دموع زين العابدين و حزن زينب
كتبه: سماحة السيد محمود الموسوي
حرر في: 2013/12/16
القراءات: 1072

موسم عاشوراء والأربعين الحسيني، تمثل ذكرى سنوية متجددة تمر على الإنسان لإحياء القيم الحسينية في قالب الشعائر والمظاهر المختلفة، ولتكوّن صبغة عامة داخل المجتمع، فمطلوب من الإنسان الموالي أن يظهر الحزن بل أن يظهر الجزع بمختلف أنواعه، كما مطلوب منه أن يرفع ذكر الإمام الحسين، عليه السلام، ويرفع مظلوميته ومظلومية من قتل معه عالياً ليسمع كل العالم بما جرى على سبط رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا ما قام به الإمام زين العابدين، و السيدة زينب، عليهما السلام، بأن نقلوا خبر عاشوراء، لكل مكان يطأونه. فقد بكى الإمام زين العابدين، طوال حياته، آخذاً بتذكير الناس بما جرى على الإمام الحسين، عليه السلام، من ظلم، وهكذا كانت مسيرة أئمة أهل البيت، عليهم السلام، في إظهار الحزن، و هذا ما ورد عن الإمام الحجة المنتظر - عجل الله فرجه- الذي يقول في الزيارة: «لأندبنك صباحاً ومساء ولأبكين عليك بدل الدموع دماً».

كما أن هنالك جانباً آخر يتمثل في إحياء هذه الذكرى، وهو بعد المضمون القيمي والفكري لهذه المناسبة، فالإمام الحسين قام من أجل إصلاح الوضع الفاسد الذي انحرف عن القيم التي أسسها الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، واستمرار هذا البعد هو استمرار للعمل من أجل الدين ومن أجل تمكين قيم الدين في المجتمع، و مواجهة الفساد بالإصلاح.

هذا البعد هو اللبّ والجوهر، والبعد الأول هو الإطار والشكل، وكلاهما أساسيان ومهمان في إحياء الشعائر الحسينية، فاللب والمحتوى يحتاج إلى إطار و حماية، و لا إطار من دون لبّ.

بهذا التصوير للشعائر الحسينية، وبهذا الفهم، قد تبرز نظرات، تغلّب أهمية المحتوى والمضمون القيمي، فتقوم بإلغاء مادونه، فتلغي على سبيل المثال حالة البكاء والحزن وقد تكتفي بذكر الأبعاد القيمية من أجل التأسي بها !!، وقد تبرز نظرة أخرى للشعائر، وتقول بأن المطلوب والأساس هو حالة الإشعار، فتلغي البعد القيمي أو لا تهتم له، فيكون البكاء حسناً حتى لو كان لغير الله !!

إذاً كيف ننظر للشعائر الحسينية ؟

ينبغي النظر للشعائر الحسينية بنحو من الخصوصية، كونها قضية محورية في الدين، وهذه الخصوصية ينبغي أن لا تقاس على غيرها، بل هي مقياس بحد ذاتها، وما دمنا نمتلك رصيداً من الروايات الصادرة في هذا الشأن عن أهل بيت العصمة والطهارة، فإننا ينبغي أن ننظر لها بجدية ومن دون تسرّع في الفهم، فإنه كما ورد في البكاء على الإمام الحسين من فضل كبير لابد أن لا يتغافل عنه، كما هو بيّن في الروايات الكثيرة، ومنه قول الإمام الرضا، عليه السلام، لإبن شبيب، «يابن شبيب.. إن بكيت الحسين حتى يصير دموعك على خديك غفر الله لك كل ذنب أذنبته صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً أو كثيراً».

ومن جانب آخر، لا ينبغي التساهل مع البعد القيمي، لأن نهضة الإمام الحسين، عليه السلام، ما كانت إلا إنقاذاً لهذا الدين، وما كانت إلا لكي تصلح الوضع الفاسد، ولأن الإمام، عليه السلام، هو قدوة الإنسان المسلم الذي يجب أن يلتزم نهج الامام المعصوم، فلا بد أن نتمثّل تلك الأبعاد التي جاءت بها الثورة الحسينية، ومن أساسياتها أن نكون حسينيين في أخلاقياتنا وفي تعاملنا مع الآخرين، و أن نسهم في بناء المجتمع وتحمّل المسؤولية لرفع مستواه والمطالبة بحقوقه المنتهكة.

لعل البعض يريد أن يدافع عن الامام الحسين، عليه السلام، ولكن بأسلوب يضر بقيم الإمام الحسين التي من أجلها جاهد واستشهد، فهو بذلك يجرّد كل الشعائر من محتواها القيمي، فليس مهم عنده أن تُضرب القيم الحسينية والمبادئ الدينية، بل ولا يتحمل أي مسؤولية في هذا الإتجاه.

كما أن البعض الآخر قد يتمسّك بالقيم، إلا أنه يناقضها بممارساته، أو أن لا يهتم في إشاعة المظاهر الحسينية، كحالة إعلامية عالمية، وقد يلغي البعض أبرز مظهر يتجلّى خصوصاً في يوم العاشر من محرم الذي ورد فيه عن أهل بيت العصمة أنه يوم حزن وبكاء وجزع.

التوازن في الرؤية هو أن ننتهج نهج أهل البيت، عليهم السلام، ومن حذا حذوهم تجاه هذه المسيرة العظيمة، فإن الإمام زين العابدين عليه السلام الذي بكى طوال حياته، إلا أنه كفكفها في المسجد الأموي عندما وقف أمام الطاغية وهو يؤنّب خطيبه قائلاً: «ويلك أيها الخاطب ! إشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبوأ مقعدك من النار».

وكادت الدموع أن تكون وسيلة للهروب من المسؤولية، إلا أن زينب بنت علي، عليهما السلام خاطبت المجتمع آنذاك قائلة: «أتبكون..؟ فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم، ألا وهل فيكم إلا الصلف والنطف، وملق الإماء وغمز الاعداء، أو كمرعى على دمنة، أو كفضة على ملحودة.. ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون..».

فالتوازن يقتضي أن تكون شعائر متنوعة بكافة أبعاد من يستشعرها مع التأكيد على المضامين المسؤولة.


ارسل لصديق