شهر رمضان.. فرصة للوقاية لضمان السلامة النفسية والاجتماعية والسياسية
كتبه: نعمان التميمي
حرر في: 2012/08/13
القراءات: 1305

من جملة الروائع القرآنية، حديث الله تبـارك وتعالى عن العلماء الربانيين، الذي تتوالى صفاتهم في قوله عز وجل: [أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ اُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ اُولُوا الاَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ] (الرعد / 19 - 20). ثم يذكر لهم صفات أخرى الى أن يقول: [وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ اُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ] (الرعد / 22). وهـذه الصفة وغيرها، التي جاءت ضمن السيـاق، لا يستطيع مجرد من بلغ الإيمان أن يجسدها في شخصيتـه، وإنما هـي مختصة بمن هـو أرقــى درجـة؛ أو من بلغ به العلم الى إدراك الحقائق على وجهها الأصيل، من خلال وعي المفاهيم القرآنية وعياً بإمكانه تطبيقه على حركاته وسكناته.
لهذه الصفة الربانية أبعاد مختلفة في حياة الانسان العالم بالله، ومن ذلك :

 
البُعد الأول: في بدن الإنسان
بمعنى أنه يمنع ما يمكن أن يصيبه من مرض وضعف وخور. وتعني مفردة «الدرء»، المنع و الوقاية، وضرورة أن يكون الانسان على مستوى من الوعي يدفعه الى توقّي الآفات البدنية قبل وقوعها. فالمؤمن العالم ملزم بالنظر والتحقق من مأكله ومشربه طبقاً لأوامر الشرع المقدس؛ فالله أمرنا أن نأكل الطيبات، وليس الخبائث. ثم أمرنا بأن ننعم بالخيرات، ونمتنع عن الإسراف. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، القدوة الحسنة للمؤمنين في هذا السبيل، وكان يلتزم مطلق الالتزام بالتعاليم الإلهية في طريقة المأكل والمشرب وأسلوب المحافظة على آداب المائدة، وذلك لكي يقلده المسلمون ليربحوا حياتهم وصحتهم .
ثـم هناك تعاليم أخرى بعيدة عن إطار المأكل والمشرب، ولكنها تساق ضمن تعاليم الوقاية والمحافظة على البدن دون الإصابة بالامراض، من قبيل كيفية معالجة حالة الغضب التي قد تعتري الانسان في وقائع معينة. بل هنالك في الروايات تعاليم قيّمة، تحدثنا عن آداب العشرة الجنسية، وكلها تحول دون تسرب الامراض الى الجسد، وكلها قوانين تحفظ سلامة الانسان وتعلمه كيف يكون ذا صحة مثالية، ليس للزوجين فحسب ؛ بل هي تشمل سلامة الجنين أيضاً. ولذلك يقول الحديث الشريف: « درهم في الوقاية خير من قنطار في العلاج». 


البُعد الثاني: الجانب الروحي 
 فالمتعارف بين المسلمين اليوم - مع بالغ الأسف - أنهم يتركون ابناءهم ضحية للبرامج الإعلامية الماجنة، او أنهم يعهدون بتربية أولادهم الى أناس مجهولي الحال، وهذا سائد في بعض البلاد الإسلامية، والسبب في ذلك قد يكون في عدم ايلائهم الاهتمام اللازم الصادر من حقيقة التشريع الإسلامي في هذا الإطار . ثم إننا نرى الآباء والأمهات - بعد كل هذا التقصير - يعرضون اولادهم لشديد العقوبة إذا هم لم يلتزموا بالتعاليـم الدينيـة، وهذا خطأ لعمـري كبير؛ يصل الى حد الجريمة بحق الأولاد، فالتربيـة السليمـة أساسها الوقاية عـن الوقوع في المساوئ، والآباء مدعوون قبل كل شيء الى إعداد العدة لتوفيـر وسائل وأساليب التربية الصالحة ليضمنوا حياة طيبة لأولادهـم .
والأغـرب في الأمر أن البلاد الغربية، اعتمدت قاعدة التخصص حتــى في طريقة رعي الماشية في المزارع، وفي الفندقة وغيرها من الأمور التي قد لا تخطر في البال، ولكننا نحن المسلمين نتقاعس عن ان يكون لنا خبير في التربيـة الصالحة. فنحن قد نولي أهمية كبرى لدراسة الجغرافية والتأريـخ، ولكننا لم نقم ببناء مؤسسات مختصة بارشاد المتزوجين وتعليم أسس التعامل والتربية الفذة التي تضمن تخريج أجيال صالحة وذكية ومخلصة لدينها في المجتمع. فالطفل الصغير بحاجة ماسة الى التعرف على كيفية التعامل مع أبيه وأمه وإخوانه وأصدقائه؛ تعاملاً يجعله قويم الشخصية، معتدل السلوك، وبإمكانه مواجهة مصاعب الحياة بفطنة كافية. وليس كما هو الملموس والمشاهد في واقعنا، حيث يشبّ الطفل وتشب معه العقد والأمراض النفسية الصادرة أساساً عن جهله بما يحيط به. وذلك لان أي طفل حينما يفتح عينيه على مناظر السوء و أصوات الباطل، من الموسيقى والافلام والبرامج والمسلسلات الماجنة والرقص والاختلاط الباطل، فانه بالتأكيد لن يجد فسحة تمكنه من التفكير السليم، او بناء الاعتقاد الصائب. إن الاسلام يفترض مباشرة أن يسعى الوالدان الى تنمية شخصية الأطفال في ضوء ما رسمه هو لا غيره، وأن يقلد الأطفال المسلمون أئمتهم الهداة عليهم السلام، في طفولتهم، بمعنى أن الآباء معنيون بأن ينقلوا لاولادهم سيرة الأئمة فيما يساعدهم في شأن التربية والاصلاح، إذن؛ المفروض هو أن يفكر كل انسان بانتخاب القرين المتوفر على شروط الصلاح في الزواج، ثم يرسم الخطط المستقاة من المنهج التربوي الديني المتفتح لرعاية الاولاد وتربيتهم، لاسيما في ظل افتقـار مدارسنا اللادينية لتلكم المناهـج.


البُعد الثالث: الجانب السياسـي
حينما نتظلم من حكام الجور والفساد، من اللازم أن نعرف بأن الظلمة إنما هم سيئات أعمالنا، وأن الحكام، بما هم عليه، نتاج سلوكياتنا. فالمجتمع الفاضل هو المجتمع الذي لا ظلم فيه ولا رشوة، ولا كذب ولا سرقة، ولا أنانية ولا غش. ومثل هذا المجتمع من المستحيل أن يسلط الله سبحانه وتعالى عليه الظلمة والطغاة، لأن القرآن الكريم يؤكد: «وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» (الانعام/129) ويقول: «قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الاَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ» (الانعام/65) .
فحينما يكون المجتمع مجتمعاً فاسداً، كيف نتصور ونرجو أن يحكمه عادل او صالح؟ وإذا ما سلمنا جدلاً بوجود حاكم عادل، ففي ظل مجتمع كهذا، سينغمس الحاكم شيئاً فشيئاً في المظالم والفساد المالي و الإداري، و سيمد يده بكل بساطة الى ما لا يجوز له ، ثم يُمسخ كلياً ليتماشى والوضع السائد في المجتمع. يقول الحديث الشريف: «لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر أو يولّى عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم».
وهذه الفرصة الذهبية أمامنا متمثلة بشهر رمضان المبارك، لنغتنمها ونصلح انفسنا ونضع حداً للفحشاء والمنكرات والمفاسد الاجتماعية والسياسية، و التصرفات الشاذة في السلوك العام. ثم نغتنم الشهر الكريم لنعلن خلاله التوبة النصوح أمام الله تعالى، والتي تعني وعي الصالحات و وعي السيئـات. لنعمـل بالمستحبات، ونهجر المكروهات، وذلك من خلال عرض انفسنا على كتاب الله، كما يعرض المريض نفسـه على الطبيب فيحدد له المسموح والممنوع من الغذاء. فلننظر الى المسافة التي تفصلنا عن القرآن ومفاهيمه ومعانيه، ونسعى لردم الهوة القاتلـة، ونتعلم كيف نتجاوز المسافـة. وليس الأمر صعباً أبداً ؛ فالقضية بحاجة الى إرادة وعزم وإخلاص، وتدوين ما يمكن تدوينه من بنود إصلاح النفس والمجتمع عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتوكل على الله والاستغفار والتوبة اليه.
دور الخطباء في شهر رمضان
على الخطباء في هذا الشهر الكريم، أن يسعوا الى بث روح القرآن الكريم بين الناس، وعليهم التعريف بنهج البلاغة، وتشذيب التأريخ من الخدع والضلالات والشبهات، كما عليهم البحث عن أجوبة شافية عما يدور في أدمغة الشباب المسلم من اسئلة وشبهات، تثيرها أجهزة الاعلام المعادية للدين، وإشاعات المخابرات الأجنبية، التي يبدو تصاعد حدتها في شهر رمضان على وجه الخصوص، لمعرفتهم بمدى تأثير هذا الشهر الكريم في الروح الايمانية للناس .
وإذن؛ يجب أن تكون أحاديث الخطباء، نابعة من صميم الحاجة الاجتماعية، لتكون مفيدة وبناءة حقاً .


فرصة للوقاية من الامراض الاجتماعية
توجد في المجتمعات الاسلامية أمراض خطيرة للغاية، سيطرت عليها أو تكاد، الامر الذي يقتضي المعالجة الجذرية، والبداية من وضع نقاط الوقاية اللازمة؛ فإضافة الى ما تواجهه من ازمات وآفات الفساد السياسي والمالي والاداري والاقتصادي، هناك امراض ومشاكل اخرى لا تقل خطراً عن تلك، يجب الانتباه اليها والعمل على الحدّ منها ومعالجتها، منها الإدمان على متابعة القنوات الفضائية و مواقع الانترنت المخلّة بالآداب والاخلاق والسلوك، عن طريق مواجهة النـاس بكل صراحة، عن الأضرار النفسية والاجتماعية لهذه الظاهرة الخطيرة، والقيام بالتعبئة الشمولية ضدها. وهناك مسألة إدمان التدخين، الذي يتعدى الحديث فيه المضار الصحي، الى الحديث عن الذوق الاجتماعي القاضي بضرورة عدم الحاق الضرر بالآخريـن واحترام الأماكـن التي يلوثها المدخنون، لاسيما الأماكن التي تقام فيه المجالس القرآنية والحسينية.. ولأن الخطباء والعلماء أصحاب رأي في المساجد والحسينيات، فعليهم ان يمنعوا مزاولة هذه العادة في هذه الأماكن، لتكون بدورها السباقة ازاء الأماكن الأخرى، ومن ثم قطع الخطوات الأولى لاجتثات هذه العـادة.
ان اساس علاج مختلف المشاكل والازمات الاخلاقية والفكرية يكمن في التوجه الى الله سبحانه وتعالى، وفي أن يتوجه الانسان بقوة ايمانية الى فهم وإدراك سبب وحقيقة وجوده في هذه الدنيا الزائلة . فاذا عرف الانسان ربه حق معرفته، سيضمن عدم الانحراف . 

ونحن إذ نستقبل أيام شهر رمضان المبارك، علينا ان نستفيد كل الاستفادة من هذه الفرصة الثمينة، وهذه الطاقة الجبارة، لكي نضع أسس الوقاية ونعمل وفق منطوق ومفهوم النص القرآني القائل: «وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ»، ثم نعمل على توجيه المجتمع الى العمل الجدي بالحسنات، لنرى بعد ذلك انقشاع السيئات والموبقات ؛ الواحدة بعد الأخرى بإذن الله وتوفيقه، والعمل على تحقيق القدر المستطاع من السعادة والاستقرار في حياتنا.


ارسل لصديق