برامج رمضانية لاكتساب النفس الرضى والسمو
كتبه: سماحة السيد محمود الموسوي
حرر في: 2015/07/26
القراءات: 691

هل تودّ أن تتعرّف على خصائص البرنامج الرمضاني وكيف يؤثر في الانسان؟ وهل تودّ معرفة القواعد الذهبية التي قام عليها برنامج الصيام؟

إذا تعرفت على كل ذلك فسوف يعينك ذلك على أمرين مهمين:

الأول: أنك سوف تمتلك خارطة واضحة عن برنامج شهر رمضان المبارك، وفائدة ذلك تكمن في أنك سوف تدخل هذا الشهر الفضيل من كل عام، وأنت واع ومستبصر بمقاصده، الأمر الذي سيجعلك تستفيد بشكل أكبر من فيوضات الله - تعالى- في هذا الشهر، و ستستوعب بشكل أكبر تلك البركة وتلك الخيرات التي لا يمكن لإنسان أن يتصورها.

الثاني: أنك ستمتلك في وعيك قواعد عامّة، ستستفيدها من هذا البرنامج الذي أعدّه الله تعالى للإنسان المسلم ليحقق هدف التقوى، حيث سيمكّنك تطبيقها في الكثير من البرامج والكثير من المقاصد التي تريد الوصول إليها في حياتك، وسوف نشير إلى تلك القواعد الهامّة.

إنك قد تكون سمعت عن بعض هذه القواعد، ولكن يمكن أن تكون سمعتها أو قرأت عنها بشكل مبعثر، وكل قاعدة في واد. الآن سترى الاتصال بين تلك القواعد في سلسلة دقيقة تمكّنك من تكوين برنامج متكامل ورؤية أشمل من ذي قبل، لتعطيك نتائج أفضل.

 

 السمو النفسي ومقدمات الإنجاز

نتحدث عن المقدمات الأساسية التي تجعل تلك القواعد في وعاء يسعها، وذلك بالحديث عن النفس، تلك المنطقة الحساسة في الإنسان، والنفس هي الأرضية التي ينبت فيها كل الصفات الحسنة وتنمو فيها الفضائل، فإن كانت أرضاً صالحة طيبة ستعطيك نتائج صالحة وطيبة، وإن كانت تلك الأرض سبخة وخبيثة، ستعطي نباتاً من نفس جنسها، فلن يحصد منها الإنسان إلا الثمر الفاسد.

النفس هي المحطة الأهم عند الإنسان، وبتقويتها يكون قوياً، وبسدادها يكون سديداً، وبضعفها يكون كذلك. يقول الله - تعالى-: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (سورة الشمس، الآية7-10)، وهي محرك أساسي ومؤثر عظيم في حياة الإنسان، وسوف نذكر هنا بعض جوانب التأثير:

 

 أولاً: تأثير النفس على العقل وقراراته

قد نظن أننا عندما نقتنع بشيء ما من جهة عقلية، ونؤمن بفكرة بأدلتها وبرهانها السديد، فإننا سوف نتبع تلك الفكرة عملياً، وسوف نمتثل لما تقتضيه، وما تستلزمه، كلا. فكم من شخص آمن بالأفكار السليمة ولكنه لم يطبقها، ولم يعطها أهمية ولم يتخذ في هذا المجال قراراً، ولم يحرّك ساكناً. السبب في هذا، أن هنالك خللاً في العلاقة بين العقل والنفس، لأن النفس لم تكن بمستوى أن تمتثل وتطبّق معطيات العقل، ولم تربّ على الخضوع لتلك الحقائق. إننا نجد أن القرآن الكريم يخبرنا عن أناس وصلوا إلى درجة اليقين، أي إنهم آمنوا عقلياً عبر الدليل والبرهان، ولكن أنفسهم قادتهم إلى طريق آخر، وهو الجحود، في قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}.

وثمة سبب آخر؛ أن النفس تتسلّط على العقل، فقد جاء عن الإمام علي، عليه السلام: «وكم من عقل أسير تحت هوى أمير».

لذلك فإن بداية التغيير من أجل الوصول إلى السمو النفسي، هو تهذيب النفس وتطويعها لقبول الحق، والإمتثال إلى الأفكار التي تنتج عن العقل، قال - تعالى-: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}. وقال الإمام علي، عليه السلام: «من لم يهذّب نفسه لم ينتفع بعقله».

إذاً؛ السمو النفسي يتكوّن بتهذيب النفس وتأديبها لكي تبتعد عن عاداتها السيئة إلى العادات الحسنة بشكل دائم، يقول الإمام علي، عليه السلام: «أيها الناس تولّوا من أنفسكم تأديبها، واعدلوا بها عن ضراوة عاداتها»، وعنه عليه السلام: «أقوى الناس من قوي على نفسه».

 

 ثانياً: تحسّس آلام الفقراء

ان الامتناع عن المفطرات المعروفة التي قررها الفقهاء، كالامتناع عن الأكل والشرب، لها علاقة بحالة التقوى، والتقوى هي هدف الصيام ومقصده، ومحلها النفس.

فأن يكون الإنسان في حالة الجوع، فهو يتحسس ويستشعر آلام الفقراء والمحتاجين، فلا يكفي أن نتعرف على واقع الفقراء من خلال قراءة المعلومات والإحصائيات العالمية التي تنقل لنا أرقاماً مهولة عن عدد الجياع والمصابين بسوء التغذية في العالم، بل لابد أن نتحسس آلامهم لكي نتعاطف معهم بشكل أكبر، فإن النفس التي تتحسس ألم الجوع، سوف تميل إلى سد تلك الحاجة، وستندفع بشكل أسرع إلى المساعدة.

وتلك النفس التي تستشعر ألم الجوع والعطش، ستكون قريبة من كل معاني السمو النفسي، ومنها واقع الآخرة، وفقر الآخر من الأعمال، وهكذا تستلهم النفس وتقبل سائر المعاني السامية.

            فعن الإمام الرضا، عليه السلام: «إنما أمروا بالصوم لكي يعرفوا ألم الجوع والعطش فيستدلوا على فقر الآخرة، وليكون الصائم خاشعاً ذليلاً مستكيناً مأجوراً محتسباً عارفاً صابراً على ما أصابه من الجوع والعطش فيستوجب الثواب مع ما فيه من الامساك عن الشهوات، ويكون ذلك واعظاً لهم في العاجل ورياضاً لهم على أداء ما كلفهم، ودليلاً لهم في الآجل، وليعرفوا شدة مبلغ ذلك على أهل الفقر والمسكنة في الدنيا فيؤدوا إليهم ما افترض الله لهم في أموالهم».

 

 ثالثاً: القرآن وتسديد النفس

بقيت فكرة مهمة في مجال تهذيب النفس من أجل تحقيق السمو النفسي، استعداداً لتقبل البرنامج الرمضاني، ومن أجل الاستفادة التامة مما يعطيه من قواعد تفيد في سائر ميادين الحياة، وهذه الفكرة هي معرفة الطريق السديد والصالح الذي تتوجه النفس نحوه، فلا يكفي أن نهذّب النفس دون أن نعرف الطريق الصحيح، فكم من أشخاص وفرق قد ضلّوا وتاهوا، حيث ابتدعوا لأنفسهم سبلاً يدّعون أنها تصلح أنفسهم، فلابد من أن يكون هناك ما يميّز الطريق الصحيح عن الطريق الخطأ للنفس، فليس أي سلوك نفسي سيؤدّي بالضرورة إلى الصواب، وليس بالضرورة سيربي النفس.

لقد جعل الله القرآن الكريم هو الفرقان بين الحق والباطل، وبه تتميز الحقائق، وعلى هديه لابد أن نسير، ووفق معطياته لابد أن تنتهج النفس منهجها، فلقد ظهرت العديد من الفرق التي تدّعي أنها توصل الإنسان إلى بناء النفس والذات والسمو النفسي وما شابه ذلك، ولكن ما الذي يميز صحة هذا عن ذاك؟

            القرآن الكريم يقوم بهذا الدور، لأنه الفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل، وعبر بصائره يمكن تمييز الأفكار، صحيحها من سقيمها، يقول تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}.

والقرآن الكريم هو الفرقان، وهو ربيع قلب الإنسان، وربيع القرآن هو شهر رمضان المبارك، كما جاء عن الامام أبي جعفر، عليه السلام: «لكل شيء ربيع وربيع القرآن شهر رمضان» . وعن أمير المؤمنين، عليه السلام: «وتعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث، وتفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب».

فشهر رمضان المبارك، يمثل القمّة للإستفادة من القرآن الكريم، وهذا الأمر يدعم ما نريد الوصول إليه وهو التسديد، كمقدمات للإنجاز الحقيقي والصائب، ومن خلال آيات القرآن الكريم يمكن أن نستكشف السبل التي تساعدنا في تحقيق ما نريد، دون أن يداخلنا الشك في عجز تلك السبل، لأنها من كلام الله - تعالى- الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

 

 رابعاً: الدعاء عروج نحو التقوى

«الدعاء معراج المؤمن». إنها كلمة، بحق عميقة. فالدعاء يعبّر عن تطلّع الإنسان ليستجيب له الله ويسهل عليه الطريق الذي يقصده. قال تعالى: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ».

ففي شهر رمضان، أنواع من الدعاء وكلها تعطي وقوداً وشحناً للنفس، ومن الدعاء الاستغفار وطلب التوبة، والتوبة هي طريق مختصر للوصول إلى التقوى، كيف؟

إن شهر رمضان المبارك هو شهر التوبة، والتوبة بدورها تحتاج إلى الاستغفار، والله من صفاته الغفار والعفوّ، فإن الأجواء مهيأة في شهر رمضان المبارك، للتوبة من كافة الجوانب، لهذا جاء الترغيب في التوبة من أجل غفران الذنوب، حيث يقول الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله: «الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر».

فلابد أن نتعلم من هذه المعادلة شيئاً مهماً، وهو أن «العفو هو أن يتجاوز عن الخطأ، فكيف أطلب شيئاً وأنا لا أؤمن به، بل لابد أن أطبقه لكي أستحق نتيجته»، عبر قانون «تخلّقوا بأخلاق الله».

فلابد أن أعفو عن الناس وأتسامح، حتى يغفر الله لي. يقول الله -تعالى- تحقيقاً لهذه القاعدة: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وقال تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى.

 

 خامساً: الإنفاق والعطاء.. ترفّع عن المادّة

إفطار الصائم، التصدّق على الفقراء وإعانة المحتاجين، سبيل لتزكية النفس وتطهيرٌ من رواسب المادة؛ لأن المال فتنة، وله جاذبية نحو المادة، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ}.

ويقول الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، في خطبته: «اتقوا النار ولو بشقّ تمرة»، وهذا يعني أنه لابد من المحافظة على الإنفاق حتى مع عدم القدرة، ولو بالقليل، لكي يدخل الإنسان في مساحة الإنفاق، ويتعود على العطاء متخلياً عن المادة، هذه الحقيقة تؤكدها آيات الله تعالى في قوله عز وجل: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.

وذلك لأن الإنفاق يزكي النفس، يقول تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم}.

 

 النتيجة

الوصول إلى حالة السمو النفسي من خلال برنامج شهر رمضان، ليرى الإنسان الأشياء على حقيقتها وتتكشف له معادن الأشياء وحقائقها، فمن الضروري أن يربي الإنسان نفسه ويروضها في شهر رمضان لتكون في غيره أفضل وأقدر. يقول الإمام علي، عليه السلام: «وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى».


ارسل لصديق