التقوى المدنية في شهر رمضان المبارك
كتبه: حيدر الرماحي
حرر في: 2015/07/26
القراءات: 396

قال الله سبحانه في محكم كتابه العزيز: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. (سورة البقرة، الآية:183)

لعل العنوان من الناحية التركيبية يبدو غريباً بعض الشيء، كمصطلح لا وجود له في الأوساط المعرفية، أو قلّ تداوله من قبل بعض الكتّاب والباحثين. فما معنى التقوى في الأمور المدنية؟ وإذا كانت التقوى لها مساحتها الدينية والإيمانية، والمدنية لها جانبها السياسي (القانوني) وطريقة سن القوانين ونظم الدولة بما يساعد على تقدم المجتمع وازدهاره وتطوره، فما علاقة التقوى بالمدنية؟ وما علاقة المصطلحين بشهر رمضان المبارك؟ هذه الغرابة تنجلي بعد بيان مفهوم كلا المصطلحين والدخول في ثنايا البحث. أما أهمية الموضوع فإنه يكتسب قيمته من خلال ما يركز عليه من نقاط في غاية الحساسية.

 

التقوى بين المواطن والدولة

كثيراً ما نبحث عن التزام الفرد أمام قانون الدولة ولا نبحث التزام الدولة اتجاه الأفراد، وبعبارة أوضح، ما هي مسؤولية الدولة ودورها في سن القوانين للحفاظ على حرمة شهر رمضان المبارك اتجاه ما يقوم به البعض من سلوك منافي للمروءة والدين والعرف الاجتماعي؟ أو ما يمارسه بعض التجار من أساليب نفعية (براغماتية) والتلاعب بالأسواق من خلال رفع أسعار أغلب البضائع والمواد الغذائية التي يحتاجها الصائم في شهر رمضان المبارك. فالمواطن في أي دولة ما له حقوق وعليه واجبات، ولا بدّ من مراعاة كلا الجانبين من قبل الطرفين، وإلاّ جار أحدهما على الآخر. والغريب بالأمر أنه في شهر الانضباط يحصل الانفلات الرقابي والجشع المالي والتجاري.

ولكي تتضح معالم الموضوع وتتحدد دلالة كلماته لا بدّ من تعريف مصطلحي «التقوى» و «المدنية».

التقوى لغة: والتَقْوى: «أصْلُه وَقْوى. والتُّقاةُ والتُقى: من وَقَيْتُ. واتَّقْ رَبَّكَ - مُسَكَنٌ-. وتَقَا يَتْقى. وتَقَاهُ يَتْقِيْهِ: أي اتَّقَاه».(1) والوقاية: «حفظ الشيء ممّا يؤذيه ويضرّه. يقال: وقيتُ الشيء أقيه وِقاية ووِقاءً. قال: فوقاهم الله، ووقاهم عذاب السعير، وما لهم من الله من واق، ما لك من الله من وليّ ولا واق، قوا أنفسكم وأهليكم ناراً».(2)

التقوى اصطلاحاً: «جعل النفس في وقاية مما يخاف - أي ان تجعل بينك وبين ما يغضب الله وقاية- وحفظ النفس عمّا يؤثِم، وذلك بترك المحظور، ويتمّ ذلك بترك المباحات، لما روي: الحلال بيّن والحرام بيّن، ومن رتع حول الحمى فحقيق أن يقع فيه».(3)

أما تعريف المدنية لغةً: «مَدَنَ بالمكان: أقام به. ومنه سمِّيت المَدينَةُ، وهي فَعيلَةٌ، وتجمع على مَدائِنَ بالهمز، وتجمع أيضاً على مُدْنٍ ومُدُنٍ. وفلان مَدَّنَ المَدائِنَ، كما يقال: مَصَّرَ الأمْصارَ. وإذا نسبت إلى مَدينَةِ الرسول، صلى الله عليه وآله، قلت مَدَنيٌّ».(4)

والمدنية اصطلاحاً: «لقد عرفها بعض العلماء بأنها: التطور المادي والتقني والفني وكل ما يتصل برفاه الإنسان وراحته ورقيه من خلال سيطرته على الطبيعة. وعرفها آخرون بأنها: مظاهر العمران والتقدم المادي والعلمي وهي الأشكال المادية التي تنتج عن الحضارات أو العلم».(5)

وبما ان المسؤول الأول عن توفير وسائل التقدم والانضباط للشعب هي الحكومة وما تشرعه من قوانين وما تضعه من أنظمة، لذا كان الساسة الذين هم في قمة الهرم الحكومي بشكل عام، من تقع على عاتقهم مهمة توفير وسائل التقدم للوصول إلى الحضارة القرآنية والمدنية الإسلامية. وهذا لا ينفي مسؤولية باقي افراد الشعب بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم، لكن بما أن الدولة هي المتصدية لقيادة البلد وإدارة شؤونه على كافة الأصعدة، كانت هي المسؤول الأول والمباشر. 

 

رقابة حكومية لترسيخ التقوى المدنية

 تحدث في كل شهر رمضان يمر بنا بعض المسائل التي ينبغي للدولة ان تكون لها اليد الطولى للسيطرة عليها، ومنها؛ - على سبيل المثال لا الحصر - ارتفاع أسعار معظم المواد الغذائية التي يحتاجها الصائم مائدته الرمضانية، وهذا ان دلّ على شيء فإنما يدل على ضعف الجانب الرقابي للدولة على السوق وحجم الجشع المفرط من قبل بعض التجار، الذين لا أكون مبالغاً إن وصفتهم بـ «مصاصي دماء الفقراء والأبرياء».  

قد يكون لنظرية العرض والطلب الاقتصادية بعض الأثر في إحداث ذلك. ولكن هذا لا يبرئ ساحة الحكومة؛ لأنها المسؤول المباشر عن سير أمور المواطنين وضمان طرق المعيشة وتوفير وسائل الراحة، لذا بإمكان الدولة وما تمتلكه من إمكانات أن توفر للمواطن البسيط السلة الغذائية الكاملة والتي تكفيه طيلة شهر رمضان المبارك عن طريق وزارة التجارة هذا أولاً.

وثانياً: بإمكانها ان تسيطر على تغييرات السوق وما يحدث به من هبوط أو ارتفاع قيمة بعض البضائع والمشتريات الرئيسية للمواطن.

كيف بنا ونحن بلد إسلامي وعندنا شهر رمضان الذي يُعد شهر الخير والبركة وشهر التآلف والتوادد، وإذا به يتحول الى شهر ضيم وابتلاء على العوائل الفقيرة، توجد مسألة فقهية تقول: «يكره الربح على المؤمن إلاّ مع الضرورة، وعلى من يَعِده بالإحسان».(6) علماً أنه لا يجوز شرعاً الخوض في التجارة إلاّ بعد معرفة مسائلها الشرعية.

إن التقوى الإيمانية، وتطبيقاتها داخل المجتمع الإسلامي، لهي كفيلة بصنع الدعائم الأساس للتمدن الإسلامي الذي يقوم «ويشمخ بنيانه على أسس رصينة متماسكة أصلها ثابت وفرعها في السماء يشكّل التوحيد محورها في الآفاق لتصل إلى كلّ زاوية وموضع يعرضان لها، فهو المصدر الذي يُصدر أشعة الخير وضياء الفضيلة».(7)

وهذا هو أساس عدم ابتعاد التقوى عن المدنية والتمدّن. فالتقوى في الأمور المدنية: هي أن تلتزم الدولة أمام افراد شعبها في أن تعمل بكل صدق وأمانة على توفير كافة سُبل الراحة وكافة وسائل العيش الكريم. وان تفعّل الدولة اجهزتها الرقابية للحد من ظاهرة التلاعب بأسعار السوق، وللقضاء على مختلف الوان السلوكيات المنحرفة داخل المجتمع. فإن حاجة الحاكم إلى التقوى لا تقلُّ أهميةً عن حاجة المحكوم وذلك لأن «القوانين ومهما اتصفت بالعقلانية والرصانة والقدرة، فإن تحقيقها أمر في غاية التعثّر والإهمال من قبل الإنسان غير المتزوّد بزاد بالتقوى. إذ كيف لشخص أن يعمل الصالحات - تطبيق الأحكام وهو لما ينفض عن نفسه غبار الإقبال على الأخطاء والمعاصي». (8)

 

الصوم وحوافز التقوى

ويتبيّن بعد ذلك الجواب حول ما أوردنا من تساؤل في المقدمة فيما يخص علاقة مصطلح «التقوى المدنية» بشهر رمضان المبارك؛ حيث إن الدولة المدنية التي نعنيها، هي التي يلعب فيها الدين دوره الاجتماعي. «والمجتمع الإسلامي مجتمع ملتزم مسؤول، تجري الأنظمة فيه بحافز داخلي يسميه القرآن بـ «التقوى»، وهذا الحافز يخلقه الإيمان بالله، وتنميه طائفة من الواجبات في طليعتها الصيام، وان من أهداف الصيام تحقيق وازع داخلي يحافظ على حرمات المجتمع أبرزها حرمة المال»(9).

ونحمد الله سبحانه على نعمة الرسالة الإسلامية التي تملك من مقومات النجاح ومعالجة مختلف المسائل لأنها ببساطة الرسالة الكاملة والخاتمة. وقد نصّ دستور الجمهورية العراقية الجديد في «الباب الأول المادة الثانية (أولاً): الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدرٌ أساس للتشريع»(10) والحاكم والحكومة في مفهوم الشريعة الإسلامية يعملان من أجل بناء دولة الإنسان وصيانة كرامته وحماية عِرضه ومقدساته والعمل لرفاهية أفراد الشعب، وان كان قلم المواطنين لا يقرأ وصوتهم لا يُسمع، فلا يعني ذلك ان نتخلى عن مسؤولياتنا الاجتماعية وثوابتنا الدينية. بل أن نعمل جاهدين من أجل بناء واقع إسلامي بمعنى الكلمة تسود فيه الروح العالية في الانضباط والتزام القوانين.

------------

1- المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد، ج 2- ص9.

2- المفردات في غريب القرآن، الراغب الاصفهاني، ص 530، مادة «وقى».

3- المصدر السابق: ص 530.

4- الصحاح في الغة، الجوهري، ج 2: 163.

5- الثقافة والحضارة الإسلامية، إبراهيم علي محمد أحمد- ص 11.

6- شرائع الإسلام، المحقق الحلي، ج 2- ص 318، كتاب التجارة، الفصل الثاني.

7- التمدّن الإسلامي أُسسه ومبادِئُهُ، المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي - دام ظله- ص 289.

8- الحكم الإسلامي في مدرسة الإمام علي، عليه السلام، سماحة المرجع المدرسي -دام ظله- ص 71 - 72.

9- من هدى القرآن، سماحة المرجع المدرسي - دام ظله- ج 1، ص 276.

10- دستور جمهورية العراق، مجلس النواب الدائرة الاعلامية- ص 9 .


ارسل لصديق