في الثقافة الرسالية
لكي تكون عنصراً حضارياً حقّاً
كتبه: الشيخ محمد سعيد المخزومي
حرر في: 2012/07/11
القراءات: 1291
لقد شهد الناس قديماً وحديثاً، رواج مصطلحات سياسية وفكرية كثيرة، وضعوها في غير محلها واستخدموها في غير مواضعها. 
استخدموا مصطلح (المحبة والسلام)، للتعبير عن نظام يقمع الإنسان من اجل طبقة حاكمة، بينما السلم والسلام يقتضي نقيض ذلك. 
ومنهم من استخدم مصطلح (القومية) للتعبير عن مآرب تستهدف إلغاء الدين ومحاربته، وحصره في حدود الممارسات الفردية العقيمة المجردة عما يجري في الحياة، بينما حقيقة محبة القوم لا تعني ذلك. 
ومنهم من استعمل مصطلح الدين للتعبير عن ثقافة الاقصاء الطائفي والمذهبي في وقت لا يتصل الدين بهذا المفهوم المغلوط.
ومنهم من استخدم مصطلح (الاسلامية) لغرض تجيير الاسلام لتمرير تطلعات حزبية أو قومية أو اقليمية ضيقة، في وقت أن الاسلام دين الحياة والمحبة والوئام.
ومنهم من رفع مصطلح (الديمقراطية) لقمع من ينادي بها، وتوظيف المال والرجال والإعلام والتحالفات السياسية لمصالح حزبية، وتطلعات فردية وفئوية لا تهتم بمصالح الناس ولا تُعنى بالصالح العام، بينما عنوان الديمقراطية لم يؤسَّس لذلك.
ومن تلك المصطلحات التي نحن بصددها؛ مصطلح (الحضارة) و (التحضر).. فهما مصطلحان وُضِعَا للتعبير عن مناهج مقصودة. ففي مجال الثقافة صارت للتعبير عن نشر الفساد الاخلاقي والفكري والتردي الاجتماعي. فصار الغناء ثقافة، والمطرب مثقفاً، والحفل الغنائي مهرجاناً ثقافياً وعملاً حضارياً. كما تحولت محافل (استار اكاديمي) الى مناسبات ثقافية، بل والتخلّع للنساء والفتيات نموذجاً للتحضر!
وفي مجال الاجتماع، فقد أصبح التقاطع الاجتماعي، وقطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، والتباعد عن المخلصين، واجتناب مصاحبة الناصحين، وتناسي صحبة الاصدقاء القدماء، كلها من ضرورات التحضّر ومناهج المتحضرين. 
وفي مجال الاقتصاد، فالسرقة والاحتيال والرشوة والصفقات التجارية الملتوية والربا، كلها وغيرها، تُعد من ضرورات العالم المتحضر.
وفي مجال السياسة، فالجمع بين الجلاد والضحية، و وضع المستضعف تحت هيمنة المستكبر، وجعل مصالح الناس ومصيرهم تحت تصرف المفسدين، وربط مصير وإدارة شؤون المحرومين بيد المتسلطين من أذناب النظم الفاسدة، وجعل ذلك كله تحت عنوان (المصالحة الوطنية)، يُعد من ضرورات العمل الحضاري، وعقد صفقات حزبية بين كتل سياسية متصارعة على حساب مصالح الشعب وحقوقه ومكتسباته، توضع كلها تحت عناوين الوفاق الوطني والتسوية الوطنية والمصالحة الوطنية، ثم تؤطر جميعها تحت إطار ضرورات ثقافة العمل السياسي في عصر الديمقراطية والتحضّر.
بينما الحضارة والمتحضّر وسبيل المتحضرين يختلف عن تلك المفاهيم اختلاف ما بين المشرق والمغرب.
تعريف الحضارة والتحضر
التحضر بشكل مختصر، له تعريف لغوي يعني الحضور في المدينة بدل البدو. وتعريفه الاصطلاحي هو حضور القيم الإنسانية الراقية في نفس الإنسان، وواقع المجتمع، بما تعيد صياغة فكره وفهمه وثقافته وتصوره وتعامله في الحياة.
والقيم الإنسانية الراقية، هي التي يكون منبعها الوحي التي أراد الله تعالى بها صناعة الإنسان وصياغة المجتمع وبناء الحضارة على أساس أن يكون الإنسان محباً للناس في الحياة، ويكون مسؤولاً عن نفسه ومجتمعه وما يحيط به في الوجود، باذلاً قصارى طاقاته من أجل تحقيق السعادة والاستقرار له ولسائر ابناء مجتمعه والارتقاء للحضارة.
من هنا يتبين لنا أن الإنسان بدون القيم الإنسانية الراقية، يتحول إلى بهيمة، وإلا عليه الاستماع لهتاف العقل الذي يحرك عنده البحث والقبول بقيمية العلوم والمعارف التي يهتف بها الوحي كما قال تعالى: «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» (سورة الفرقان /44).
ولذلك فإن الإنسان الذي يعطل الاجهزة الذاتية للاطلاع على القيم الإنسانية الراقية ويعرض عن هتاف الوحي الذي يؤسس لتلك القيم ويغذيها، يصبح فاقداً لإنسانيته بل يصبح بهيمة كما هو في تصريح القرآن الكريم بقوله تعالى: «وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ» (سورة الاعراف /179). 
بناءً على ما تقدم فإن الإنسان الذي يستخدم إمكاناته الذاتية لاستيعاب قيم الحياة التي جاء بها الوحي، يمثل العنوان الأكمل للإنسان المتحضر، بعكس الجاهل المتخلف (غير المتحضر)، فهو الذي يجهل قيم الوحي ولا يحكّم حياته الفردية والاجتماعية بموجبها، فيفقد انسانيته. وما مجتمعات الأرض التي تنتهك حرمات الإنسان وتقتل البشر وتدمر الحياة وتتفنن بالقتل وصناعة الموت والدمار إلاّ جاهلة متخلفة لا تعرف طعم التحضر لجهلها بقيم الوحي.
من هنا نكتشف أن العنصر المتحضّر في الحياة، هو المؤمن  القوي بقيم الوحي لا غيره، وليس المؤمن الضعيف المتداعي بتداعي قيم الوحي في قوامه الشخصي ومشروعه ومنهاجه. 
والمؤمن ينبغي أن يتصف بصفتين اساسيتين، كما يقول الإمام الحسين عليه السلام: «المؤمن من اتخذ الله عصمته وقوله مرآته»، بمعنى أنه يعتصم بالله عزوجل، ويتشبث بكل ما يأمر به، وينتهي عن كل ما ينهى عنه، ويقرأ كلام الله تعالى فيرى نفسه فيه فيترسَّم آثار الصالحين، ويتتبع خطوات الناجحين ويقتفي مسلك الأحياء الخالدين، لا الاموات .
إن هذا العنصر الفريد في الحياة - أو سمّه اكسير الحياة- هو الذي يقف كثيراً عند آيات القرآن الكريم فيتثبت عندها، ويتوقف حيالها ليربي نفسه عليها، ويصحح مساره موجبها، فيرسم معالم شخصيته التي يجب أن يصيغ نفسه بموجبها، ومن تلك المعالم ما يأتي: 
أولاً: قوي الإرادة صابر على كل حال 
وذلك حينما يمر على المؤمن كلام الله، ويتأمل خطابه للمؤمنين، فيقرأ قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا»، يلتفت إلى نفسه مراقباً إياها، مكتشفاً أنه هو أحد الذين تقصدهم الآية الكريمة، فيعرف أن الله تعالى يريد منه أن يكون ثابتاً في معترك الحياة، فيتحلى بالصبر في حالاته التي يمر عليها جميعا، فيتأمل قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» (سورة البقرة / 153). فيعتبِر بذلك الخطاب ويطمئن أن الله معه بقوّته المطلقة. ومن كان الهف تعالى معه، يكون ممن «لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون».
ثانياً: إنسانٌ واعٍ
العنصر المتحضر في الحياة هو المؤمن، لأنه يعي مناهج الحياة ومداخلها، ويعرف أنه محاط بسيل هائل من القوانين والنظم والامكانات الإلهية التي غمره الله بها كي يعيش هانئاً مستقراً مطمئناً.
فهو حينما يقرأ قوله تعالى: «وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» (سورة ابراهيم /34)، يقف عندها كثيرا ثم يرجع إلى نفسه ليكتشف أن الله قد زوده بكل شيء في الحياة وهذا يستوجب منه أن يكون من الشاكرين لأنعمه حق الشكر، ولو شكر الله تعالى فلن يعادل شكره مقدار نعمة واحدة وهي تمكين الله تعالى له في تناول لقمة طعامه بيده أو مضغها بلسانه أو نعمة بلعها ونعمة هضمها، ونعمة تمثيلها، ونعمة توزيعها، على انحاء جسمه، ونعمة التجهيز بقدرات الاستفادة من النافع وطرد الزائد الضار والى غيرها من العمليات الحيوية التي تحدث لعملية تمثيل الغذاء ؟ 
فيشكر الله عزّوجل على كل نعمة، وعند كل نعمة، فلا تغيب عنه فرصة حيوية في الحياة إلاّ ويستفيد منها لشعوره أنه مغمور بنعم لا تُعد ولا تحصى وبهذا فيكون المؤمن متحضراً واعياً.
أما إذا تمتع الإنسان بالحياة وما فيها دون أن يشكر الله تعالى ولا يقر له بنعمه عليه، والتي توجب أن يحترم مراد الله منه في الحياة، فإنما هو بهيمة لا يستعمل نعم الله التي وهبها له في معرفته تعالى، كما قال الله تعالى: «لَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ» (سورة الاعراف /179). وهل تصنع البهيمة حضارة..؟! أو تبني مجتمعاً أو تقوم بدور تربوي.
ثالثاً: إقامة نظام الحياة 
يضع معالم نظام حياة البشر خالق البشر، وليس البشر أنفسهم، وليس الدول بقدراتها وأدمغتها المحدودة، ولا المفكر بباعه القصير.
لذلك فالمؤمن بالله، ولأنه وضع ربه نصب عينيه، هو الذي يتدبر آياته ويسبر أغوارها، فيفهم أنه مدعو إلى تطبيق نظام الحياة على الأرض في اقامة حكم القصاص، فيتأمل قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى»، (سورة البقرة /178)، لأن القصاص حكم لا يقيمه إلاّ من لديهم عقول خالصة من شوائب التمرّد على أحكام الحياة التي أرادها الله تعالى للبشر، ولذلك قال تعالى: «و لَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (سورة البقرة /179). 
وعليه فمن لم يقم حكم القصاص في الحياة لا يكون من العقلاء فحسب، بل من الجاهلين لا من المتحضرين.
رابعاً: محبٌ للسلام
السلم والسلام والاسلام، كلها مشتقات تتعلق بالامن والامان، وتدور حول المحبة والتودد والإخاء، وتشير  كلها إلى البناء لا الهدم، وداعية إلى السلام لا الحرب، ومحبة للإنسان لا منتقمة منه.
وحينما يقرأ المؤمن بالله، المُسلِّم إليه أموره كلها، قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» (سورة البقرة /208)، ويتأمله جيداً، يجد نفسه هو المخاطب أولاً وقبل أي شخص آخر، ثم يجد نفسه مسؤولاً عن اقامة السلام في الحياة، فلا يظلم ولا يحيف؛ لأنه يحب أهله (البشر) الذين يشاركهم بيتهم الصغير (الأرض)، فلا يسفك الدماء ولا ينتهك الأعراض، ولا يسلب الناس حقوقهم، ولا يتعدى الحدود. بل يقيم الحياة ويبني المجتمع ويؤسس للإنسان. ذلك هو المتحضر، وغيره الجاهل المتردّي الذي يتبع «خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ» فتدفعه نحو الانتقام من الانسان الآخر.

ارسل لصديق