أيُّ ثقافة نريد..؟
كتبه: محمد علي جواد تقي
حرر في: 2013/03/31
القراءات: 1041

هذا السؤال كان من المفترض طرحه في الايام الأولى للإطاحة بنظام صدام، لإنه إنما سقط وانهار، لأنه كان يحمل ثقافة التضليل، والقسوة، والرعب، والموت، وكل مفردة من هذه، يدرك العراقيون حجم المآسي والويلات التي جرتها عليهم خلال الثلاثين عاماً الماضية، و مع تقدم العمر بالتجربة الديمقراطية، ما يزال ابناء الشعب  العراقي يستذكر هذا السؤال، عندما يصطدم بمشكلة و أزمة، ابتداءً من النظافة ومروراً بالتعاملات اليومية في محيط المحلّة السكنية ومكان العمل وفي الشارع، وانتهاءً في مراكز اتخاذ القرار مثل المحاكم والدوائر الرسمية والأمنية وغيرها.. فالذي لا يتعامل مع الآخرين وفق الطريقة الصحيحة الموافقة للفطرة والعقل والشرع، يُقال عنه «عديم الثقافة».

لقد سقط نظام صدام وحزبه في العراق، لأنه اتبع منهجاً وثقافة ولدت بالأساس لتكون ثقافة سلطة وأوامر بلا نقاش، وهي ثقافة تستمد جذورها وتجاربها من التاريخ، متمثلة في حكام تناولوا طعامهم على آهات وصرخات المعذبين في السجون، وأنظمة حكم قامت على الجماجم واشلاء الضحايا، حتى السحل في الشوارع والتمثيل بالجثث، التي حصلت بالأمس القريب، إنما هي تكرار لتجارب من تلك العهود المظلمة والدموية. هذا النهج والنمط لم يكن وحده في الساحة، فقد كان ثمة نهجٌ هو الآخر يستمد جذوره لكن من التجربة الحضارية التي قدمها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته صلوات الله عليهم. ويقف العالم دائماً مبهوراً أمام عظمة هذه التجربة، وأيضاً تجربة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، خلال توليهما أمر المسلمين.

فاذا كان هذا حال العالم غير المسلم، إزاء رموزنا المقدسة، كيف يجب أن يكون حالنا نحن المسلمين مع رموزنا المقدسة الأخرى من نفس الشجرة، وهي تقدم الدروس والعبر لحياة سعيدة آمنة خالية من التوتر الاضطراب والصراع على السلطة والمصالح.

ومن هذه الرموز التي شحّت عنها الأضواء في ساحة الثقافة الاسلامية، الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام، ونحن نعيش ذكرى استشهادها المؤلم بين شهري جمادى الأولى وجمادى الثانية، فمن الجدير أن يكون ذكرى الرحيل أو المولد، مناسبة لأبناء الأمة وللعالم، لأن يستلهموا منها رجالاً ونساءً- كيفية صناعة السعادة ومحاربة الشقاء، وفي نفس الوقت، كيفية محاربة من يصنع الشقاء والتعاسة، ويحارب السعادة، وينشر بذور الكراهية والعنف والقسوة.. حياتها تصلح لأن تكون حلاً لكل من اغتصب حقه وتم التجاوز عليه، بما تفصله الروايات التاريخية. فهي لم تأخذ حقها في «فدك» التي منحها إياها رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم تقتص ممن ضغطها بين الباب والجدار، وقتل جنينها، نعم؛ ردّت اضطهادهم وسياستهم القمعية، بالخطبة الفدكية الصاعقة، التي تُعد لكل انسان مُنصف، بوصلة تحدد الحق من الباطل، بيد أن القصاص ورد الفعل جاء من الناس الذين اكتووا بنار هذا الاضطهاد والقمع. فعندما نقرأ حكايات من التاريخ عن حؤول الإمام علي عليه السلام عن رجم إمرأة متهمة بالزنا أو بتر يد سارق، أو غير ذلك، يجب أن نعرف أن الخمسة والعشرين عاماً التي قضاها أمير  المؤمنين بعيداً عن إدارة الحكم، شهدت ربما عشرات الآلاف من أحكام الجلد وبتر الأيدي والرجم والقتل بأحكام خاطئة، هذا الى جانب المحاباة والطبقية والعنصرية، التي حفرت بعمق تحت كراسي الحكم وأطاحت بهذا وذاك، وهذا النهج لن يتوقف، كما لو تتوقف ردود الفعل، والمثير أننا نقرأ ونشهد أنظمة حكم وحكاماً يستغربون ردود أفعال الناس، ويعدونه إستهدافاً للعلاقة المشوهة بين السلطة والمجتمع التي يحرصون لتعزيزها.

وإذن؛ يستمر مسلسل العنف والقسوة والدموية في الجهاز الحاكم، عندما يواكبه المجتمع رغبة ورهبة، ولكن إذا أراد التغيير، يكون ملزماً بعملية جراحية، ربما تؤدي الى نزيف خطير..

وهذه مشكلة دوامة العنف والكراهية والدموية، ولن يتخلص منها المجتمع، إلا بتحول أساسي واختيار نهج وثقافة من النوع الذي قدمه لنا بنجاح النبي الأكرم وأهل بيته صلوات الله عليهم، سواء في كونهم حكاماً، وما أقصر هذه الفترة، أو في كونهم رُسل نجاة وحياة للأمة وللإنسانية جمعاء، كما فعل الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء.


ارسل لصديق