قيم التكامل وآليات القيم
كتبه: الشيخ معتصم السيد احمد
حرر في: 2012/08/15
القراءات: 1592
إن الحديث عن التكامل بعيداً عن القيم التي تحقق التكامل، لا يتجاوز التأسيس النظري لأصل المفهوم والمصطلح، الذي يمكن الاستعانة به لتشكيل الإطار العام، وتحديد مسار الاتجاه، إلا أنه لا يكون مجدياً إذا توقف التأصيل عند حدود المفهوم والمصطلح، فالتكامل بوصفه مفهوماً نظرياً لا يكون له معنىً إلا إذا تبعه حديث عن قيم التكامل وآليات القيم.
فما هي تلك القيم التي تحقق التكامل للإنسان؟، وأية صفات يمكن أن يتصف بها الإنسان لكي يكون كاملاً؟، وهل لذلك التكامل حد يقف عنده الإنسان؟.
هذه الأسئلة تكشف عن الخطوات الأولى في طريق تحديد قيم التفاضل الإنساني، فقيمة الإنسان في ما يحمله من قيم، في حين أن قيمة القيمة نفسها، إما تكون ذاتية، وإما أن تكون واقعة في طول قيمة أخرى، مما يحقق نوعاً آخر من التراتب والتفاضل القيمي.
فما هي القيمة؟ وكيف تُعرّف؟.
إن محاولة تعريف القيمة وتحديدها بتصور ذهني في واقع الأمر، ينقل القيمة إلى الإطار النظري الافتراضي، وهذا ما يعمل على إفراغ القيمة من محتواها الحقيقي، في حين أن احتفاظ القيمة بقيمتها يجعلها مقدسة وعصية أمام تحويلها إلى مجرد افتراض وتصور ذهني؛ لأن القيمة لها حضورها الذاتي في وجدان الإنسان، وهي بالتالي قد تتساوى في المرتبة مع الحقائق التي تجدها النفس من غير برهنة واستدلال، فكما يجد الإنسان عقله وشعوره كذلك يجد القيم في واقع فطرته. 
فقيمة الرحمة مثلاً، ليست تصوراً ذهنياً، وإنما وجدان الإنسان لتلك القيمة التي تسمى رحمة، وهي حقيقة واقعية تخرج عن إطار الافتراض والتصور، وبالتالي هناك حقائق يعرفها الإنسان ويعلم بها ولا يرتاب فيها، وفي الوقت نفسه لا تعرف بالعقل، ولا تتصور بالذهن، فالإنسان يعلم بأنه قادر، ويعلم بأنه حي، ويعلم بأنه يسمع ويبصر... وطريق علمه بها هو وجدانها لا غير، فبالقدرة يعرف القدرة، وبالرحمة يعرف الرحمة، وبالسمع يعرف السمع، وهكذا البصر والعقل والإرادة وغيرها، فهي حقائق دالة على ذاتها بذاتها، وكاشفة عن نفسها بدون توسط أي وسيط سوى وجدانها، فالأعمى الذي لا يعرف البصر في حياته، لا يمكن أن يجد معنىً للبصر إلا إذا وجد البصر وصار مبصراً. 
كذلك القيم، فهي حقائق وجدانية فطرية لا تُعرف بالتصور، فالعلم كقيمة لا يمكن أن يجد الإنسان الجاهل له معنىً، حتى لو سعى جميع البشر لتعريفه وشرحه له، ولا طريق إلى معرفته إلا وجدانه لنور العلم، وحينئذ يعرف أن العلم قيمة، فهو حقيقة يجدها الإنسان ولا تخضع للبرهنة والتصور، فبأي شيء تبرهن على العلم؟ بالعلم أم بالجهل؟ فإن كان بالعلم، فهو بالتالي حقيقة لها وجودها القائم بذاته في النفس.  
ومن هنا، يمكن تشكيل مفارقة جوهرية في منهج دراسة القيم، فبين المناهج التي تفترض منظومة من القيم، ومن ثم تقوم بالبرهنة على أهميتها، وبين هذا المنهج الذي يثير واقع الفطرة، ويستنطق وجدان الإنسان. 
فلو لم يكن الإنسان مفطوراً على هذه القيم، فمن المستحيل أن يجد سبيلاً إلى الإيمان بها، فالإنسان واجد لهذه القيم وعارف بها، ولكنه غافل عنها، فلا يستغني عن تذكير المذكرين وتنبيه العارفين، وهنا تتجلى مهمة الأنبياء بوضوح، كما يصفها أمير المؤمنين (ع): (ليثيروا لهم دفائن العقول، ويستأدوهم ميثاق فطرته..) وبالتالي فإن كل إنسان يجد في نفسه بذور التكامل القابلة للنمو والزيادة.
فحقيقة القيمة ومعناها، أقرب إلى الحالة الوجدانية التي فطر عليها الإنسان، فلولا وجود حقائق مقدسة عند البشر، لما تكاملت الحياة بل تعذرت، والاستدلال على وجودها شبيه بالاستدلال على وجود العقل، فكما تسالم البشر على وجوده، كذلك تسالموا على وجود القيم، ومن هنا جاز لنا الجزم بأن رسالات الأنبياء في الواقع، هي تكريس للقيم، ولهذا السبب يتم تصديقهم واتّباعهم، فليس من المعقول، أن يكون هناك نبيٌّ يأمر بالظلم وينهى عن العدل. 
 القيم من النسبية المتحركة إلى المطلق الثابت.
أما مصدر القيم وشرعيتها، فيكون واضحاً حينما نفهم القيم ضمن إطارها الطبيعي، أي عندما نخرجها من إطار الذات، إلى إطار الموضوع، إي من إطار جعل القيم رهينة انفعالات عقلية ونفسية نحو الأشياء، إلى الاعتراف بوجودها المستقل كحقائق تمتاز بالثبات، وبمعنىً آخر إخراجها من النسبية المتحركة، إلى المطلق الثابت، الذي يلعب العقل فيه الدور الأكبر في كشفها والإيمان بها، فهي تعبير عن عمق الذات المفطورة على حب الجمال والكمال والخير. 
وبهذا، يمكننا تفسير حالة التجاوز والارتقاء والتسامي، الموجودة عند كل البشر، فلماذا ينزع البشر إلى مثل أعلى؟ ولماذا يهوى المقدس والمتعالي؟ ولماذا يتجاوز ذاته للوصول إلى ما هو أعلى، وما الذي يجعل التاريخ البشري في تطور دائم نحو ما هو أفضل؟
فالحالة الوجدانية التي تشعر بضرورة التكامل وبوجود المتعالي، لهي أقرب دليل إلى نزوع النفس الإنسانية إلى تلك القيم، التي تشعر بها في عمق وجودها، فعندما نخرج القيم من هذا الإطار، ونبحث عنها ضمن سياق الفعل ورد الفعل، الذي تخلقه طبيعة التفاعل البشري فيما بينها وبين الأشياء، تفقد قدسيتها وثباتها واستقرارها، وتتحول من كونها معايير للظروف والأحداث، إلى رهينة لتلك الظروف والأمزجة. 
العقل والنفس منشأ القيم
ونحن لا ننكر وجود قيم خاطئة نتيجة انفعال النفس بالمحيط، وتأثرها بعوامل الوراثة، والتربية، والمحيط السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، وعوامل البيئية وغيرها.. التي تسهم في صياغة شخصية الإنسان، ولكننا نفرق بين حالة الفعل والانفعال، فالنفس هي مصدر الضعف المنفعل بالواقع، في حين أن العقل مصدر القوة، الذي يميز الحسن والقبيح والحق والباطل، والقيم قد تنشأ من العقل وقد تنشأ من النفس، ولهذا نحن لا نقول أن القيم هي انتقاء بلا معيار، وإنما العقل الكاشف لها هو الذي يعطينا الثقة بها، وهو واحد عند الجميع، والضمانة الأخرى للقيم هي الدين، المذكر بتلك القيم والمثير لدفائن العقول، فيصبح العقل والدين أو العقل المستبصر ببصائر الوحي هو أساس القيم ومصدر شرعيتها، أما النمط الآخر من القيم المتغيرة فليس مهملاً، وإنما قد يكون له الدور الفعال، في إبراز القيم المرحلية، التي يقتضيها الظرف الحضاري، ضمن الحاجة المشروعة، التي تحكمها سلسلة من القيم المقدسة الثابتة، وهذه المرحلة هي الخطوة الثانية، التي تسمى بفقه المتغيرات والأولويات في التشريع الإسلامي، فإننا لا نجد تشريعاً زمنياً قائماً على المبادئ فحسب، دون تقدير الظروف الموضوعية، وهذا ما نناقشه في كتاب منفرد عن التشريع الإسلامي وآليات التجديد، إن شاء الله.
والمهم هنا، أنه قد أصبح واضحاً في أبجديات الفكر الإنساني، كون القيم تمثل الخلفية المؤسسة لكل المعارف الإنسانية، فما من توجه معرفي إنساني إلا ويسعى لتحقيق قيم خاصة به، تكون بمثابة الإطار الدافع والمقوم للعلم، فعلم الأخلاق هو الذي يسعى لتحقيق القيم الأخلاقية، وعلم القانون هو الذي تتجلى فيه قيم القانون ومبادئه، وبالتالي هو نظام حقوقي يسعى لتحقيق أهدافه، وعلم الاجتماع كذلك يسعى إلى الكشف عن القيم التي يقوم عليها البناء الاجتماعي، وهكذا نجد القيم حاضرة دوماً في إي بناء معرفي، وهي الأساس الذي لولاه لما كان للعلم وجود. 
ومن هنا فإننا نعتقد أن دراسة أي علم أو محاولة إيجاد تطبيقات خاصة به، بعيداً عن روح القيم التي تشكله، تعتبر محاولة عبثية بعيدة عن ضوابط الحقيقة، ولذا لا نجد القاضي مثلاً، مفوضاً في الحكم بعيداً عن مبادئ القانون وقيمه، وكذلك لا يمكن أن نتصور وضع إي نظام أخلاقي أو اجتماعي لا تُراعى فيه القيم الأخلاقية والاجتماعية، وهذه القاعدة مطردة في كل مجال إنساني، وحتى العلوم التطبيقية ليست بعيدة عن ذلك، لأنها في المحصلة تسعى لخدمة الجانب الإنساني بما يحتويه من قيم
ومن هنا أيضاً، لا يمكننا الاعتقاد بأن التشريع الإسلامي بعيد عن هذا التصور، ونحن لا نجد في كتاب الله حكماً، إلا وقد قرن بالغاية التشريعية بتعابير واضحة تكشف عن القيمة النهائية للحكم، مثل (لعلكم) في قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (21/ البقرة) ، فالتقوى هي غاية وقيمة تهدف لها العبادة، كذلك قوله تعالى: «وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»(6/ المائدة) وقوله تعالى: «وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»(7/ الاعراف)، وبالتالي يصبح الشكر والرحمة ضمن القيم، وهكذا نجد أن الشريعة أقرب إلى القيم في منهجها وتصورها ومبانيها.
ولذا نعتقد أن التفكير في القيم، هو النمط الذي يجب أن يسود في التشريع الإسلامي، وأن غيابه عن العقلية الإسلامية كان السبب وراء فقدان النظرة الشمولية، التي تنظر إلى الدين بكل أبوابه وفروعه ضمن تصور واحد متفاعل ومتكامل، فالقيم هي ذلك الخيط الناظم الذي تنتظم به حقائق الدين وجواهره، في بناء معرفي واحد، ولا يمكن الفصل فيه بين الأخلاق والفقه والعقائد، لأن الدين في حقيقته هو إجابة ربانية، عن أسئلة كانت محط اهتمام الفلاسفة منذ الأزل، حول الإنسان من هو؟ وما هو سر وجوده في هذه الدنيا؟ وما هو هدف حياته؟ وما هو مصيره؟ وكيف يعيش عيشة راضية؟ ولا يمكن أن يجيب الدين على تلك الأسئلة بصورة متباينة، لا يربط بينها نسق واحد. 
ومن هنا نعتقد أن التأسيس العقائدي، الذي يتكفل بالإجابة المعرفية عن تلك الأسئلة، لا يختلف عن التأسيس الاجتماعي، الذي يحاول تحويل تلك المعرفة إلى نظم اجتماعية، تحقق وحدة متكاملة بين المجتمع الإنساني، وبين أهدافه العامة في الحياة، وضمن هذا التصور، لا يمكننا استبعاد الجانب التشريعي والقانوني، فهو الآخر لابد أن يكون تعبيراً مجسداً لتلك الحقائق والقيم، وإلا أصبح نشازاً يسير في عكس اتجاه الحياة.
 ولا يمكن تحقيق تأسيس منهجي للقيم بعيداً عن المنهج الشامل الذي يحقق هذا البناء الموحد المتكامل، وليس لنا خيار دون التفكير القيمي، الذي يمثل ضمانة لفقه الشرائع والأحكام الدينية، وخاصة ما يتعلق بالحوادث المستجدة 
واللحظة التي يتحول فيها الدين إلى نظام من القيم، هي ذاتها اللحظة التي يتفاعل الإنسان فيها مع الدين بشكل ايجابي، يحقق من خلالها كل عناصر التكامل والرقي.

ارسل لصديق