الصلاة لتهذيب النفس وإصلاح المجتمع
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2015/09/29
القراءات: 1034

 

 حق الصلاة

ذكر الإمام السجاد، عليه السلام،: «أمَّا حَقُّ الصَّلاةِ: فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَهَا وَفَادَةٌ إِلَى اللهِ، وَأنَكَ قَائِمٌ بِهَا بَيْنَ يَدَي اللهِ، فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ كُنْتَ خَلِيقاً أَنْ تَقُومَ فِيْهَا مَقَامَ العَبْدِ، الذَّلِيلِ الحَقِيرِ الرَّاغِبِ الرَّاهِبِ الخَائِفِ الرَّاجِيِ المِسْكِينِ المُتَضرِّعِ المُعَظِّمِ مَنْ قَامَ بَيْنَ يَدَيهِ بِالسّكُوُنِ وَاللإِطْرَاقِ وَخُشُوُعِ الأَطْرَافِ، وَلَيْنِ الجَنَاحِ، وَحُسنِ المُنَاجَاةِ لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَالطَّلَبِ إِلَيْهِ فِي فَكَاكِ رَقَبَتِكَ الَّتِي أَحَاطَتْ بِها خَطِيئَتُكَ، واسْتَهْلَكَتْهَا ذُنُوُبُكَ، وَتُقْبِلْ عَلَيْهَا بِقَلْبِكَ، وَتُقِيمُهَا بِحِدُوُدِهَا وَحُقُوُقِهَا....... وَلا قُوَةَ إِلا بِالله» رسالة الحقوق للإمام زين العابدين، عليه السلام.

لقد أهتم الإسلام كسائر الأديان السماوية بأمر الصلاة حتى عدّها أفضل العبادات وأهمها على الإطلاق، وهي من أفضل الأعمال، حيث سئل النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، عن أفضل الأعمال فقال، صلى الله عليه واله وسلم،: «الصلاة لأول وقتها».(1) بل عدّها الصلة الوثيقة بين العبد و ربه، وأكثر من ذلك بأن جعلها الباري عز وجل، معيار قبول بقية الأعمال العبادية، فقد قال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم،: «الصَّلاةُ عَمُود الدِين إنْ قُبِلَت قُبِلَ مَا سِوَاهَا وإنْ رُدَّت رُدَّ مَا سِواهَا».(2)

قال أمير المؤمنين، عليه السلام: «تعاهدوا أمر الصلاة وحافظوا عليها واستكثروا منها وتقربوا بها، فإنها كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا، وقد عرف قدرها رجال من المؤمنين لا يشغلهم عنها زينة متاع ولا قرة عين» ، وهي من ضمن أهم الأحكام الإسلامية الضرورية التي لا يختلف اثنان على وجوبها، وتضافرت الأخبار من بعد النصوص القرآنية المباركة على أهمية الصلاة، كما أخبر القرآن الكريم عن ابراهيم الخليل، عليه السلام، في دعائه: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ}،(سورة إبراهيم/40)، نلاحظ من خلال هذه الآية المباركة، نبيٌ يطلب من ربه التوفيق لإقامة الصلاة، فهذا يدل على أهمية الصلاة في نظر النبي إبراهيم، عليه السلام، وكذلك النبي موسى، عليه السلام، حينما أمره ربه في هذه الآية المباركة: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي،(سورة طه/14)، وهذا شعيب حينما قال له قومه: {يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا}،(سورة هود/87)، وكذلك النبي عيسى، عليه السلام، حينما حكى عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً،(سورة مريم/31)، وهذا لقمان الحكيم يأمر ابنه بالصلاة في قوله تعالى: {يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ}،(سورة لقمان/17)، فهذا يدل على أن الصلاة من التشريعات التي أهتم بها الإسلام اهتماما بالغاً قل نظيره بالنسبة إلى العبادات الأخرى، ولشدة التأكيد عليها من قبل الشارع المقدس وضع أشد العقوبات والعذاب الأليم لتاركها أو الساهي عنها.

 

 الصلاة واجب الهي

الصلاة عبادة يومية محددة الأوقات والركعات، يقف فيها المسلم بين يدي الله تعالى خمس مرات في كل يوم، يوحده ويعبده ويدعوه ويطلب منه العون والمغفرة والهداية، فمن أجل ذلك كانت الصلاة وسيلة لطهارة النفس من المعاصي والآثام ولإصلاح السلوك الإنساني وتربيته على الخير والابتعاد عن الشر، لذا قال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، مشبها الصلاة بالماء الذي يطهر الإنسان من النجاسات والأوساخ في قوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «لو كان على باب دار أحدكم نهر فاغتسل في كل يوم منه خمس مرات، أكان يبقى في جسده من الدرن شيء؟ قلنا: لا. قال: فإن مثل الصلاة كمثل النهر الجاري، كلما صلى كفرت مابينهما من الذنوب».(3)

فحينما يقف المصلي بين يدي الله سبحانه يقرأ سورة الفاتحة التي فيها الحمد لله والثناء عليه وطلب الهداية منه تعالى والاستقامة والبراءة من الضالين ومن الذين غضب الله عليهم، إنما تربي هذه النفس الأمارة بالسوء على الاستقامة وحب الخير والابتعاد عن الشر والأشرار، لذلك يقول الله سبحانه وتعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}،(سورة العنكبوت/45)، فالصلاة تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر وتربي في أنفسنا حب الله تعالى وحب الخير للناس، فالمصلي مثلا حينما يرفع يديه في الصلاة ويقول: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}،(سورة ابراهيم/41)

وقد سأل معاوية بن وهب الإمام الصادق، عليه السلام،: «عن أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى فقال: ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة، ألا ترى أن العبد الصالح عيسى بن مريم قال: «وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا».(4) وعن الامام الباقر: «بني الإسلام على خمسة أشياء، على الصلاة والزكاة والحج والصيام والولاية. قال زرارة فقلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل،لأنها مفتاحهن والوالي هو الدليل عليهن، قلت: ثم الذي يلي ذلك في الفضل؟ فقال: الصلاة، إن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، قال: الصلاة عمود دينكم».(5)

 

 تارك الصلاة في القرآن و السنة :

يقول تعالى: {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ...} (سورة المدثر/40-43)، وقال عز اسمه: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ*الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ}،(سورة الماعون/4-5) وأما في الروايات الشريفة ورد عن رسول الله أنه قال: «من تهاون بصلاته من الرجال والنساء ابتلاه الله بخمس عشرة خصلة، ست منها في دار الدنيا وثلاث عند موته وثلاث في قبره وثلاث يوم القيامة إذا خرج من قبره. فأما اللواتي تصيبه في دار الدنيا، فالأولى: يرفع الله البركة من عمره، والثانية: يرفع الله البركة من رزقه، والثالثة: يمحو الله عز وجل سيماء الصالحين من وجهه، والرابعة: كل عمل يعمله لا يؤجر عليه، والخامسة: لا يرتفع دعاؤه إلى السماء، والسادسة: ليس له حظ في دعاء الصالحين. وأما اللواتي تصيبه عند موته، فأولهن: أن يموت ذليلا، والثانية: يموت جائعا، والثالثة: يموت عطشانا فلو سقي من أنهار الدنيا لم يرو عطشه. وأما اللواتي تصيبه في قبره، فأولهن: يوكل الله به ملكا يزعجه في قبره، والثانية: يضيق عليه قبره، والثالثة: تكون الظلمة في قبره، وأما اللواتي تصيبه يوم القيامة إذا خرج من قبره، فأولهن: أن يوكل الله به ملكا يسحبه على وجهه والخلائق ينظرون إليه، والثانية: يحاسبه حسابا شديدا، والثالثة: لا ينظر الله إليه ولا يزكيه وله عذاب اليم».(6) والظاهر أن المراد بالتهاون في الصلاة في هذا الحديث هو عدم أدائها أصلا، من تهاون بالشيء بمعنى تركه، وقال: «إذا كان يوم القيامة خرج من جهنم جنس من عقرب رأسه في السماء السابعة وذنبه تحت الثرى وفمه من المشرق إلى المغرب، فيقول أين من حارب الله ورسوله؟ ثم ينزل جرائيل فيقول من تريد؟ فيقول: خمسة، تارك الصلاة....».(7)

 

 قصة عن الصلاة فيها عبر:

خرجت جماعة من إحدى الدول الإسلامية للتبليغ في دولة غربية وعند المطار في تنقلاتهم الداخلية بين الولايات، ادركتهم الصلاة فاختاروا ركنا مناسبا في صالة الإنتظار نظيفا وحددوا اتجاه القبلة بالبوصلة، وفرشوا سجاداتهم نحو القبلة وكبروا للصلاة، فكان منظرا روحانيا يستهوي القلوب ومُشعرا للآخرين، هيبة المقام وانتظام هؤلاء الرجال نحو ربهم العزيز الحميد، فتجمع بعض مَن كان في الصالة خلفهم وعلى الجوانب، يرقبون هذا المنظر غير المألوف لهم، فالبعض معجب بانتظام حركة الصف الذي يلي إمام الصلاة، فإن كبر كبروا وإن ركع ركعوا بعده، وإن سجد سجدوا، والبعض أُعجب بمنظر الجماعة في القيام وهم ينظرون إلى موضع السجود خشوعا وخضوعا في صالة متوجة بالبشر، لا يلتفتون لأحد، فاجتمع الناس حولهم استطلاعا وتعظيما، والبعض أخذ لذلك المشهد، صورا فوتوغرافية، والبعض بكاميرا فيديو مما يحملها المسافرون عادة في تلك الدول وما أكثرها، وبعد الصلاة والأذكار المسنونة، شعرت الجماعة بالإعجاب من الحاضرين وجلهم غير مسلمين، ومن تجرأ منهم الإستفسار بعد القيام من الصلاة ولف السجادات، وجدوها فرصة للدعوة إلى الله والتعريف لهم بأهمية الصلاة في حياة المسلم يؤديها في وقتها بأي بقعة كانت، وأكثر الجماعة يجيدون اللغة الانجليزية، والعجيب في القصة أن تقدم أحد الشباب العرب ظاهرا ممن يعمل في تلك الديار وخاطب الجماعة وسط الجماهير المحتفلة بهم، وبدأ يوبخهم على فعلهم ذلك والصلاة في تلك الزاوية من الصالة، وصار يهذي في الكلام، ومن جملة استنكاره عليهم قوله هذه الجملة، «الناس صعدوا للفضاء وانتم تصلون في المطارات، لقد أشعرتمونا بالحياء والخجل أمام الناس»، تبسمت الجماعة في وجهه إلا أنه ظل يكرر التوبيخ فأخذه جانبا أحد أفراد الجماعة من ذوي الحكمة والعلم ليتكلم معه، قال المبلغ لذلك الشاب: أنت عربي؟ أجاب الشاب: نعم عربي؟ هل أنت مسلم؟ أجاب الشاب: نعم مسلم. من أي دولة؟ فأجابه باسم دولته، قال المبلغ: هل تصلي؟ أجاب: لا، وهنا ضرب المبلغ ضربته وقال هل سبق لك أن صعدت إلى الفضاء مع من صعدوا؟ أجاب: المسكين لا، فقال المبلغ: يا أخي لم تصعد أنت إلى الفضاء ولا تصلي مع أنك مسلم، ونحن مثلك لم نصعد للفضاء ولكننا نصلي، فمن يفقد ً أحد الأمرين خير ممن يفقد الأمرين معا، فلا نترك الصلاة ونفقد صلتنا بالله مع افتقادنا للوصول إلى فضائه؟ فسكت الشاب ولم يجبه بكلمة وانسحب خجلا من نفسه ومن تعرضه لهم.

 

 معين تارك الصلاة:

الروايات الواردة في عقوبة المعين لتارك الصلاة عديدة، ولسانها من أشد الألسنَة مما يفهم منه عظم هذا الذنب الذي يحاول الشارع سد جميع المنافذ على من يرتكبه، فلا عجب بعد أن عرفنا أن تارك الصلاة خارج عن حد الإيمان أن يكون المعين له بهذه الصفة التي ستعرفها من هذه الأحاديث، منها: ما ورد عن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، قوله: «من أعان تارك الصلاة بلقمة أو كسرة فكأنما قتل سبعين نبيا أولهم آدم وآخرهم محمد، صلى الله عليه وآله وسلم،».(8) وقال، صلى الله عليه وآله وسلم: «من أعان تارك الصلاة بشربة ماء فكأنما حارب وجادل معي ومع جميع الأنبياء».(9) والظاهر أن المراد بمثل هذه الأحاديث ما إذا كانت الإعانة والإحسان إلى تارك الصلاة سببا في جرأته على ترك الصلاة، ولا شك أن الإحسان إلى العاصي متى ما كان سببا للجرأة، والاستمرار على المعصية حرام، يجب تركه من باب النهي عن المنكر وبناءً على ذلك إذا لم تكن معونة تارك الصلاة، سببا لجرأته على ترك الصلاة بحيث إن المعونة وعدم المعونة لا أثر لهما في تركه للصلاة، بل إن الإعانة والإحسان قد تكون أحيانا سببا لتركه الذنب، وموجبة لأدائه الصلاة، ولا شك أن الإعانة في هذه الصورة أمر حسن، بل تصبح واجبة في بعض الموارد، ومن موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وضحت لنا الصديقة فاطمة الزهراء، عليها السلام، هذا المعنى في بيان بعض فوائد الصلاة فقالت: «والصلاة تنزيها من الكبر».(10)، فالصلاة تصلح الفرد والجماعة إذ تجعلهم مرتبطين بالله تعالى يذكرونه ولا ينسونه ويوحدونه ويخلصون له الطاعة والعبودية ويكفرون بالطواغيت من الضالين والظالمين والمصلي يشعر بذلك حينما يقرأ سورة الفاتحة في الصلاة، لذلك يجب علينا أن لا نستخف بصلاتنا ونهتم بها حتى ننال شفاعة محمد، صلى الله عليه وآله، فإنها معراج المؤمن، وهي قربان كل تقي، فيجب أن نتعاهد مع الله تعالى بهذه الصلاة ونحافظ عليها ونتقرب بها، فإنها كتاب موقوت ولا يشغلنا عنها شغل شاغل من زينة ومتاع وقرة عين، ونقبل عليها بقلب صادق ملؤه الشوق لتنقلنا هذه الصلاة وتعرج بنا إلى رب العزة الذي هو الرحمن الرحيم، والخالق الباري المصور له الأسماء الحسنى، ليس أمامنا إلا عبادة الواحد الأحد بهذه الصلاة التي هي هوية كل مسلم. وهذا ما تأكده الآية القرآنية ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ،(سورة الذاريات/56) وهذه العبادة عمودها الصلاة وعنوانها لتعرج بنا نحو كمال العبودية و الاطمئنان المطلق {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}،(سورة الفجر/27-30).

--------------

1- البحار: ج79، ص226

2- بحار الأنوار:10/183/ح36

3- وسائل الشيعة:ح3487

4- الكافي:ج3، ص264

5- الكافي: ج2، ص18

6- فلاح السائل: ص22

7- البحار: ج76، ص149

8- لآلئ الأخبار: ج4، ص51

9- لآلئ الأخبار: ج4، ص51

10- بحار الأنوار: ج6ص107/ح1.


ارسل لصديق