العنف في المدارس.. بين الأسباب والعلاج
كتبه: سعد مغيمش الشمري
حرر في: 2014/05/05
القراءات: 2697

العنف، كمفهوم وممارسة، يُعد نقيضاً صارخاً لمفهوم التربية، فهو مدعاة لهدر الكرامة الإنسانية، لأنه يقوم على إلغاء الآخر وتصغيره والحطّ من قيمته الإنسانية التي وهبها الله، وأقرها في كتابه المجيد: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ (سورة الإسراء /70).

وبالتالي يولّد إحساساً بعدم الثقة وتدنّياً في مستوى الذات، وتكوين مفهوم سلبي تجاه الآخرين.

ومــــــــــــــــــن أخطر الافرازات والانعكاسات ما نشهده في المدارس، وتحديداً في العلاقة بين المعلم في المرحلة الابتدائية والتلميذ. فعملية الضرب بالعصا او غيرها، لا تتماشى - بأي حال من الاحوال- مع أبسط حقوق الطالب، وهي حرية التعبير عن الذات، وتؤدي الى قتل الشخصية وما فيها من بذور الابداع والاجتهاد والذكاء، وعادةً ما يتم تبرير هذا السلوك بشعار «التربية» والحفاظ على سلوك الطالب من الانحراف.

ولمعرفة خلفية هذه الظاهرة القديمة - الجديدة، والوقوف على الاسباب والعوامل، لاسيما ونحن نناقش الامر في العراق، فهذه الظاهرة لها امتدادات في عديد بلادنا الاسلامية -للأسف- ، لابد من معرفة حقيقة هامة، وهي ان الشعب العراقي مرّ بظروف اقتصادية واجتماعية، ربما تكون استثنائية في تاريخه، حيث عاش القسوة المفرطة من النظام الحاكم، يُضاف اليها سياسة التنكيل والتجويع وتسقيط الشخصية، خلال سني التسعينات المعروفة بسنوات الحصار الاقتصادي.

هذا الواقع ترافق مع ظاهرة قائمة بالأساس في المجتمع العراقي، وهي السلطة الذكورية الفائقة، الامر الذي عزز واقع العنف والقسوة في المدارس، فنرى - على سبيل المثال- أن استخدام العنف من قبل الأخ الاكبر أو الأب هو أمر مباح، بل ومسموح به في إطار المعايير العُرفية، وحسب النظرية النفسية- الاجتماعية، فإن الإنسان يكون عنيفاً عندما يتواجد في مجتمع، يعد العنف سلوكاً مباحاً ومسموحاً ومتفقاً عليه. وهذا السلوك يترك أثره على الصغير، وهو الطالب، كما يمكن ان تترك أثرها على الكبير، وهو المعلم.

وبذلك تكون المدرسة هي المصبّ - إن صحّ التعبير- لمختلف افرازات العنف والقسوة من المجتمع والأسرة. فيأتي الطلاب المٌعنّفون من قبل الأهل، وربما من المجتمع المحيط بهم، إلى المدرسة، وهم مشحونون من الناحية النفسية، فربما يكون احتكاك بسيط بينه وبين المعلم او بينه وبين زميل له في المدرسة، كافياً لأن ينفجر غضباً وعنفاً، مما يوجد حالة عدوانية داخل المدرسة، فيدفع المعلم لاتخاذ اجراءات مماثلة للسيطرة على الوضع، وكبح جماح الطفل العنيف، ربما للمحافظة على الهدوء والأمن داخل المدرسة.

وهناك من يعتقد أن اسلوب اللين وافساح المجال بشكل مفرط، ربما يشجع الطفل المتطبع اساساً على العنف وعدم الاحترام، لأن يتمادى في سلوكه المنحرف، فيستغل الحالة الجديدة، ويفرض شخصيته الشاذة وسلوكه الشائن على الجميع. بالمقابل هنالك اعتقاد آخر، بأن تشديد المعلم الوطأة على الطلاب، ورد العنف بعنف أشد، يؤكد لهم أنهم «أشرار» لا ينفع معهم إلا العصا، مما يوقع المعلم في مطب العنف والعنف المضاد، فهو ربما يختصر على نفسه الجهد والتعب، ومحاولة استيعاب الحالات النفسية المتأزمة للطلاب، وإصلاحها بالقدر الممكن، ويستعيض بذلك بالعصا والعقاب السريع.  

 

* كيفية الحد من ظاهرة العنف المدرسي

من المفترض أن تكون المدرسة إحدى عوامل التنشئة الاجتماعية، حيث يوكل إليها المجتمع مسؤولية تحقيق أهدافه، بتعليم وإعداد القدرات العلمية، وفق منهج تربوي متفق عليه، كما تنظم العادات والسلوك لدى الطالب ليسير في طريق النمو والتكامل، إلى جانب مهام التعليم والتأهيل حسب برامج نظرية وعملية معينة.

 ومن خلال المدرسة يتشكل أيضا وعي الإنسان الاجتماعي والســـــــياسي، و يكتسب التلميذ المهارات والقدرات لمزاولة نشاطه الاقتصادي، بل وأكثر من ذلك يتشكل من خلال التعليم أبرز ملامح المجتمع وتتحدد مكانته في السلم الحضاري. لذا يجب علينا نشر ثقافة التسامح ونبذ العنف، فهو الدليل الاساس على وجود القابلية للنمو والتطور.

والعراق، في الوقت الحاضر، يعيش فرصة ربما تكون استثنائية للنمو والتطور، بعد ان تجاوز حقبة الديكتاتورية والقسوة المنظمة من قبل السلطة البائدة، حيث كانت ثقافة العنف هي سيدة الموقف، وكانت مهيمنة على الطالب وأسرته، كما كانت كذلك على المعلم وبيئته ايضاً. فكنا نلاحظ من بعض المعلمين آنذاك، ممارسة الضغط على الطالب المشاكس لدفعه نحو مغادرة المدرسة والتخلص منه نهائياً. وبهذه الطريقة يكون امامه الموت الآخر وهو الخدمة الإلزامية وخوض المعارك ودخول عالم العسكر المتشدد الذي يحمل كل معاني القسوة والعنف.

تلك الفترة والحقبة، زالت وانتهت، ونحن اليوم قد دخلنا القرن الواحد والعشرين، حيث تطوي الشعوب مراحل التطور والتقدم، ليس فقط على الصعيد العلمي، انما على الصعيد الانساني ايضاً، حيث نشهد تطور «التنمية البشرية» بشكل مذهل في الدول المتقدمة، وهذا ما يدفعنا للتفكير الجدّي بفتح ورشات عمل ، وتهيئة فرص ولو بسيطة لاختبار المواهب والطاقات، هذا الى جانب إجراء لقاءات دورية مع الوالدين للتداول في أمر أساليب و وسائل التنشئة السليمة التي تركز على منح الطفل مساحة من حرية التفكير وإبداء الرأي والتركيز على الجوانب الإيجابية في شخصيته، والاتفاق على خط واحد من التعامل مع الطفل، وهو الخط الذي يحمل مفردات الاحترام المتبادل والعفو والتسامح.

بمعنى، أننا امام مسؤولية مشتركة، بين الأسرة والكادر التعليمي في المدرسة، بحيث يكون هنالك جهد مشترك واهتمام من الجميع في تربية جيل متعلم و واعد، بعيد عن أي نوع من انواع العقد النفسية. أما اذا حصل نوع من التصرف الشاذ، لاسيما من قبل المعلم أزاء التلميذ، فان المعالجة يجب ان تكون بالتأني والهدوء، وعدم الاسترسال في التهجم واطلاق الاحكام السريعة، وهذا ما يحصل دائماً عندما يتم تسريب مقاطع فيديو لحالات ضرب عنيفة داخل المدرسة، كان آخرها مقطع ذلك المعلم الذي يضرب عدداً من الطلاب الواحد بعد الآخر، بشكل قاس وعنيف، وقد أثار المقطع المنشور على صفحات التواصل الاجتماعي، ردود افعال عنيفة بالمقابل. في كل الاحوال، عندما يشاهد الطفل هكذا اسلوب من المعلم، فانه قطعاً سيفقد مشاعره الايجابية أزاء المعلم، ويعده العدو اللدود والشخص المنتقم، وليس كما يصوره له البعض بأنه الاب الاصغر له.

وبغض النظر عن المكان او البلد الذي حصلت فيه هذه الحادثة المريعة وهي لن تكون الاخيرة، فان المطلوب معالجة الموضوع بعيداً عن ردود الفعل واستباق الامور، واطلاق الاحكام الشديدة، التي من شأنه تعقيد الوضع اكثر، فحتى بعض المعلمين الذين يرون في المقطع عنفاً مفرطاً ووحشياً، فانهم يبررون ذلك بالحالة المزرية التي يواجهونها من الطلاب وأنماط تربيتهم ، وكذلك وضع المدرسة، والعدد الكبير الذي يضمه الصف الواحد، ليصل احياناً الى اربعين طالباً، مما يجعل سيطرة المعلم عملية صعبة وتدفعه لاتخاذ اجراءات انفعالية. ولو أن هذا التبرير لن يكون مقبولاً بأي حال، فحتى لو ارتكب الطالب الصغير عملاً مشيناً مثل التدخين او تداول صور مخلّة بالآداب العامة، اضافة الى السلوك العدواني بين التلاميذ، فمن السهل جداً استدعاء الوالدين لاصطحاب ابنهما ليغادر المدرسة نهائياً وينتهي كل شيء بهدوء.

ان عدم وضوح القوانين التي تحدد طريقة تعامل المعلم مع الطالب، تجعل الطالب في حيرة من أمره، فلا يعرف حقوقه ولا واجباته، الى جانب مشاكل المباني وزحمة التلاميذ في الصف الصغير، و غيرها، تشكل حزمة من العوامل المؤدية الى بروز حالات العنف في المدارس.


ارسل لصديق