«صحة» المجتمع وفيروس «الاستبداد»
كتبه: نعمان التميمي
حرر في: 2014/05/11
القراءات: 762

كشفت دراسة أسبانية بمعهد اتحاد العمال والبيئة والصحة فى مدريد و نشرتها مجلة «الصحة العامة» الاسكندينافية، عن أن عدم إصغاء رئيس العمل «المستبدّ» إلى موظفيه قد يسبب لهم بعض الأمراض، مما يزيد بالتالي نفقات علاجهم الطبية. وأوضحت الباحثة «كلارا لورينز سيرانو» التي أشرفت على الدراسة أن الطريقة غير الملائمة للعمل قد تسبب للموظف أمراض القلب وتؤذي صحته النفسية. وأظهرت نتائج الدراسة التي أجريت على (7621) موظفاً أن النفقات الطبية تتقلص إذا ساد العمل جوّ أكثر ديمقراطية يتيح للموظفين تعلم مهارات جديدة ويضمن أمنهم الوظيفي واستمرار تلقيهم لرواتبهم. ونوهت الدراسة إلى ضرورة التنسيق والعمل ضمن فريق واحد، لأن جو العمل الذي تسوده الشراكة يتيح للموظف التأثير في عمله ويشعره بأن ما يقوم به له معنى.

اذا كان عدم مراعاة رئيس العمل «المستبدّ» لموظفيه وعدم الاصغاء اليهم ، وفقدان الشعور بروح الشراكة والفريق الواحد، يسبب لهم الأمراض، ويؤذي صحتهم النفسية، بحسب هذه الدراسة، فما بالك اذا كان عدم الاصغاء والمراعاة، و الاستبداد من قبل «الحاكم» و»كبار المسؤولين» على شعب في بلد ما ؟!، و أي كارثة صحية ونفسية تحل بذلك الشعب ؟!

وحتى لا نذهب بعيداً عن محيطنا، نتساءل: ترى أي أثر نفسي وصحي تركه نظام الدكتاتورية و القمع والتهميش على الشعب العراقي طوال ثلاثة عقود من الزمن.. بل وطوال قرون ؟!

واليوم أيضا، يمكننا أن نسأل ولكن بصيغة اخرى: ترى هل يراعي ويصغي الحكام والمسؤولون في بلادنا الى شعبهم ومن انتخبهم، ويطمعون في انتخابه لهم نهاية الشهر؟ وكم لدينا في سدة السلطة والحكم  ممن هو «مستبد» في رأيه او سلوكه وثقافته؟ وكم يا ترى عدد من لدينا من «النواب» وليس «النوائب» ؟

وهكذا تساؤلات لن تقتصر بالطبع على «الساسة» بل تتعداهم ، لتصل في مجتمعنا الى علاقات ومحيط الاسرة؛ الآباء والامهات، الازواج فيما بينهما، الاخوة والاخوات، بين الكبير والصغير، بين المعلمين والاساتذة وطلابهم، بين الغني والفقير، والرئيس والمرؤوس في دوائرنا المختلفة، بين رب العمل والعامل، والقائمة تطول.. وبتساؤل عام وشامل، للجميع ، سياسياً، واجتماعياً وتربوياً، واقتصادياً: هل يوجد لدينا تنسيق وإحساس ملموس وواقعي بجو و روح الشراكة و الفريق الواحد في العمل والحياة ؟ وهل فعلاً يسود جو التعاون والتفهم وروح الديمقراطية الحقيقي والمثمر ؟، ليضمن ليس فقط ـ كما تقول الدراسة ـ الأمن الوظيفي للموظفين واستمرار تلقيهم لرواتبهم ـ بل الاطمئنان والأمن المجتمعي عموما، سياسيا واجتماعيا ومعاشيا ونفسيا واقتصاديا.

إن ثقافة الاستبداد والاستئثار ، ثقافة «أنا الصادح المحكي والآخر الصدى» و «إذا مت ظمآناً فلا نزل القَطر»، ثقافة التدابر والتعالي و «الأنا». هي بحد ذاتها ثقافة مريضة، دكتاتورية، فما بالك بالنتيجة المرجوة منها، وهي بكل تأكيد ثقافة قاتلة مدمرة ومفككة للمجتمعات والدول، وقد عانينا منها كثيرا، وحصدنا نتائجها المرة التي لا نزال نتخبط فيها، وليس أمامنا من سبيل سوى العمل على اقتلاع جذورها من نفوسنا ومن تربة مجتمعنا على كافة المستويات، وعدم السماح بعودتها ونموها وانتشارها. وهي بالطبع مهمة شاقة، وتتطلب من الجميع الوعي وتحمل المسؤولية تجاهها. ولنحافظ على «صحة» مجتمعنا من فيروس «الاستبداد».


ارسل لصديق