عاشوراء والمشروع التربوي ..
أصحـــاب الإمـــام مثـــالاً
كتبه: سماحة السيد محمود الموسوي
حرر في: 2013/12/16
القراءات: 1243

عاشوراء هي قمة النتائج للعمل الرسالي، فمعطياتها لا تقتصر على العمل الثوري والعسكري بل تشمل العمل الرسالي بعمومه وفي كل ميادينه وأبعاده ومدياته الجهادية، سواء الجهاد بالمال أو الجهاد بالكلمة أو الجهاد بالنفس أو الجهاد بالحديد، فالمناط واحد والغاية واحدة، هي إصلاح الأمة فيما يرضي الله تعالى، فلا يقتصر ذلك على البعد العسكري أو السياسي.

فعاشوراء ليست حدثاً سياسياً ثورياً مقطوعاً عن سياقاته الإنسانية والتربوية والإيمانية، فقد تفاعل الإيمان والفطرة في عاشوراء بأجلى صورهما، ويمكن أن نكتشف تلك التجليات عند دراستنا لموضوع أنصار الإمام الحسين،عليه السلام، في كربلاء، فالأنصار بوصفهم كوادر بشرية شكلوا البنيان الإيماني المرصوص للنهضة الحسينية، الذين قال الإمام الحسين،عليه السلام، كلمته فيهم: «أما بعد، فإني لا أعلمُ أصحاباً خَيراً مِن أصحابي، ولا أهلَ بيتٍ أبرَّ وأوفى من أهلِ بيتي».

فإن معادن الرجال وقناعاتهم تتأرجح بتأرجح الظروف، وتختلف باختلاف الصعوبات من شخص لآخر، فقد يلتزم الصديق معك وقت الضيق العادي، لكنه لا يلتزم معك وقت ضيق المال، وقد يلتزم معك حال ضيق مالك، إلا أنه لا يلتزم معك عندما يكون الخطر داهماً لممتلكاته أونفسه، وهكذا تجاه الدين وأمره، فالناس ليسوا سواء في تحمل المسؤوليات تجاه نداءات الدين، لذلك عبّر الإمام الحسين،عليه السلام، بكلمة واضحة عن هذه الفكرة حول السواد الأعظم من الناس، وربما هم أناس ذلك الزمان الذين قلّ فيهم الخير وانحسر عن حياتهم هم الدين، فقد قال، عليه السلام: «إن هذه الدنيا قد تغيّرت و تنكّرت وأدبر معروفها، فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون أن الحق لا يعمل به، وأن الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقاً، فإني لا أرى الموت إلا سعادة ولا الحياة مع الظالمين إلا برماً. إن الناس عبيد الدنيا والدين‏ لعق‏ على‏ ألسنتهم‏ يحوطونه ما درت معايشهم فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديانون».

ومن المؤكد أن عدد المرافقين للإمام الحسين،عليه السلام، في مسيرته الكربلائية قد اختلف منذ خروجه من مدينة جده رسول الله، صلى الله عليه وآله، إلى مكة المكرمة، ومنها متجهاً إلى الكوفة، فهناك انعطافات حرجة بيّنت مقدار الخطر الداهم الذي ينتظر الإمام الحسين، عليه السلام، ومن سيكون معه، فالبعض تفرّق عنه خوف الموت والصعوبات، وبقي معه الخلّص من الرجال الذين سطروا أروع مثال لرجال الإيمان والإلتزام بالإمامة وبالحق.

يقول المفيد في «الإرشاد»: «في طريقه للكوفة بعد ان أبلغوه ـ الإمام الحسين ـ بخبر مقتل مسلم وهانئ، ـ خطب الإمام في الناس قائلاً: «بسم الله الرحمن الرحيم»، أما بعد: فإنه قد أتانا خبر فظيع،‏ قتل‏ مسلم‏ بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر وقد خذلنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف غير حرج ليس عليه ذمام.

فتفرق الناس عنه وأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه‏ الذين جاءوا معه من المدينة ـ وقيل مكة ـ و نفر يسير ممن انضووا إليه، وإنما فعل ذلك لأنه، عليه السلام، علم أن الأعراب الذين اتبعوه إنما اتبعوه وهم يظنون أنه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهله، فكره أن يسيروا معه، إلا وهم يعلمون على ما يقدمون».

فالذين بقوا ليوم عاشوراء، هم القمة في التضحية والإيثار، وهم خلاصة الرجال، وتقول الروايات التاريخية: «أصبح الحسين بن علي، عليه السلام، فعبأ أصحابه بعد صلاة الغداة وكان‏ معه‏ اثنان‏ وثلاثون‏ فارساً وأربعون راجلاً».

 

* الثورة على الذات أولاً

من هنا نعي أن أنجح الثورات والحركات هي التي تنطلق بروح إيمانية صادقة لا تبتغي مطامع دنيوية زائلة، بل هي التي تنظر لموضع الإيمان ومعادلة تواجده في الحياة، فتنهض مناصرة له، فتهدم أسباب الفساد. وأن أصدق الثورات هي التي تخاطب الإنسان عقلاً وفكراً ليتحرّك ضمن دائرة الإيمان.

ففي عالم الإنتصارات ثلاث حالات: فقد يتحقق الصلاح دون الثائرين. وقد ينتصر الثائرون دون الصلاح. وقد ينتصر الثائرون الصالحون.

فالتطابق مهم في هذه المعادلة الصعبة، والحذر واجب تجاه ذلك، فإن الإمام الصادق،عليه السلام: يقول: «إن الله عز وجل ينصر هذا الدين بأقوام لا خلاق‏ لهم،‏ فليتق الله عز وجل امرؤ وليحذر أن يكون منهم‏». والإمام علي، عليه السلام، يقول: «أما إني أعلم الذي تريدون، ويقيم أودكم‏،  ولكن لا أشتري صلاحكم بفساد نفسي‏».

فليس كل منتصر باسم الدين هو على الدين والحق، ومن هنا جاءت أهمية بناء الذات لتنسجم المعادلة الإيمانية في التغيير، وجاءت ضرورة اكتشاف المنهج التربوي الحسيني مع الأصحاب في النهضة الحسينية.

إننا نرى أن الإمام الحسين، عليه السلام، كان يردّد آية قرآنية كلما قتل أحد من أصحابه، وهذه الآية هي قول الله تعالى: {مِنَ المؤمنينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}، حيث أننا يمكن أن ننطلق من هذه الآية لفهم المرادات التي ينشدها الإمام في الأصحاب، حيث الإنضمام إلى الصادقين الذين يلتزمون بعهود الله تعالى، التزاماً منهم للحق، وثبات منهم على الطريق، فإن الذي يسعى لاصلاح الواقع الفاسد لابد أن يحمل الصلاح في داخله ويكون شعلة إيمانية ليساهم في بناء المجتمع الإيماني المنشود.

 

* القيادة الرسالية ضرورة

لا شك أن أصحاب الإمام الحسين،عليه السلام، لم يكونوا سواء في الفضل والمقام والعلم، ولا يمكن أن تنتظر المسيرة الجهادية بكل مستوياتها أن تكتمل عقول كل رجالها، ولكنها تحتاج إلى النماذج الإيمانية كأوتاد، ومن أهم بل أهم عنصر هو تحقّق القيادة الرسالية المتمثلة في العلماء الربانيين، وفقهاء الأمة الذين وصفهم أهل بيت النبوة بأنهم رواة أحاديثهم، عليهم السلام، والعلماء بالواقع.

نجد في البحث حول أصحاب الإمام الحسين،عليه السلام، كأنموذج تربوي، هذا البعد شاخصاً، فإنهم قبلوا بالإمام بقبول الحق، وقد عرّفهم الإمام، عليه السلام، بمنزلته من الرسالة المحمدية ومقامه عند الله تعالى، فعرفوه إماماً مفترض الطاعة، يتفجر العلم والهدى من بين جوانحه، ومن هنا يمكن سد الخلل الذي يمكن أن يكون في الجماعة الإيمانية والشخصية العاملة في سبيل الله تعالى، حيث يلجأ الفرد إلى قيادته الرشيدة التي ترسم له الطريق وتبصّره بواقع الأمور.

 

* التربية الحسينية

الإمام الحسين،عليه السلام، رسم منهجاً تربوياً لصناعة الرجال، فأولئك الرجال الذين أصبحوا نجوماً في سماء البشرية وسطروا أروع الأمثلة في التضحية والإيثار، ينبغي أن تكون طريقة التعامل معهم طريقة توضع تحت المجهر البحثي، لنرى كيف تعامل معهم الإمام، عليه السلام، وكيف تعاملوا مع الإمام، فمن الإجابة على هذه التساؤلات يمكن الخروج بمجموعة مفاهيمية تكون منهجاً في التعامل من أجل بناء الشخصية الرسالية.

لقد اهتم الإمام الحسين،عليه السلام بجانب الوعي والإيمان معاً، وحافظ على القوّة الإيمانية وقوة الوعي لدى أصحابه، وسعى في تغذية هذين البعدين حتى آخر لحظات القتال في ساحة المعركة، مما يعطينا مؤشراً على الأهمية البالغة التي يحتلها هذان البعدان.

في جانب الوعي حرص الإمام، عليه السلام، على أن لا يترك الأصحاب دون توجيه بكل ما تتطلبه التحديات، من وعي في تثبيت العقيدة ووعي في تثبيت الحقائق ووعي سياسي للظروف ووعي لمآلات الأحداث، فكانت للإمام بيانات عديدة رافقت المسيرة الحسينية، وتمثلت تلك البيانات في كلمات وحوارات وخطب وإعلان لمواقف، ليبصرهم بما هم عليه، وهذا النهج القرآني لكل الأنبياء والصديقين، حيث يقول تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَامِنَ الْمُشْرِكِينَ}.

وفي الجانب الإيماني حيث أن الإمام، عليه السلام، يؤكد على أن المسيرة هي مسيرة حق، ورفض الظالمين بسبب ظلمهم وفسادهم وأفعال السوء التي يرتكبونها، وبيّن لهم أن مثل الإمام الحسين، عليه السلام، الذي هو مجمع للفضائل والإيمان، لا يبايع مثل يزيد الذي اجتمعت فيه رذائل أهل الأرض، ليعرف الأنصار أن هنالك فريقين، فريق الصلاح ويمثله الصالحون، وفريق الفساد ويمثّله الفاسدون، فـ ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ. ولذلك نجد أن ليلة العاشر كانت شاهدة على إيمان الأصحاب الذين اشتغلوا بالعبادة وامتلأت السماء بدويهم الإيماني، فكان لهم دويّ كدوي النحل، فبين راكع وساجد وتالٍ للقرآن، وقد أكد الإمام، عليه السلام، على ضرورة الإلتزام العبادي في يوم العاشر حيث أقام الصلاة حتى تحت رشق السهام من الأعداء، فأعطى مثالاً للشخصية المؤمنة بأنها هي التي تحافظ على إيمانها مهما بلغت الصعوبات.

وكان العباس، سلام الله عليه، مثالاً حيث تجمعت فيه هاتان الصفتان، فقال عنه الإمام الصادق، عليه السلام: «كان عمّنا العباس بن علي نافذ البصيرة صلب‏ الإيمان‏، جاهد مع أبي عبد الله الحسين، عليه السلام، و أبلى بلاء حسنا، و مضى شهيداً».

وهكذا لو أخذنا كلمات الأصحاب في ليلة العاشر، مثالاً لنتائج تلك التربية الحسينية الفريدة، سنجد أنهم بلغوا مراتب عالية في المعرفة والإيمان، فإن الإمام سلام الله عليه قد أعطاهم الخيار في البقاء معه والجهاد في سبيل الله تعالى، أو الإنسجاب من أرض المعركة، فكانت ردود أفعالهم شاهدة على بصيرتهم وإيمانيهم.

فقد قال بنو عقيل: لا والله لا نفعل تفديك أنفُسُنا وأموالُنا وأهلونا، ونقاتل معك حتىٰ نرد موردك فقبّح الله العيش بعدك.

وقال مسلم بن عوسجة: أما والله لا أفارقك حتىٰ أكسر في صدورهم رمحي وأضربُهم بسيفي ما ثبت قائمُه في يدي، ولا اُفارقك ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتُهم بالحجارة دونك حتىٰ أموت معك.

وقال سعد بن عبد الله الحنفي: والله لو علمتُ أني اُقتلُ ثم أحيا ثم اُحرقُ حيَّاً ثم اُذرُّ، يُفعلُ ذلك بي سبعين مرةً ما فارقتُك حتى ألقىٰ حِمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلةٌ واحدةٌ ثم هيَ الكرامة لا انقضاء لها أبداً .

وقال زهير بن القين: والله لوددت أني قُتلتُ ثم نُشرت ثم قُتلتُ حتىٰ أُقتل كذا ألف قتلةٍ، وأن الله يدفعُ بذلك القتل عن نفسك وعن أنفُس هؤلاء الفتية من أهل بيتك.

وكذا القاسم بن الحسن، عليهما‌ السلام، لمَّا قال له الحسين ،عليه ‌السلام: يا بني كيف الموت عندك؟ قال: يا عم فيك أحلىٰ من العسل.

وبعد تلك المواقف المشرفة بين يدي الإمام، عليه السلام، قال عنهم: «والله لقد بلوتهم فما وجدتُ فيهم إلا الأشوس الأقعس، يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل إلىٰ محالب أمه».

 

* الغايات الحسينية

لم يكن همّ الإمام الحسين، عليه السلام، هو إسقاط يزيد الشخص فحسب، بل الهمّ الأكبر والحقيقي هو إسقاط الحالة اليزيدية، لذلك ونحن نقوم بدراسة المشروع التربوي الحسيني، بحاجة إلى التأكيد على الغايات الكبرى للمشروع الحسيني الذي يحمله الإمام،عليه السلام، وبالتالي ليوطن الأصحاب أنفسهم عليه وعياً وإيماناً، وقد كانت الغاية هي إصلاح الأمة، فصناعة الأمة وصياغتها وحمل مشروع الأمة الإيمانية، هو الغاية التي لا ينبغي أن تغيب عن العاملين، لذلك كان الإستشهاد محققاً لتلك الغاية ولو بعد حين، فالإمام،عليه السلام، وإن لم يكن على سدة الحكم إلا أنه عمل على إحياء الدين في أمة جده رسول الله، صلى الله عليه وآله، بعد أن كان منسياً ومحرفاً.

------------------

* عالم دين من البحرين


ارسل لصديق