التبرّج يفضح الأسرة والمجتمع
كتبه: سعد مغيمش الشمري
حرر في: 2014/09/13
القراءات: 1215

الالتزام الديني بالحجاب لدى نسائنا وفتياتنا، أمرٌ يبدو مفروغ منه وبديهي، فمن النادر ان تجد حالة او اكثر ممن تجاهر بالسفور وإنكار فريضة الحجاب خارج حدود البيت، نظراً الى أن مجتمعاتنا، لاسيما المجتمعات القريبة من مصادر الثقافة والتوعية الدينية، مثل الحوزات العلمية والخطباء وعلماء الدين، كالمجتمع العراقي، حيث نرى القليل ممن يماري في أصل المبدأ وأن الحجاب والستر وارد في القرآن الكريم، وأول من نزلت الآية بهنّ، نساء النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله.

بيد أن المشكلة تحصل في كيفية الالتزام والطريق الى ذلك.. وربما يصنفها البعض في خانة الاجتهادات من حيث نمط الحجاب وشكله الخارجي، الامر الذي يفتح الطريق امام البعض - ونقول البعض - من النسوة والفتيات لأن يبحثن عن الاسهل من الانماط والاشكال على سبيل الراحة والسرعة وربما تماشياً مع «الموضة».

هذا المنحى الاجتهادي لدى البعض من نسائنا، ربما يتحول الى منزلقات نحو الانحراف، دون ارادة من بنات حواء.

أو من طيبة سريرة ونوايا سليمة، بيد ان العبرة بالنتائج - كما يقال- وهي ظهور حالات من الميوعة والتحلل الخلقي في الاماكن العامة، من اسواق وطرقات وحدائق وحتى المراكز التعليمية، وفي كل مكان. 

 

* استيراد النمط .. البداية

الثورة في تقنية وسائل الاتصال والاعلام المرئي، وسهولة افتتاح القنوات الفضائية باسهل من اصدار صحيفة او مجلة صغيرة، فتح امام الناس ابواب التعرّف على الانماط والثقافات والتجارب عبر العالم، وهو أمرٌ حسن قطعاً، لكن هل جميع هذه الانماط والثقافات مناسبة لجميع الشعوب، لاسيما الشعب العراقي..؟ ما نلاحظه - مع الاسف- تركيز الناس على الامور المثيرة والجذابة، رغم وجود الضرر فيها، وتجاهل المفيد منها.

البعض يتصور أنه اذا كانت مسألة ارتداء الحجاب، قضية انسانية وخاضعة للنقاش والتحاور حول الشكل والنمط، فان حقيقة الحكم (الحجاب) نفسه، تُعد نسبية وقابلة للنقاش ايضاً، مع «تعدد زوايا النظر إليها وحرية الاختيار..»، مما يهدد العادات والتقاليد لدينا "يعرّضها" لسهام الثقافة الغربية التي من شأنها ان تخرجنا عن دائرة الإسلام والدين، و اسرع شريحة بهذه النظرة وطريقة التفكير، الفتيات الصغيرات اللاتي يتقدمن نحو سن البلوغ الشرعي ثم مرحلة المراهقة، فتأخذهن الرياح العاتية من خلال الشاشة الصغيرة وما فيها من انماط وعادات غربية، فيبدأن بالمنافسة على اقتناء ملابس معينة او حتى استخدام انواع من الزينة وطلاء الوجه بالاصباغ والالوان...

وهنالك فكرة يتم الترويج لها بان الظاهر ليس بالضرورة يكون دليلاً على سلامة القلب والايمان، وعلامة على التقوى والورع عن محارم الله، إنما الفطرة السليمة والسلوك الحسن يغنيان عن الكثير من ظاهر الحجاب والالتزامات الدينية، مثل عدم الاختلاط الزائد مع الرجال او المحادثة معهم خارج المألوف وحتى المفاكهة.

وهذا القول يناقض بعضه بعضاً، لأن القلب إذا صلح والنفس اذا تزكّت لا محالة تنعكس على السلوك وفق ما أمر الله تعالى شأنه، ولا محالة أن تخضع جوارح الانسان لنداء الباطن، وتنقاد أعضاؤه لامتثال أوامر الله والاجتناب عن نواهيه، ولا يجتمع صفاء الباطن وطهارة القلب مع الإصرار على المعصية صغيرة كانت أو كبيرة، وبسبب ضعف كثير من الرجال وتهاونهم للقيام بمسؤولياتهم تجاه نسائهم وترك الامور لهن على الغارب، حتى إنك لترى المرأة الشابة تذهب من بيتها إلى أي مكان تريد دون أن تتعرض للسؤال، وكذلك عدم السؤال عن الملبس وعن العطور الفواحة الى مسافات بعيدة التي تثير النفوس وتحرك النزعات الشيطانية شئنا أم أبينا.

 

* التبرّج و مبرراته

وهنالك مقولة: أن التبرّج أمر عادي، ليس بالضرورة انه مثير للشهوة الجنسية..

وهذا تبرير آخر لا أساس له في الواقع، وعند العقل والمنطق.

ولا أدلّ على أن من البديهي والطبيعي ازدياد رغبة الرجال في زوجاتهم كلما تزيَّنَّ وتجمَّلن أكثر، بل ان الاسلام يأمر المرأة بالزينة والظهور بشكل مثير وجذاب للزوج داخل البيت لما فيه من اشباع واستقرار للغريزة الجنسية بالشكل الصحيح وفي الطريق المستقيم.

وإليكم شهادة من طبيب يكذِّب الادعاء القائل بأن التبرُّج أمر عادي، لا إثارة فيه، اذ يقول: «ان الله تعالى أودَع الشبق الجنسي في النفس البشرية وهي سرٌ من أسراره، وحكمة من روائع حِكَمه جلَّ شأنه، وجعل الممارسة الجنسية من أعظم ما نزع إليه العقل والنفس والروح، وهي مطلب روحي وبدني، ولو أن رجلاً مرت عليه امرأة حاسرة و سافرة تحمل قدراً من الجمال والجاذبية، ثم لم تجذب شخصاً ما وتستهويه، فان الطب يحكم عليه بأنه غير سويٍّ، ويحمل خللاً في الغريزة الجنسية، بل ونقصان الرغبة الجنسية - في عُرف الطب- وهو مرض يستوجب العلاج والتداوي، ناهيكم عن انعدام الرغبة تماماً، وهذا بدوره مرض عضال.

وهنالك تبرير وتسويغ للتبرَّج يسعى اليه البعض - مع الاسف- مفاده أن ظهور الفتاة بالمظهر الجذاب والجميل، يفتح امامها طريق الزواج وبشكل أسرع مما لو تجلس في البيت بين اربع جدران وتنتظر «النصيب»..! كما في السابق.

وهذا بحد ذاته يمثل انتهاكاً لكرامة الفتاة ومنزلتها الاجتماعية، فهي تبقى فتاة مصونة كريمة وذات قيمة عالية بوجودها في البيت، بين أبويها وافراد اسرتها، وما الضير في ذلك..؟ وهل يكون في ظنّ البعض تغيير وجهة القسمة والقدر الذي يقدره الله تعالى للفتاة، ويعرضها للزواج قبل ان تتقدم في السن..؟!

ثم لنفترض تحقق المطلوب وجذب الوجه الحسن المزين بالاصباغ والالوان والعطور ذلك الشاب وتم الزواج، فمن الذي يضمن عدم تأثر هذا الشاب، بما لديه من غريزة جنسية لن تزول وتذوب بالزواج قطعاً، بفتاة أخرى في نفس طريق زوجته، وهي تبحث عن زوج بمظهرها الجذاب..؟ وهذا تحديداً يفسر حالات الخيانة الزوجية التي ترتفع بشكل مذهل في بعض البلاد الاسلامية، فيما ترتفع في البعض الآخر حالات الطلاق وانهيار العلاقة الزوجية بعد فترة وجيزة من الزواج، ربما لا تتعدى السنة او اكثر.

من هنا، على الفتاة ان تعرف حقيقة السعادة التي تبحث عنها عبر الزواج، بانها لن تأتي من خلال العطور والظاهر الجميل والكلام المعسول او أي وسيلة جذب اخرى، لان الذي يتزوج عبر هذا الطريق، ربما يكرر التجربة مع أخرى اكثر جمالاً وجاذبية.

بل حتى مع افتراض استمرار الحياة الزوجية، فان الرجل الذي اعتاد منذ البداية على الجذب والاثارة، فانه لن يكون مستعداً لاستقبال التغيير مع تقادم السنين وحصول التغيير على جسم المرأة، وهو أمر طبيعي، بسبب الحمل و الارهاق من عمل البيت.

وعندما عرفنا ان التبرّج والتمظهر للجذب والاستهواء في الشوارع والاماكن العامة يسفر عن ارباك كبير في التوجه النفسي للرجال، سنعرف ايضاً حجم الاضرار والمخاطر الجسيمة لهذه الظاهرة - إن استفحلت- في تمزيق أواصر العلاقات الزوجية النظيفة، وهدم الديار، فضلاً عن أنه يجلب على أهله الخزي والعار. فكم أوقع من فتنة وكم جَرَّ من مصيبة وكم فرّق بين الأحبة ، كم دنّس من شرف وأوقع في فتنة وأزمات معقدة. من هنا جاءت التحذيرات المشددة من المعصومين، عليهم السلام، من مغبة التهاون في أمر الحجاب، واستسهال حالة التبرّج للفتيات وحتى النسوة في اعمار كبيرة. وقد وردت احاديث كثير عن الأئمة المعصومين، وايضاً عن الصديقة الطاهرة، صلوات الله عليهم، تؤكد على طهارة القلب من شوائب النظر والميول المحرمة، وقد أعطت الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء، عليها السلام، الحد الأقصى للحجاب والستر الذي يضمن سلامة المرأة من الجوانب كافة، عندما سُئلت عما هو خير للمرأة قالت: «أن لا ترى الرجل ولا يراها الرجل». وهي مسألة بالتأكيد من باب الطموح في النسبة الاعلى للحجاب، وليس بالضرورة ان يتحقق بالكامل، لاسيما وان هنالك حالات استثنائية ربما تواجه المرأة، كما حصل مع السيدة الزهراء، عليها السلام، عندما خرجت الى مسجد ابيها رسول الله، وخطبت تلك الخطبة اللاهبة والمعروفة، كما وخرجت مع أمير المؤمنين، عليهما السلام، تطالب بحقها في «فدك».

وعليه؛ فاذا كنا ندّعي حب الله ورسوله  وأهل بيته، صلوات الله عليهم، واننا على نهج الزهراء، عليها السلام، ولا نفعل ما يغضبها ويناقض سيرتها، علينا ان نحذر من كل انواع الانزلاق التي ربما تواجهنا على حين غفلة، ونعتصم بالقرآن الكريم، والسيرة العطرة والطاهرة للمعصومين، عليهم السلام، ثم نحكّم العقل والمنطق في سلوكنا وتصرفاتنا حتى نحقق ما يمكن من السعادة والهناء.


ارسل لصديق