التعددية في عهد الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله.. نسيج اجتماعي متقدّم
كتبه: سماحة السيد محمود الموسوي
حرر في: 2014/06/05
القراءات: 1040

لا ينبغي أن نشك لحظة واحدة في أصالة مبدأ الوحدة الإسلامية ومدى فاعليته في تركيز قوة المسلمين، و في تعبيره عن تماسكهم، ليكونوا «كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمّى»، يقول الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، وهو المبدأ المتخذ من آية الوحدة في قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}. (سورة الانبياء /92)

ولكننا في إطار الحديث عن الوحدة، لا ينبغي أن نغفل حالة التعدد، ومدى فاعليتها في نماء المجتمع و رفاهه، إذ قد يلتبس على البعض مفهوم التعدد، بحالة الفرقة و التشرذم في المجتمع، وشتان بين هذين المفهومين. وعند دراستنا لحياة الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، الذي جاء قدوة للمؤمنين، لنسلط الضوء على التعددية وكيف كانت تنزل للتطبيق في الواقع الخارجي، فإننا سنخرج بمفهوم إيجابي للتعددية، بل وسنراها متمّمة للمشاريع الوحدوية، حيث تجعل من المجتمع الإسلامي نسيجاً يرقى بمشاريعه الإصلاحية وبمؤسساته التنموية، و داعماً أساسياً لكل أعمال الخير والصلاح.

ولبيان أبعاد التعددية ودلالاتها وطرق تفعيلها في المجتمع الإسلامي، وكيفية دعمها لمبدأ الوحدة الإيمانية، لابد أن ندرس تناول الرسول ،صلى الله عليه وآله، لها وطرق تعامله معها.

لقد كانت الحالة السائدة في المجتمع العربي قبل الإسلام، هي حالة التعدد القبلي الذي يستمد قوته من القبيلة والنسب فيما بين أفراد القبيلة الواحدة، حيث كانت من القبائل المعروفة في المدينة المنورة على سبيل المثال، قبيلة «بني عوف» و»بني ساعدة» و «بني النجار» وغيرهم، وعندما دخل الرسول ،صلى الله عليه وآله، المدينة مهاجراً إليها لم يلغ هذه الحالة من التعدد، وإنما نظمها وجعل لكل قبيلة حقوقاً تؤديها، وواجبات تلتزمها، حتى أن التاريخ ينقل لنا أن الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، جاء للتقسيم الحاصل في المدينة على أساس قبلي و التي كانت فيه القبائل موزعة إلى نواحٍ وقصبات، حيث كانت كل قبيلة تعيش لوحدها بعيدة عن القبائل الأخرى، فجعل ،صلى الله عليه وآله، لكل قبيلة نقيباً مسؤولاً ومشرفاً على قبيلته وممثلاً لها في تجمع يضم كل نقباء القبائل، وجعل عليهم نقيباً، سمي نقيب النقباء.

واستفاد الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، من حالة التعدد هذه في إشاعة روح المسؤولية لدى القبائل العربية، في تصرفاتهم وعلاقاتهم بالقبائل الأخرى، كما استفاد من جهة أخرى من حالة التنظيم بينها في التعاون على البر والتقوى فيما بينها عبر التنسيق بين النقباء في حالات الحرب والسلم وغيرها. وقد كانت حالة الاستفادة من هذا التعدد والإبقاء عليه مع إشاعة المسؤولية و روح التعاون، واضحة في العهد والميثاق الذي كتبه الرسول ،صلى الله عليه وآله، أول قدومه إلى المدينة المنورة، وأرسى بنوده التي تدلل على ذلك التنظيم، ومن البنود مثلاً: «بنو عوف على ربعتهم، يتعاملون معاملتهم الأولى، وكل طائفة تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.. و بنو ساعدة على ربعتهم يتعاملون معاملتهم الأولى، وكل طائفة تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين..» وهكذا إلى آخر العهد.

وقد نشأ نوع آخر من التعدد، غير التعدد القبلي الذي جعله الرسول يصبّ في مصبّ الوحدة الإيمانية، وذلك النوع نشأ من طبيعة الحركة الإسلامية للرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، ضد الكفار، ومن مخاض حركة تبليغ الرسالة المحمدية، حيث هاجرت فئة من المسلمين في سبيل الله مع الرسول، مخلفين وراءهم كل ما يملكون، من مكة إلى المدينة وسمّوا بالمهاجرين، والقسم الآخر سموا بالأنصار لنصرتهم الرسول ،صلى الله عليه وآله، وقسم ثالث هم التابعون بإحسان الذين دخلوا الإسلام بعد الهجرة. فتعامل الرسول بحكمته العظيمة مع هذا النوع من التعدد لا بإلغائه و إزالة التسميات والمميزات، بل عمد إلى المؤاخاة، حيث يقول ربنا عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، والمؤاخاة إنما هي لبيان الجامع المشترك والتوحّد على الهدف الذي ينطلقون لأجله فتصب كل جهودهم على اختلافها وتنوعها في مصب واحد، هو؛ الإيمان بالله تعالى. وتعامل الرسول ،صلى الله عليه وآله، مع هذه التعددية بقبول و رضا، ووظفها لصالح تنمية المجتمع وتبليغ الرسالة بكل حكمة، فنظم الوضع الاجتماعي للمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ووضع للمهاجرين بنداً في عهد المدينة وهم الوافدون عليها، كما وضع للأنصار وقبائلهم، وجاء الذكر الحكيم بالآيات البيّنات لتعزّز ذلك وتنظّم الوضع الاجتماعي للمهاجرين مع حفظ التسميات والأدوار إذ قال تعالى في (سورة الحشر): {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}.

فهذه الآية تحكي تنظيم العلاقة الاجتماعية والإيمانية بين الفئات الثلاث، ولم تأت لإلغائها، فليست حالة التنوع في المجتمع وتعدد الجماعات والأحزاب هي الحالة السلبية، إنما الحالة السلبية هي الابتعاد عن مبدأ الأخوة الإيمانية الذي ينظم العلاقة فيما بين الفئات المتعددة الذي يسبب بدوره مشكلة التنازع والتفرق، فتذهب ريح المجتمع الإسلامي الذي أراده الرسول، صلى الله عليه وآله، فيتراكم فشل على فشل، قال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}.

بل إن الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، استفاد من هذا النوع من التعدد حتى في توزيعه لمهام الرسالة، فعندما حاصر الكفار المدينة اقتصادياً لئلاّ تصل البضائع والمُؤن للمسلمين، أمر الرسول بالمراقبة لحركة القوافل، وفي هذه المهمة وزّع الرسول المهمة بين المهاجرين والأنصار، فكان لكل منهم يوم يراقبون فيه القوافل، فكان هذا دليلاً على قبول التعدد والاستفادة منه في مجال العمل الإسلامي. وهنالك نوع ثالث من التعددية، وهو النوع الذي أسّسه الرسول الأعظم ،صلى الله عليه وآله، في المجتمع الإسلامي أثناء بنائه من الداخل وأثناء تبليغ الرسالة إلى الخارج، فعمد ،صلى الله عليه وآله، إلى تكوين مجموعات مختلفة، و وزع لكل منها مهمة تقوم بها في سبيل بناء المجتمع، وذلك لاستيعاب العمل على كافّة مستوياته من جهة، ولإنجاز المهام بإتقان عبر التخصّص من جهة أخرى، فتكوّنت مجموعة القادة العسكريين الذين خاضوا الحروب وواجهوا حملات الهجوم من قبل الأعداء، ومجموعة التبليغ خارج حدود المدينة، فكانت تذهب السرايا لإيصال الدعوة المحمدية إلى الآفاق الأخرى، ومجموعة أخرى مكونة من المعلّمين الذين يعلّمون الناس الكتابة والقراءة والقرآن.

وبهذا التقسيم استطاع الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، أن يحقّق نهضة في المجتمع لم يسبق لها مثيل على وجه الأرض. ففي فترة وجيزة برز قادة الحروب البارعون أمثال الإمام علي، عليه السلام، وأخوه جعفر، ومن المعلّمين حتى للغات الأخرى، برز عبد الله بن سعيد، وعبادة ابن صامت، اللذان علّما أهل المدينة، ومن المتفقهين برز ايضاً الإمام علي، عليه السلام، وعبد الله بن عباس، ومن قادة السرايا مصعب بن عمير، وغيرهم الكثير. ومنهم من جمع أكثر من تخصص حسب قدراته و مهاراته، فكان في الطليعة الإمام علي، عليه السلام،الذي كان أفقههم وأشجعهم وأحكمهم.

هذه الحالة من التعدد، هي التي أسهمت في بناء المجتمع الاسلامي، ففي الوقت الذي كانت تذهب السرايا للتبليغ خارج المدينة، يلتف المسلمون حول المعلمين لتلقّي العلوم، وكان يجمعهم هدف واحد وهو إيصال الرسالة الإسلامية إلى العالم.

وبفضل عبقرية الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، وحكمته في تطويع حالة التعددية و الاستفادة منها في البناء، وجعله منها نسيجاً متماسكاً ومتكاملاً، استطاع، صلى الله عليه وآله، أن يحقق به نهضة حضارية شامخة في زمن قياسي لم يكن له نظير.

قال الله تعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. (سورة الحجرات/ 13).


ارسل لصديق