ملامح المؤمن المتحضّر
كتبه: الشيخ محمد سعيد المخزومي
حرر في: 2012/08/16
القراءات: 1127

لقد خلق الله الأرض للمتحضرين، وامتحنهم بالجهلاء المتخلفين، فكان الوجود كله يبغض التخلف، ولا ينسجم مع المتخلفين الجاهلين، لأنهم يفسدون ولا يصلحون، ويهلكون الحرث والنسل ويعيثون في الأرض فسادا، ولذلك تعجب الملأ الأعلى يوم سمع أن الله سيجعل في الأرض خليفة: «أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ».  (سورة البقرة /30). 
ولأن المتحضر يتمتع بملكات نفسية عالية وقوام شخصي رفيع فقد صار من سماته النفسية ما يأتي:


* المَعْلَمُ الاول: العنصر المتحضر؛ كريم  النفس
الكريم، كريم في نفسه، فمن بخلت نفسه، فقد بخلت يده، والعنصر المتحضر المؤثر في الحياة هو المؤمن بقيم الوحي التي تصنع قوامه النفسي وتقوّم كيانه الشخصي، فإذا وقف بين يدي ربه متأمّلا قوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُون» (سورة البقرة /254)، يكتشف العلاقة الخطيرة بين البخل بالمال وبين الظلم، فيكون الإنسان بالبخل كافرا بما أراد الله تعالى منه في الحياة، إذ ملّكه من ملكه، وأسكنه أرضه، و اراد منه أن يعطي السائل والمحروم ويعين من ضاعت عليه فرص الحياة لسبب أو آخر.


* المَعْلَمُ الثاني: العنصر المتحضر كبير النفس
إن ثمة عقدة كبرى في الإنسان وهي عقدة ضعة الذات، ولأنه كذلك، نجده يتكبر على الآخرين، حتى يرى من خلال زاوية نفسه الضيقة أن له الفضل على الناس جميعا، فتوقعه هذه النظرة في أن يحتقر الناس، ويستصغر شأنهم، ويستعلي عليهم، فَيَمُنّ عليهم بما انفق عليهم يوماً ما، أو أعانهم في موقف، فيخسر الاجر في الاخرة كما يكون قد أفقد حلاوة معونته الآخرين، واسقط معطياتها الايجابية بالحياة فلا يجني إلاّ شرا، لأنه يخضع لقانون: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ»  (سورة الزلزلة /7-8).
بينما المؤمن المتحضر المتحصن بالله عزّوجل حينما يتأمل قول الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ» (سورة البقرة /264). تأخذه الرعدة مخافة الوقوع في الخسران المبين الذي يتورط به الكافرون بالله تعالى، لذلك نجد المؤمن الحقيقي الممتثل لأمر الله، يراقب نفسه كثيرا، ويحذر من مغبة الوقوع في عقدة الضعة أمام الآخرين.


* المَعْلَمُ الثالث: مراقبة مصادره المالية
انه ذلك المتسلّح بقيم السماء إذا مرَّ به قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين» (سورة البقرة /278)، يتأمله جيدا فيعرف أنه مقصود بهذا الخطاب فيحذر كثيرا أن يكون في ماله ربا يربو فيه على الناس فيخسر عند الله تعالى ولا يربح في الناس.


* المَعْلَمُ الرابع: توثيق الاعمال  في الحياة
من مناهج رجال التحضّر، أن تكون مداولاتهم على جميع الاصعدة في الحياة موثقة ومدوّنة، ذلك أن الإنسان مُعرَّضٌ للنسيان، كما تتعرض الاتفاقات لنقض العهود ونكث المواثيق، من هنا فقد لزم أن يكون كل شيء عندهم مدوناً مكتوبا.
وحينما يقرأ هذا المؤمن المقيد بأمر الله تعالى يتأمل قوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ» (سورة البقرة /282)، فيتدبر معانيها جيدا فيرى نفسه هو الذي يجب عليه أن يكون مدوّناً عقوده مثبّتاً مواثيقه بكتاب، فلا يفرط في معاملاته، ولا ترتبك مداولاته ولا يُرجيها إلى ذاكرته.


* المَعْلَمُ الخامس: الحذر من تولّي غير المؤمن شؤونه
ومرة اخرى، نجد المؤمن الذي اتخذ الله عصمته وقوله مرآته، واقفا عند قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ»، (سورة آل عمران /100)، فيتأمل ذلك جيدا فيجد نفسه مسؤولاً أمام الله تعالى، إذا أطاع غير أهل ملته، لخطورة كونهم يجهدون على تغيير اخلاقه ونظام حياته فيريدونه أن يخالف الله تبارك وتعالى، وفي هذا خسران مبين في الدنيا والآخرة.


* المَعْلَمُ السادس: الخروج من الدنيا كما دخلها مسلما 
لأن المؤمن إتخذ الله تعالى عصمته وقوله مرآته، فانه إذا قرأ قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» (سورة آل عمران /102)، يتأمله جيدا فيجد نفسه معنيا بهذا الخطاب، وهنا يجهد نفسه في المواظبة على أن يخرج من الدنيا مسلما كما دخلها مسلما،  فلا يتنازل عن قيم الوحي ومبادئه فيتمثل قوله تعالى: «وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيراً» (سورة الاسراء /80).


* المَعْلَمُ السابع: الاستعداد لمواجهة أعداء القيم
لأن المؤمن قوي بإيمانه، متحضر بقيم السماء، تجده مستعدا للدفاع عن قيمه 
متهيئاً لحماية مقدساته والدفاع عن حرماته. ولذلك فإذا قرأ قول الله جلَّ جلالُه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»  (سورة آل عمران /200)، يقف  ممتثلاً أمره تعالى، مربياً نفسه على تذليل المصاعب التي تصادفه، فيعمل على تطويع التحديات التي تواجهه، ويصبر عليها، كما يحثّ اخوانه على منهاج الاستقامة والثبات في الحياة.


* المَعْلَمُ الثامن: المسالم في أسرته
كثير من الناس يعتاد أن يظلم من هو تحت ولايته، كزوجته و أولاده، خصوصا عند تعرض العلاقة الزوجية إلى هزة أو اضطراب، فيعمل على ابتزازها مالا أو يرغمها على اتخاذ موقف، فيضطرها إلى التنازل عن حقوقها كالمهر مثلا، وهذا من المحرمات الكبيرة والمظالم الشائعة والخطيرة، وتلك من سجايا غير المتحضرين الذين يستأنسون بالدنيا ويستسهلون امتحانها، ويتلذذون بالتشفّي بمن تحت أيديهم. بينما العنصر الواعي المتحضر، فهو إذا قرأ قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيراً»  (سورة النساء /19)، فإنه يقف كثيرا متأملا كلام الله تعالى فيربي نفسه عليه ويرى نفسه موردا من موارد خطابه عزّوجل، ذلك لأنه مؤمن، ومن يعضل زوجته، لن يكون مؤمناً بما أمر الله تبارك وتعالى.


* المَعْلَمُ التاسع: لا يقول شيئا من عند نفسه 
كثيرا ما اعتاد الناس، في معالجتهم أمورهم في الحياة، على افكارهم المحضة وكأنما خُلقوا عبثاً في الحياة الدنيا، فلا يعرفون لها نظاما قط، ولذلك يعتمدون على افكارهم الخاصة وتصوراتهم الفردية، فيقول: باعتقادي الصحيح كذا.. أو أرى أن الأفضل هو كذا... فهذا سبيل الجاهلين بالحياة.
بينما العنصر المتحضر الذي جعل الله تعالى نصب عينيه واتخذه عصمته وملاذه في الحياة، يرجع اموره كلها إليه عز وجل عبر منهاج الوحي وما نطق به خليفة الله في الأرض. فالمؤمن إذا قرأ قوله تعالى: [يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً]  (سورة النساء /59)، ولأنه متحضر فهو يتأمل ذلك جيدا وينظر إلى نفسه فيرى واجبه أن لا يشرّع لنفسه من عند نفسه، بل يتخذ الله عصمته ومنعته ويرى مرجعه الله تعالى و رسوله والمؤمنون الذين يقيمون الصلاة وهم راكعون. 


* المَعْلَمُ العاشر: يحترم العقود والعهود
العقود سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، فالالتزام بها واجب، ولم يوجب الشرع شيئا إلاّ كان في منفعة الإنسان واستقرار المجتمع واستقامة الحياة. ولذلك فقد حرّم الشرع نقض العقد لما فيه من مفاسد تفسد على المجتمع استقامته واستقراره، وهذا منطق لا يتفهمه إلاّ الإنسان المتحضر ولا يلتزم به إلاّ العنصر الحي في الحياة وهو المؤمن بقيم الحياة التي أوجبها الله تعالى على البشر. 
ولذلك فالمؤمن الذي اعتصم بالله تعالى وتمنَّع به إذا قرأ قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (سورة المائدة /1)، يتأمل الخطاب القرآني على أنه المعنيُّ به، فلا يعدو إلاّ أن يتتلمذ عليه، ويربي نفسه، وأن لا ينقض عقداً أبرمه في أي ميدان كان. فيستقيم بذلك المجتمع وتستقر الحياة. 

 
* المَعْلَمُ الحادي عشر: لا يتنكر للنِعم والمُنعم
من القبح الفاحش أن يتنكر الإنسان لصانع معروف له، ويتغافل عن فضل متفضل عليه ويعرض عن ذلك كله وكأن لم يكن شيئا مذكورا.
لأن الذي يذكر الفضل يشكر النعمة، ومن يشكر النعمة يمتلك شعورا انسانيا رفيعا، ومن لا يشكر ولا يذكر فانما هو بهيمة لا تشعر ولا تتحسس، همها علفها، «إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً»  (سورة الفرقان /44).
ولذلك كان ذكر النعمة وشكر المنعم من الواجبات على الفرد في الحياة وقد  قال الإمام زين العابدين عليه السلام: (وأما حق ذي المعروف عليك فأن تشكره وتذكر معروفه وتنشر له المقالة الحسنة، وتخلص له الدعاء فيما بينك وبين الله سبحانه، فإنك إذا فعلت ذلك كنت قد شكرته سرا وعلانية. ثم إن أمكن مكافأته بالفعل كافأته، وإلا كنت مرصدا له موطناً نفسك عليها)، [تحف العقول - ابن شعبة البحراني - ص 265].
هذا إذا كان الأمر متعلقا بفضل بشر على بشر، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بفضل المنعم عليه بكل وجوده، وباكبر مما يتصوره انسان ؟ وماذا سيكون حكم المتجاهل المتنكر لها؟ 
إن ذكر النعم الإلهية وشكرها يشير إلى أن الذاكرين الشاكرين هم صناع الحضارة وعُمّار الأرض، وعليه، فمن لم يكن كذلك فهو من مدمري الحياة وصناع الموت في المجتمع، ومخربي الأرض للاسباب التالية: 
أولاً: لأن ذكر الذاكر وشكر الشاكر يدل على عمق احساسه الانساني حيث الذي يتنكر ولا يشكر، إنما هو أشبه بالبهيمة لا تعرف إلا  ما تعلف.
ثانيا: يعمق في نفسه الطهر والنقاء من رذائل الصفات، حيث المتنكر للنعم أناني وضيع. 
ثالثا: يضفي إلى نفسه تألقا وتعلقا بالفضائل.
رابعا: يبعث في قلبه صفاءً يقربه من الله تعالى.
خامسا: القرب من الله تعالى يجعله في حماية منه ورعاية فيكون عُرضة لأن يغدق عليه من النعم المعنوية والمادية ما لا حصر ولا عد لها. ولذلك قال تعالى في كتابه الكريم: «أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» (سورة لقمان /12). بينما من يتنكر للمعروف ولا يشكر المنعم فهو كافر بها وبما انزل الله تعالى، ومن لا يذكرها بل ينكرها إنما يحوي بين حناياه قلبا غليظا لا يفهم من الحياة إلا  التمحور على الذات، فهو أناني حريص، ومن كان كذلك فلا يصلح لبناء الحياة ولا عمارة الأرض ولا صناعة الحضارة.
من هنا فإن المؤمن هو كما قال الامام الحسين عليه السلام: الذي «اتخذ الله عصمته وقوله مرآته»، يقرأ قول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» (سورة المائدة /11)، يجد نفسه في قائمة المسؤولين عن ذكر النعم وشكرها لأن التنكر لفضل الله والإعراض عن شكره من شيم عناصر الدمار ومؤسسي الخراب وليس من دعاة الحضارة ولا من بُناة المجتمع.


ارسل لصديق