الإمام المهدي .. ودولة الإسلام الكبرى
كتبه: الشيخ معتصم السيد احمد
حرر في: 2013/07/14
القراءات: 1493

إن رؤية الإسلام حول المسار المستقبلي للرسالة، لابد أن تكون واضحة، ولا يمكن أن يحقق الإسلام وعياً استراتيجياً لهذه الأُمّة، ما لم يكن هو الفاعل في صنع الواقع، بوصفه مشروعاً متكاملاً لا يستهدف فترة زمنية محددة، وبالتالي لا بد أن يكون له وعيٌ مستقبلي كما له في الحاضر. والوقوف عند حدود الواقع الراهن، دون الاستشراف إلى المستقبل يعني جمود التجربة، ومن ثم عدم صلاحية المشروع الرسالي ليكون هو الرسالة الخاتمة؛ لأن التغافل عن المستقبل هو نتاج محدودية الأفق، الذي يتحرك فيه الوعي، فحتى يكون الوعي شاملاً ومتكاملاً، لابد أن لا يقف عند حدود الواقع الذي بدأت فيه التجربة، فالمشروع الحضاري الذي يستهدفه الإسلام هو الإنسان، الذي لا يمكن حصره ضمن فترة محددة، طالما أن الإنسان له قدرة على التفاعل مع الواقع الموضوعي، ومن هنا ليس هناك وعي نمطي يمكن إعادة إنتاجه، أو تجربة يمكن تكرارها، فلا يمكن أن يسير الإنسان إلى الأمام وملتفتاً دائماً إلى الوراء، كالذي يحقق وعيه الراهن من خلال ما كان عليه السلف.

والإمامة بهذا المنظور، تمثل مشروعاً مستقبلياً للرسالة بعد الرسول، فإن كانت النبوة ختمت بمحمد صلى الله عليه وآله، فإن الإمامة بدأت بعلي عليه السلام، ولا يمكن أن تنتهي إلا بالمشروع الختامي، الذي تتحقق فيه الرسالة بكل معانيها وأهدافها، وهذا النوع من الفهم لابد أن تحققه أبجديات الرسالة الخاتمة، أما أن يصبح الإنسان المسلم أسير الاجترار الدائم لواقع التجربة الأولى، التي هي نفسها قامت على أساس تغييب فكرة الإمامة، وإخضاع التجربة برمتها لخطى مرتجلة تتحكم فيها المصلحة الظرفية، فإن هذا الفهم يكشف عن مدى الضبابية التي تعيشها الرؤية المستبعدة للإمامة.

وللتأكيد على أن الإمامة ضرورة إسلامية وحاجة إنسانية في كل آن و زمان، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»(1)، الأمر الذي يعني أن كل مسلم وفي كل زمان له إمام، وبالتالي ليس الإمام قضية تجربة تاريخية، وإنما هو قضية لها حضورها الدائم مع كل مسلم وفي كل زمان، فلا يستقيم للإسلام معنىً ولا يكون الإنسان مسلماً إلا بإمام، ومن هنا حكم رسول الله صلى الله عليه وآله، على من مات ولم يكن له إمام، بأنه قد «مات ميتة جاهلية»، هذا الحكم المبرم والقاسي، يكشف عن عظمة الإمامة في الإسلام، وعن أهميتها في واقع الإنسان المسلم، وهذا الحديث الصحيح لا يكون له واقع مفهوم، ضمن الخيار الذي قام على أن الإمامة ليست جزءاً من الإسلام، إذ لم يبق أمام هذا التوجه أي فهم لهذا الحديث، إلا بالوقوع في أحضان الطواغيت.

وضمن هذا الوعي، نتفهم التأكيد الشيعي على قضية الإمام المهدي - عجل الله فرجه- بوصفه المستقبل النهائي لتكاملية المسيرة الإسلامية، الأمر الذي يجعل التشيع هو الخيار الوحيد، الذي حقق تفاعلاً مع الرسالة بكل حيثياتها، إذ كيف يمكن الحديث عن رسالة خاتمة دون الحديث عن مآلاتها النهائية، وما يمكن أن تحققه للإنسان كهدف محوري للرسالة، ليس على مستوى الحياة الآخرة فحسب، وإنما على مستوى هذه الحياة الدنيا؛ لأن الإمام هو مشروع الإسلام لقيادة الإنسان المسلم في هذه الحياة، فما لم تكن للمسلم قيادة راشدة تفرضها الرسالة، يكون في حلّ عن هذه الرسالة، إلا في ما يتعلق بالحياة الآخرة، أما في الحياة الدنيا فله الخيار في ما تفرضه المرحلة من خيارات، فيشرِّق ويغرِّب مع كل فكرة يمكن أن تتفاعل مع واقعه، فبدل أن يكون الإنسان المسلم مبدعاً ومتطلعاً بإسلامه لتغيير واقعه، يصبح كل همه الحصول على مقعد له في الجنة، كأنما هذه الدنيا سخرت لغيره، وما أبعده عن هذا المقعد دون إمام يأخذ بيده إليه.

 

* عالمية حكومة المنقذ

ولكي نحقق فهماً أولياً لقضية الإمام المهدي – عجل الله فرجه- ونقترب من منظومة الوعي الشيعي، لابد لنا أن نرجع إلى الحِكمة التي من أجلها خلق الله الدنيا، ومن أجلها أرسل الأنبياء والرسل، وقد بينا في مقال سابق أن تكامل الإنسان هو الحكمة من وراء كل ذلك، واتفقنا بأن هذه الحِكمة تمثل لنا معياراً، لمحاكمة أية فكرة يراد إدخالها في الإسلام، ومن هنا لابد أن نتساءل عما إذا كانت قضية المهدي – عجل الله فرجه- تعزز هذه المسيرة التكاملية؟

لا يمكن حصر التكامل الذي يحققه الإسلام في رسالته، على مستوى الإنسان كفرد، رغم أن تكامله ضروري ومحوري، إلا أن التكامل الذي يحققه الإسلام على مستوى النظام البشري بشكل عام، هو الأساس، وبالتالي لا يمكن أن نتحدث عن إسلام، ما لم نتحدث عن النظام العالمي الذي يمكن أن يقيمه الإسلام، بوصفه قمة التكامل الذي يمكن تحقيقه.

فإن لم يكن هناك نظام عالمي يقوم على أسس رسالة الإسلام، كهدف نهائي تسعى إليه الرسالة، سيكون حينئذ، سيّان بين وجود الإسلام وعدمه، أو على أقل تقدير، لا يعدو أن يكون واحداً من الخيارات المطروحة بين الناس، ليس له أي مقومات خاصة تمنحه حق الجدارة أو أولوية الاتّباع، بل لا يعود له حق المنافسة، مع أي نظام يسعى لتحقيق نظام عام لكل البشر.

فالأمر دائر بين خيارين: إما أن يكون الإسلام رسالة جاءت من أجل حكومة عالمية، تتحقق فيها كل قيم السماء، أو أن يكون رسالة ذات أهداف خاصة ومحدودة، فعلى الخيار الأول: لا نفهم الإسلام إلا ديناً كاملاً وشاملاً لكل شؤون البشر، وبالتالي فإنه لابد أن يكون مبشراً بهذه الدولة الموعودة، بوصفها مكوناً أساسياً من مكونات هذه الرسالة.

وعلى الخيار الثاني: كيف نفهم أن الإسلام دين سماوي جاء من أجل الإنسان، فإن كان الإسلام رسالة من الله، فالمقصود بها حتماً هو الإنسان، وبالتالي لابد أن تلبي تلك الرسالة حاجات الإنسان وتطلعاته، وأهم ما يسعى إليه الإنسان هو التطلع الدائم إلى الكمال، ولا يتحقق الكمال على المستوى البشري إلا بنظام عالمي، تتجسد فيه كل القيم، فلو كان بمقدور الإنسان أن يستغني عن الإسلام في بناء ما يشاء من حضارة، فبمقدوره أيضاً أن يستغني عن أحكام الطهارة والنجاسة وبقية الأحكام، لأنه لا يبقى حينئذ لهذه الأحكام معنى، ولا يبقى لوجودها داعٍ؛ فالمعنى الذي تستقيم به هذه الأحكام، هو المعنى الذي يعزز الهدف العام.

وبذلك نكون قد أشرنا إلى بعض المفاهيم المقلوبة، التي حاولت أن تحقق فهماً للإسلام، من خلال هذه الأحكام، بعيداً عن الرؤية الإسلامية الشاملة قال تعالى: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ» (سورة الأنعام /38). فلا يمكن أن يكون قد فرط الإسلام في هذه القضية المحورية.

وقد أكدت الروايات، على محورية الإمام المهدي في الفكر الإسلامي، بوصفه المنقذ الذي تتحقق على يديه عدالة السماء، كما أكدت على أن المهدي – عجل الله فرجه- من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله، مما يخلق تلك الصلة الوثيقة بين دولة المهدي وبين رسالة النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وبالتالي نفهم تمام هذه الرسالة وكمالها بتلك الدولة التي تملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً.

وهكذا تبدأ مسيرة الإسلام بالإمامة، كقيادة معصومة تضمن سلامة المسيرة، وتنتهي بدولة العدل على يدي الإمام المهدي - عجل الله فرجه- فلا يبقى مجالٌ للشك بأن الإسلام هو الرسالة الخاتمة، التي لابد أن تتاح لها الفرصة لكي تكون هي الحاكمة.

إنه لابد للإنسان أن ينعم بالعدل ويستشعر معنىً للسعادة، فلا يمكن أن نتصور أن الإنسان قد أُهمل وتخلت عنه إرادة السماء، وكيف تتخلى عنه ومن أجله جاء الأنبياء والرسل؟

إن فهمنا للإسلام ورسالته، لا ينفك عن فهمنا للإنسان، كما أن فهم الإنسان لا يكون بعيداً عن الإسلام ورسالته، وهكذا يكون شيعة أهل البيت عليهم السلام، قد حققوا فهماً متفاعلاً مع الإنسان والإسلام، كرسالة كاملة وشاملة.

  ولقد وردت أحاديث المهدي في مصادر أهل السنة، كما عن ‏‏‏أبي هريرة، أن رسول الله‏‏‏ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ‏»كيف أنتم إذا نزل ‏ابن مريم ‏فيكم وإمامكم منكم»(2).

وقد خرّج أحاديث المهدي جماعة من أئمة الحديث، منهم أبو داود والترمذي وابن ماجة والبزار والحاكم والطبراني وأبو يعلي الموصلى، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل ابن عباس، وابن عمر وطلحة وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري، وأم حبيبة وأم سلمة وغيرهم، وإسناد أحاديثهم بين صحيح وحسن وضعيف. كما أسندت الى الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.

ويرى كثير من العلماء، أن أحاديث المهدي بلغت حد التواتر المعنوي، منهم القاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني، الذي يقول في التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح: والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها، منها خمسون حديثاً في الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها، على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول. وبذلك ينحصر الخلاف في المهدي بين كونه موجوداً كما عند الشيعة، أو أنه سوف يولد كما عند السنة، وبالتالي فكلا المذهبين يؤمنان بدولة العدل.

وفي الظاهر، فإنه لا ميزة في ذلك للشيعة على السنّة، فمن خلال كلا الرأيين تتحقق حِكمة الرسالة، وهذا الكلام يحمل نوعاً من الوجاهة لولا الضبابية التي تكتنف الرؤية المهدوية في الفكر السنّي، فوجود بعض الروايات في المصادر السنية، لا يرتقي بقضية المهدي إلى مستوى الفكرة المحورية في الفهم السنّي للإسلام، فالمسلم السُني يرى أن دينه مكتمل حتى من دون المهدي، وهذه الروايات وإن كانت موجودة، إلا أنها أشبه بالأمور المهملة، أو الأمور غير المطروقة فكرياً فيها، بحيث لا تشغل قضية المهدي أي متسع في الوعي السني، فطالما هو غير موجود الآن، فلا يمثل أي تأثير على مستوى القناعات والفهم، بعكس حضورها الواضح عند الشيعة على مستوى العقيدة والفكر، والثقافة والسلوك، بوصفها أساس التشيع.

وهذا الغموض في فكرة المهدي لدى السنّة، نجده واضحاً من خلال الغموض في شخصه ودولته، وكيف تكون وما هي شروطها وعلاماتها..؟ وما هو دور المؤمن فيها؟ وما هي مسؤولية المؤمن قبل حضوره؟ وغيرها من الأسئلة التي نجدها واضحة عند الشيعة، وقد تضمنتها المئات من كتبهم، مما يشكل مفارقة جوهرية بين الرؤية الكاملة الواضحة الحيّة الفاعلة عند الشيعة، وبين مجرد روايات ذكرتها كتب الأخبار عند السنة. والإمام المهدي عند الشيعة، هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام، وهو محمد ابن الإمام الحسن العسكري ابن الإمام علي الهادي، ابن الإمام محمد الجواد ابن الإمام علي الرضا، ابن الإمام موسى الكاظم، ابن الإمام جعفر الصادق، ابن الإمام محمد الباقر، ابن الإمام علي السجاد ابن الإمام الحسين ابن الإمام علي عليهم السلام جميعاً، وإلى جانب الإمام الحسن عليه السلام، يكونوا اِثنا عشر إماماً كـــــما قـــــال رســـــــول الله صلى الله عليه وآله: «الأئمة من بعدي اثنا عشر إماماً أو خليفة». (3)

وبالنتيجة، هو واضح لديهم، معروف من قبلهم، لا يرتابون فيه ولا يشكون، يشهدون له منذ أن كان نوراً في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهرة، لم تنجسه الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسه من مدلهمات ثيابها.

أما عند السُنة، فالمهدي شخص يجود به الزمان، غير معروف الأب والأم، وقياساً على معتقدهم في أبوي النبي، صلى الله عليه وآله، بأنهما كانا كافرين، فلا يشترط - على هذا القياس- أن يكون والدا المهدي مؤمنين، بل قد يكونان منحرفين..! ولا يحق لأحد أن يعترض على هذا الوصف، طالما أنه ليس موصوفاً لديهم، وغير واضح عندهم، فهل يستقيم هذا الأمر مع حِكمة الله، التي جعلت المهديَّ قِوامَ دينه وتمامَ رسالته ومظهرَ عدله، بوصفه الإمام الذي يطبق الإسلام على الأرض، فيملؤها عدلاً وقسطاً.

ويبقى هناك إشكالان: يتعلق الأول بقضية الغيبة، والثاني في أن هذه الدولة التي تمثل عدالة الله في كل الأرض، لا تشمل كل البشر، فإين العدالة في ذلك؟ وكيف يصبح مجموعةٌ محدودةٌ من البشر، شاهدةً على عدالة حكومة الله التي بشر بها الأنبياء، في حين كل الذين ماتوا من آدم إلى قيامه محرومون من هذا النعمة وغير شاهدين على هذه الحِكمة، خاصة وهناك من كان سبباً في الظلم وسفك الدماء، وهناك أنبياء وصالحون ومؤمنون كانوا يرجون الله في تخليص الأرض من هذا الفساد؟

الرؤية واضحة، وخريطة الرسالة مكتملة ضمن الفهم الشيعي، مما يكشف عن تمامية الفهم وعمق الاستيعاب، ويعود الفضل في ذلك، إلى كلمات الأئمة عليهم السلام، الذين جعلهم الله منارات يهتدي بها المؤمنون.

-----------------

1- صحيح مسلم: باب الأمر بلزوم الجماعة ج6 - ص22

2- البخاري: نزول عيسى بن مريم ، أحاديث الانبياء، ح3193.

3- نفس المصدر: الأحكام. الاستخلاف. ح 6682. ح410 . صحيح مسلم: الإمارة. الناس تبع لقريش. ح3393. ح3394. ح3395. ح3396. ح 3397. ح 3398.


ارسل لصديق