الحسين، عليه السلام، يتحدّى
كتبه: مرتضى محمد
حرر في: 2014/12/03
القراءات: 747

عندما تنظر الى حال الأمة الإسلامية تجدها في خضم حرب شعواء تطال المذهب الحق و حَمَلته؛ ولم تكن هذه الحرب ذات لون واحد وطابع فارد، إنما تجدها في صور شتّى، وتقف خلف كل واحدة منها كهنة السلاطين وأبواق الشياطين، فمن التحدّي الأمني والعسكري، مـــــروراً بالتحـــــدّيات الفكرية والثقافية، ووصولاً الى التحدّيات الخلقية والأخلاقية.

ولم يكن خاتم الرسالات الإلهية تاركاً الأمة تتآكل حتى تؤكل في خضم هذه الصراعات، فكيف يمكـــــن مـــــواجهة هـــــذه التحدّيات؟

لنقف عـــــلى التحدّيـــــات بشيء مـــــن التفصيل:

 

* التحدّي الأمني

وهو التحدّي الأبرز في وقتنا الراهن، والذي تؤدي دوره الحركات الوهابية التي هي امتداد للخوارج في عصرنا الراهن، تحت مسمّيات مختلفة، ونحن نرى أن هذا التحدّي لا يطال منطقة دون منطقة، فمن «بوكو حرام»، في نيجيريا، و «جبهة النصرة، و «جند الإسلام» و «القاعدة» و «السلفية الجهادية»، وصولاً الى ما يسمى بـ «تنظيم داعش»، وما نراه من ذبح وتهجير و استعباد للنساء، و تدمير لدور العبادة و المراقد المقدسة للأولياء والانبياء وغيرها من أنواع الإجرام التي ربما قلّ بعضها نظيراً في التاريخ الحديث وحتى الغابر.

ولا يمر على شيعة أهل البيت في كل من العراق وسوريا ولبنان وأندونيسيا واليمن وباكستان وافغانستان وحتى ماليزيا، يوم لا يـــــرون فيه القتل والتشريد والسجن في بلاد تحمل يافطة الإسلام!

وليس ما يتعرض له آية الله الشيخ نمر النمر في الحجاز والعلامة الشيخ المحفوظ في البحرين، وغيرهما من العلماء إلا حلقة في هذه السلسلة الطويلة.

ولا يطال هذا التحدّي المؤمنين فحسب، بل و يمثّل بإجرامه، خطراً على الإســـــلام، حينما طال الطوائف الأخرى التي عاشت بين المسلمين لسنين طويلة في وئام وسلام، فقتلوا تحت يافطة الدولة الإسلامية، أبرياء من أقليات دينية، مما رسم صورة ومفهوماً جديداً لديها عن الإسلام، من السلم والسلام، الى القتل والذبح والسبي!

 

* التحدّي الفكري والعقدي

لقد ملأت شياطين الجن والإنس، الكون بالضوضاء حتى لا يصل الى قلب بني البشر صوت الحق والحقيقة، وما هذه الفضائيات والصحف والمواقع الإلكترونية، إلا نموذج من هذه الضوضاء التي تصنعها الماكنات الإعلامية المملوكة للشيطان.

فقد تحولت الدنيا الى دنيا الشبهات، وقد أعد الأعداء «لكل حق باطلاً ولكل مستقيم مائلاً»، - كــــــما تنبأ أمـــــير المؤمنين، عـــــليه السلام، في حديثه هذا.

فتجد تنامي موجـــــات الإلحاد بتطور ملحوظ في نظرياتها وأســـــاليب الإستدلال من جهة، ومن جهة أخـــــرى التطـــــرف الديني وتحويل الدين الى هيئات مفرغة من المحتوى، وحتى الحركات العرفانية والصوفية المنحرفة التي تحاول النيل من الشباب المؤمن.

ولم تكن الحرب الإعلامية يوم عاشوراء ـ التي لا تقل خطورة عن الحرب العسكرية ـ بجديدة، والدليل على ذلك؛ ما قام به أعداء الإمام الحسين في معسكر ابن سعد بصناعة الضوضاء والتشويش على خطابات ونصائح الإمام الحسين، عليه السلام، و تذكيرهم بالله - تعالى- و بمكانته من رسول الله صلى الله عليه وآله، والهدف من ذلك، الحؤول دون اختراق هذه الكلمات المضيئة، لقلوب افراد جيش ابن سعد وأن تلين قلوبهم - كما لانَ قلب الحر- ثم جاؤوا بفتوى من شريح القاضي في ذلك، حالهم حال كل طغاة اليوم فإنهم لا يكتفون بقمع كل من ينادي بالحق، و يسكتون كل صوت يلهج به، بل إنهم يبادرون الى صناعة التضليل.

 

* التحدّي الأخلاقي

«ألا ترون الحق لا يعمل به والباطل لا يتناهى عنه»، هكذا خاطب الإمام الحسين، عليه السلام، الأمة الإسلامية، آنذاك ونحن نرى أن تحدياً كبيرا يواجه الأمة الإسلامية في هذا الإطار.

فإن إنتشار الفساد الخُلقي والأخلاقي، و ارتفاع نسب الفساد الإداري والمالي بين افراد المجتمعات الإسلامي، نذير شؤم، يكشف عن واقع مرير تمر به الأمة لابتعادها عن قيم السماء.

 

* الإمام الحسين يواجه التحدّيات

بالرغم من كل التحدّيات التي تعيشها الأمة وأبناء المذهب الحق، إلا أن حركة سيد الشهداء، عليه السلام، تخطّ لنا الطريق الواضح لمواجهة هذه التحدّيات وعلى مر العصور والأزمان، فلو نظرنا قليلاً الى الماضي، نجد أن التحدّي الأمني لم يكن بأقل مما نحن فيه، إلا أن روح الشهادة التي بعثها الإمام الحسين، عليه السلام، في أتباعه جعلهم في قمة التحدّي والمواجهة، فهو الذي قال:

«خُطّ الموت على ابن آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأْن منّي أكراشاً جوفاً، وأجربة سغبا، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، فيوفيّنا أجر الصابرين»..

فلو يدقق المرء في الشعارات التي رفعها المؤمنون المدافعون عن حرمات الله في سامراء، و منطقة السيدة زينب ـ على سبيل المثال ـ يجدها مستلهمة من واقعة الطف، من شجاعة العباس، ومن عطاء الأكبر، ومن شهادة الحسين بن علي، عليهم جميعاً آلاف التحية والثناء.

أما التحدّي الفكري فقد رسم الإمام الحسين، الخط الواضح والفاصل بين الحق والباطل، و قدم نفسه قرباناً ليميز بين الخبيث والطيب، وبين الظلمة والنور، فقد تبين من خلال عاشوارء، الرشد من الغي.

فليس لأحـــــد أن يحيد عـــــن كربلاء وثقافة كربلاء ثم يظن أنه على حق، فالحق يدور حول الحسين عليه السلام، وما تأكيد الأئمة، عليهم السلام، على إحياء عاشوراء و زيارة الإمام الحسين، عليه السلام، وحثّ الناس على الاهتمام بهذه القضية، إلا شاهد حق على ذلك.

فليس من الإسلام، مهادنة الظالم، وترك المظلوم معذباً في سجونه، وليس من الإسلام ترك الجهاد في سبيل الله، بكل مستوياته، وليس من الإسلام ترك العمل بواجبي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس من الإســـــلام لزوم الدار والرهبنة تحت أية مسمّى كانت، إنما الإسلام هو الذي مثله سيد الشهداء تحت شعار:

{وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى}.

وقد كان، عليه السلام، المبادر والمتصدي للإنحراف الذي تعرض له دين جده رسول الله، صلى الله عليه وآله، وقد أعلن وجوب هذا التصدي حين قـــــال عن لسان رسول الله، صلى الله عليه وآله:

«مَنْ رَأَى سُلْطَاناً جَائِراً مُسْتَحِلًّا لِحُرُمِ اللَّهِ نَاكِثاً لِعَهْدِ اللَّهِ مُخَالِفاً لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ يَعْمَلُ فِي عِبَادِ اللَّهِ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ ثُمَّ لَمْ يُغَيِّرْ بِقَوْلٍ وَ لَا فِعْلٍ كَانَ حَقِيقاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَهُ».

ثم إنه عليه السلام وفي إحدى خطبه المباركة بيّن أنه لا ينتظر غيره ليتصدى فهو يقوم بواجبه قائلا:

«قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ وَ تَوَلَّوْا عَنْ طَاعَةِ الرَّحْمَنِ وَ أَظْهَرُوا الْفَسَادَ وَ عَطَّلُوا الْحُدُودَ وَ اسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْ‏ءِ وَ أَحَلُّوا حَرَامَ اللَّهِ وَ حَرَّمُوا حَلَالَهُ وَ إِنِّي أَحَقُّ مَنْ غيَّر».

أما التحدّي الأخـــــلاقي، فبالعودة الى واقعة الطف، والمواقف والملاحم البطولية؛ هل يبقى ما يُخشى على الاخلاق، كقيم ومفاهيم؟ وهل ينحرف شـــــاب قد تمثّل القاسم بن الحسن، عليهما السلام في حياته، وهل تنحرف فتاة وهي تقرأ سيرة الطاهرات المخدرات من آل محمد، وفي طليعتهنْ، عقيلة الطالبيين، الصديقة زينب الكبرى عليها السلام؟

ولم أنس تلك المرأة المسيحية ـ في احدى البلدان الغربية ـ التي اقتنعت بلبس الحجاب حين سمعت بقصة زينب الحوراء، سلام الله عليها، ومواظبتها عليه والاهتمام به، فهي لم تغير دينها إلا أنها التزمت بهذه المفردة حين تجلّت قصة كربلاء في عينها.

وباختصار شديد؛ فإن الإمام الحسين، عليه السلام، هو سفينة النجاة لهذه الأمة وقضيته؛ هي العروة الوثقى التي من تمسك بها نجا ومن تركها هلك وهوى.


ارسل لصديق