظلوم، وبعيدة عن هضم الحقوق والإستئثار بالطيبات.. ومن يؤمن بالله فهو (مُسْلِم) و (المُسْلِم) هو من (سَلِمَ) الناس من يده ولسانه، والله تعالى هو (السلام) وطاعة الله تعالى منطلق تحقيق (السلم) و(السلام) في الحياة.

أما (المساواة) فهي شعار طالما رفعه الغرب للتضليل، أما الدين فشعاره (العدالة). يقول الله تعالى: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة،8). (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل،90). والدين يقول بالمساواة في إطار العدالة. والعدالة تعني إعطاء كل ذي حق حقه.

وكلمة (العولمة) هي الأخرى ذات مداليل مختلفة، فإذا كانت العولمة بمعنى جعل العالم كله كقرية واحدة تحت سلطة أصحاب الثروة، وقبضة القوى الكبرى، وتخديرالإعلام المزيَّف ووسائل الإتصال الحديثة، فهي ظلم وإستكبار وسحق لكرامة الإنسان. أما العولمة بمعنى تقريب كل امم الأرض في إطار التعاون الايجابي البنّاء، وتحت مظلّة ربانية تحفظ لكل الناس كرامتهم، وتحترم قيم العدالة والحرية والإيمان بالرب الخالق المتعال، فهي مفهوم ديني تدافع عنه الحوزة العلمية، وتسعى من أجل تحقيقه إن شاء الله تعالى.

 

• ما رأيكم بفكرة التواصل بين الحوزة والجامعة؟ و ما هي الفرص المتاحة لتخريج جيل متعلّم يسير على ركيزتي العلوم الدينية والعلوم الاكاديمية؟

 

• الحوزات العلمية هي المؤسسة الدينية الأقرب إلى مبادئ الدين ومنطلقات الرسالة، والجامعات الأكاديمية المعاصرة هي الأكثر تقدماً في مناهج الدراسات والبحث والتحقيق العلمي. فلو استطاعت الحوزات العلمية بقيادة العلماء الربانيين أن تنقل روح الدين إلى الجامعات الأكاديمية وتمزج المنهج العلمي السليم بالروح الايمانية والقيم الالهية، وأن تنقل ــ من جهة أخرى ــ المنهجية العلمية السليمة من الجامعات الأكاديمية إلى داخل الحوزات، لشاهدنا تطوراًعظيماً في أداء المؤسستين لمسؤولياتهما الجسيمة في قيادة المجتمع وبناء الحياة الطيبة.

إن من أخطر ما صدَّره الغرب المادي إلى بلادنا هو فصل المؤسسات التعليمية الأكاديمية العصرية عن روح الدين وجوهر القيم، ومن ثم جعل هذه المؤسسات طعمة سائغة لمطامعه الجشعة. ولو استطاعت الحوزات الرسالية وعلماء الدين الصادقون إعادة المؤسسات الأكاديمية إلى أحضان الدين لتغيّرت الكثير من الأمور في بلادنا.

 

• لا شك أن لسماحة المرجع المدرسي – حفظه الله- دوراً واضحاً وكبيراً على تفعيل الحوزة العلمية في كربلاء المقدسة، كيف ترون المنهجية العلمية لسماحته، ودورها في تقدّم الحوزة؟

 

• نعم، يرى سماحة السيد المرجع المدرسي - دام ظله- أن تغيير الواقع إلى الأفضل يبدأ من تغيير هذه المؤسسة عبر القضاء على نقاط الضعف فيها وتركيز نقاط القوة، باعتبار أن الحوزات العلمية هي التي تقود المجتمع، والمجتمع المؤمن يضع كل ثقته في هذه المؤسسة..

 

وباختصار شديد:

1- بدأ سماحة السيد المرجع المدرسي حفظه الله دعوته للتغيير والتطوير في الحوزة قبل أكثر من أربعة عقود من الزمن وذلك في الحوزة العلمية في كربلاء المقدسة، وواصل إهتمامه هذا في المهاجر (الكويت وايران وسوريا)، ثم بعد عودته إلى الوطن.

2- وقرن سماحته هذه الدعوة بخطوات عملية في عدة اتجاهات، حيث بدأ بتأسيس دورات دراسية حوزوية في كربلاء المقدسة، ثم في مدرسة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في الكويت، ثم تأسيس حوزة الإمام القائم في طهران، ومشهد، والسيدة زينب (سوريا) وذلك في إطار مشروعه التغييري. إلى جانب ذلك كتب سماحته عدداً من الكتب العلمية لتكون منهجاً دراسياً في الحوزة، مثل: الفكر الإسلامي مواجهة حضارية، والمنطق الاسلامي، والعرفان الاسلامي، وموسوعة التشريع الاسلامي. 3- يؤكد سماحته على تفجير كفاءات طالب العلم وصقل مواهبه وطاقاته العلمية، إذ ليس مقبولاً تخريج علماء دين يحملون كما هائلاً من المعلومات فقط، بل لابد أن يكونوا قادرين أيضاً على القيام بأدوار تربوية وادارية وتوجيهية في أوساط المجتمع، لذلك فإن تدريس الكتابة والخطابة والإعلام يُعدّ من الأمور المهمة التي يركز عليها سماحته في الحوزة العلمية.

4- يرى سماحته إن التركيز الأول في البرامج الحوزوية ينبغي أن يكون على القرآن والسنة والسيرة، لكي يكون طالب العلم أقرب إلى روح الشريعة وقيم الرسالة منه إلى كم هائل من المعلومات المستقاة من كتب الفقه والأصول.

5- ويؤكد سماحة السيد المرجع المدرسي رعاه الله على ضرورة النزول للساحة الإجتماعية والسياسية منذ بداية الدراسة الحوزوية وذلك في مناسبات التبليغ (محرم وشهر رمضان) وفترات العطلة، والمناسبات الدينية والإجتماعية المختلفة. فالطالب الحوزوي لا يقتصر على الدراسة النظرية فقط، بل يبدأ مع الدراسة بالعمل التبليغي والإرشادي والتوجيهي في حدود إمكانياته وطاقاته وتحت إشراف المدرسين والعلماء.

 

• ختاماً.. تشكو الساحة الاسلامية نوعاً من التباعد بين عالم الدين، والواقع الاجتماعي والسياسي، كيف بالامكان ردم هذه الفجوة، وتقدم عالم الدين نحو التأثير في الساحة والمشاركة في تقدم وازدهار الأمة؟

 

• بالإمكان ردم هذه الفجوة بالخروج من قوقعة المدارس إلى رحاب الساحة الإجتماعية والإندماج مع الناس والتحسس بآلامهم ومشاكلهم. إن عالم الدين هو عطاء كله.. فهو يعلٍّم الناس معالم دينهم، ويساعدهم في حل مشاكلهم الإجتماعية، ويعينهم على شق دروب الحياة في زحمة الضغوط والمصاعب. عالم الدين يؤسس المؤسسات الإجتماعية والخدمية والثقافية. عالم الدين يخطب في الناس فيهديهم إلى طريق الصواب، ويكتب للناس فينقذهم من الضلالة والردى، ويجمع الأموال من الأثرياء لكي يساعد بها الفقراء ويبني بها المؤسسات، ويتجه إلى الأجهزة الإعلامية لكي يوجهها نحو الصلاح والإصلاح، ويؤسس المدارس الأهلية لكي يربي الأطفال والشبيبة بالتربية السليمة.. وهكذا كلما إقترب عالم الدين عملياً إلى الناس وأعطاهم من نفسه، وبذل لهم بإخلاص وصدق نية كانت قدرته على التأثير في الساحة أكثر، والتفات الناس حوله أكثر، ليس لأهداف شخصية وذاتية، بل بهدف الإصلاح والتغيير والبناء.

 

• شكراً لسماحة الشيخ صاحب الصادق على إتاحته لنا هذه الفرصة الطيبة.

 

• شكراً لكم أيضاً.. وفقكم  الله لما فيه الخير والصلاح.


ارسل لصديق