شهر رمضان وفرصة الشباب لمواجهة التحديات المعاصرة
كتبه: سعد مغيمش الشمري
حرر في: 2015/07/26
القراءات: 930

عندما نتحدث عن الشباب إنما نتحدث عن أمل الأمة ومستقبلها، وذلك لان فترة الشباب هي أكثر فترات عمر الانسان حيوية، مما يضع الكبار أمام الواجب الديني والاخلاقي لرعاية وحماية هذه الشريحة من مخاطر الانحراف والضياع، وبخاصة في وقتنا الحاضر حيث سرعة التطور في تقنية الاتصال التي تنطوي على فائدة أكيدة، كما تنطوي على سلبيات كثيرة في الوقت نفسه، مما يجعله - مع جملة عوامل اخرى- من مرديات الشباب وعوامل سقوطهم في المهاوي والمهالك.

والى جانب وسائل الاتصال والتواصل المجانية حول العالم. فان الشباب معرّض دائماً للأفكار والعادات المستوردة من هنا وهناك، ونظراً إلى أن مرحلة الشباب وقبلها المراهقة، تمثل مرحلة نضوج واستقبال ذهني سريع، وهم يعيشون فترة أطول من متوسطي العمر والمسنين، فان أي جديد من عالم النت والفضائيات الى جانب الافكار المنتشرة هنا وهناك، تلقى ترحيباً سريعاً وتفاعلاً من لدن الكثير من ابناء الشريحة. 

إن الحديث عن الشباب في شهر رمضان المبارك، يثير مسألة الوقت والعمر الذي يبذله الانسان في حياته، وفي أي اتجاه...؟ وما النتيجة من ورائه؟ ونحن نعيش هذه الايام المباركة، نقرأ أن رسول الله، صلى الله عليه وآله. كان يدعو الله ان يطيل عمره ليصوم شهر رمضان المبارك. فهل تساءلنا عن السبب الذي يجعل الرسول الاكرم، بعظمته يطلب من الله -عزّ وجل- بأن يطيل عمره من اجل العبادة؟

من جملة الاسباب؛ أن يكون الانسان أقرب من الله -تعالى- في هذا الشهر الكريم،  ولان الصوم مدرسة لتربية المسلم إيمانياً وروحياً، حيث يجد الفرصة في تربية النفس على التقوى والمراقبة والمراجعة والمحاسبة. قال - تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. (سورة البقرة، الآية: 183)

ولكن المؤسف -حقاً- ما نراه من حالة فراغ كبيرة في نفوس شريحة الشباب - على الاغلب طبعاً- بحيث يجدون ضالتهم في القنوات الفضائية، وما تقدمه من مسلسلات وبرامج هدفها اللهو وقتل الوقت بالإثارات المحرمة والفاحشة. ولو كان لهولاء المكان المناسب الذي يؤويهم، لكان الحال ليس على ما هو عليه اليوم، فاذا كانت هنالك القنوات الضالة والمفسدة، فان هنالك قنوات فضائية تضخ القيم الفاضلة، وتقدم برامج بناءة وجميلة، من شأنها جمع الناس على الخير والمحبة والتكافل، وقراءة القرآن الكريم، والدعوة الى صلة الارحام وحسن الجوار، وغيرها من المفاهيم والقيم الاجتماعية الحضارية، تطبيقاً لقوله - سبحانه-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. (سورة المائدة، الآية:2)

ونحن هنا نحاول من خلال هذه السطور، تسليط الضوء على موضوع التحديات المعاصرة التي يواجهها الشباب، بالنظر الى تكوينهم البايلوجي والسيكولوجي المختلف عما هو عليه في الشرائح العمرية الاخرى. مما يتعين على جميع الشرائح الاخرى والمعنيين التوجه لمعالجة الاسباب والعوامل التي تؤدي بالشباب الى الانحراف والضياع، ولكي يتسنّى للقارئ أخذ الحيطة منها والحذر، حيث ان ما يحصل من انحراف لدى بعض الشباب، ليس مردّه الى إشكال في تكوينهم، فهم مفطورون على طيبة النفس، إنما هنالك عوامل خارجية تترك أثرها السلبي على سلوكهم، في مقدمتها الأسرة والاوضاع التي تعيشها من تشتت وانحلال الرابطة العائلية، وايضاً المحيط الاجتماعي وبعض وسائل الاعلام، لذا نجد أن البعض من الشباب يقوم بتصرفات مخالفة للقيم الدينية والاعراف الاجتماعية، وينزع نحو التمرد على المجتمع و الأسرة والقيم، لكن قبل هذا يجب ان نعرف أن الشاب او الفتاة، لم يولدوا منحرفين، إنما المشكلة في عدم وجود من يعلمهم او يقوّم سلوكهم سواء من الاسرة أو المجتمع مما سهّل اتجاههم نحو الانحراف، ومن ابرز العوامل التي يمكن ان تسهم في انزلاق الشباب نحو مهاوي الانحراف.

 

  أولاً: المشاكل الاسرية

تُعد الاسرة اول وأهم عامل في تنشئة الشاب من خلال البيئة النظيفة والاجواء النفسية المستقرة، وما تقدمه لأبنائها من فرص النمو والتجارب والخبرات، وفق اساليب تربوية ناجحة. بيد أن غياب الاب -مثلاً- وبصفة دائمة او عدم قيامه بدوره المطلوب، كربّ أسرة، أو ممارسته العنف الجسدي واللفظي مع افراد اسرته، وغيرها من السلوكيات غير الصحيحة، كلها عوامل تسهم في انحراف الاولاد، كما أن كثيراً من الآباء يقضون ساعات الليل والنهار بمعزل عن ابنائهم، دون ان يشعروا بالمسؤولية ولا يقدروا المسؤولية إلا بعد اكتشاف حالات الانحراف لدى ابنائهم.

ولا يقل دور الأم في الاسرة أهمية عن دور الأب؛ فالأم هي الركن الآخر في الاسرة وبخاصة في فترة غياب الأب، فهي الأكثر تواجداً في البيت، فبعض الأمهات، يبحثن عن الأعذار لأبنائهنّ في اخطائهم، او يتسترّنَ على افعالهم، ظناً منهنّ أنهن يبعدن العقوبة عنهم ويحافظن على مشاعرهم، في حين الأصحّ ان تكون الأم واضحة وصريحة مع الأب في نقل سلوك الابناء وما يقومون به خلال اليوم، دون ان يشعروا بذلك، وبخاصة ما يتعلق بالاستخدام غير الصحيح للهاتف النقال المزود بتغطية الانترنت. كما يجب على الأم التأكيد على الحجاب الاسلامي وعدم التشجيع على التسيّب والتحلل لأي سبب كان.

إن انحراف اغلب الشباب نابع من عدم صياغة شخصيتهم بصورة سليمة وبخاصة في الفترات العمرية الاولى، فمتابعة أوضاع الشباب يجب أن لا تقتصر بالضرورة على مستواه الدراسي فحسب، بل متابعة سلوكه وأخلاقه أيضاً، وفي حالة وجود سلوك منحرف ينبغي العمل على ازالته، بعد تشخيص الانحرافات في شخصيتهم ومن ثم دراسة الأسباب التي دعته الى اتباع هذا  السلوك، وبعدها دراسة الطرق الكفيلة بمعالجة هذا السلوك  وإستبداله بآخر صحيح، حتى لا يتحول هذا السلوك وصاحبه، نموذجاً قابلاً للانتشار بين سائر الشباب.

 

  ثانياً: اصحاب السوء

ان وجود العناصر السيئة في المجتمع والتي تحمل عادات وسلوكيات منحرفة، تشكل، في كثير من الاحيان، ما يشبه الشرك الذي يوقع بالشباب والفتيان، من خلال ممارسة بعض الاعمال التي لا يظهر منها السوء بدايةً؛ مثل لعب «المحيبس» المعروفة في العراق، في ليالي شهر رمضان المبارك، او ارتياد بعض المقاهي و»كافه نت» وحتى صالات الالعاب مثل «البليارد» وغيرها، وهي تكون دائماً بؤراً لانتشار مختلف انواع السلوكيات الخاطئة والبعيدة عن القيم الاجتماعية والاخلاقية، وتبعد الشاب عن ذاته وشخصيته الحقيقية، فيكون غير مهتم سوى بقضاء الوقت وسط اجواء المرح الكاذب والمصطنع. وهذا ينجح عندما يكون أفراد الأسرة من الأب والأخ الكبير بعيدين عن الشباب، او مشغولين في اعمالهم وتجارتهم، وهكذا اعمال وتجارة لا يبارك الله فيها اذا كان وراءها الحاق العار والخدش بسمعة الاسرة وضياع لشخصية الانسان.

 

  ثالثاً: الفضائيات والنت

ان وسائل الإعلام، وتحديداً بعض القنوات الفضائية، تُعد احدى ابرز عوامل الانحراف لدى الشباب التي تدفعهم الى اتباع سلوك وعادات الشاشة الصغيرة التي تقدم للشباب مشاهد العنف والجريمة والخيانة، وكل اشكال الرذيلة والانحراف في السلوك الانساني. ونحن امام هذا المد الاعلامي والثقافي الاجنبي، ينبغي تحصين الابناء ومنعهم من متابعة مثل هذه الاعمال التلفزيونية المشبوهة، وكذلك مراقبة الافلام التي تثير الغرائز والشهوات التي لا تنتمي الى الذوق العام والنسيج الاجتماعي، في الوقت ذاته علينا تشجيعهم على تعلم الاحكام الدينية والاعمال الحسنة، وحثّهم على المطالعة العامة والمفيدة، الى جانب الاجتهاد في الدراسة وتنمية مواهبهم وقدراتهم، وتكريس مفاهيم الحب والتسامح، بدلاً عن الكراهية والعنف. وهذه مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الأب والأم.

كل هذه العوامل تسهم في انحراف الشباب، لكن في نفس الوقت بالامكان معالجتها وتقويمها بالشكل الذي تكون في خدمة هذه الشريحة المتفاعلة والطموحة. فالتثقيف الأسري له الدور في صياغة شخصية الافراد، ومن ثم المجتمع الذي ينبغي ان يخلو من المظاهر الاجتماعية المنحرفة، فضلاً عن دور الدولة في منع التجاهر بالفسق والفجور بأي شكل من الاشكال، لكي يتخرج لدينا جيل حامل للقيم الانسانية، مدافع عن تاريخ وهوية بلده وشعبه.


ارسل لصديق