الطريق إلى طلب الاستقامة والاستجابة وتجلياتها في سورة الفاتحة
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2018/01/04
القراءات: 252

نفكر ونصمم ونعمل بقوى وطاقات، يمدنا بها الله - تعالى -، اذ كل قوة نفكر او نصمم او نعمل بها، هي آية من آيات الله واسم من أسمائه الحسنى، يجب علينا ان نقول: باسم الله قبل كل موجة تفكير، وومضة إرادة وحركة عمل.

انه الله الذي خلقنا وهدانا، فباسمه نبتدئ كل شيء لأن كل شيء هو في الواقع آية من آياته الكبيرة.

وأسماء الله كلها مظاهر رحمتهِ، ورحمتهُ واسعة. كما نعبر عن الرحمة الشاملة التي وسعت كل شيء بـ ﴿الرَّحْمَنِ، وإن الرحمة الدائمة، التي لم تزل ولا تزال ولن تزول في المستقبل بـ ﴿الرَّحِيمِ.

وسوف تتجسد رحمة الله الدائمة في عالم الآخرة، بجنات واسعة يختص بها المؤمنون في الدنيا فهو يرحم الجميع؛ المؤمنين منهم والكافرين؛ ولابد عند ذلك ان تكون العبادة والتوجه اليه - تعالى - وحده بإخلاص، في كل صغيرة وكبيرة ونستعين به في كل شيء، كما في الحديث القدسيّ: «يا موسى، سلني كلّ ما تحتاج إليه، حتّى علف شاتك، وملح عجينك»(1).

 

 شكر النعم وتجلياتها في صفات الله الحسنى

حين نحمد الله ونذكره بصفاته الحسنى التي فيه، والتي تتجسد عمليا في نعمه الكبيرة والكثيرة علينا، وابرزها نعمة العناية الجسدية والروحية، التي جعل الله بها الانسان أكرم وأفضل من كثير ممن خلق، ولكن هذه التربية لا تخص الانسان وحده، اذ ان كل الأحياء ينعمون بتربية الله ورعايته لهم، منذ نشوئهم وحتى الممات؛ فالنبات يتلقى نعمة العناية من قبل الله، من أشعة الشمس التي لا تنقطع عنه، وماء السماء الذي يصب عليه صبّا، وأملاح الارض، والرياح اللواقح وغير ذلك؛ فكل مخلوقاته تنعم بعناية الله ورعايته الدائمة.

اذاً؛ لنقف خاشعين أمام الله سبحانه، الذي شملنا بعنايته نحن والعالم الذي من حولنا {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}، (سورة الإسراء: 44)، فحينها نلهج بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وهي الصفة التي يجب أن نذكرها دائما، كما جاء في دعاء كميل: «وَاجْعَلْ لِساني بِذِكْرِكَ لَهِجَاً، وَقَلْبي بِحُبِّكَ مُتَيَّماً»، فمن المهم أن يكون القلب متيما بحب الله عز وجل، واللسان دائما يكون لهجا بذكره - تعالى-؛ فقد بلغنا بذلك حد الخشوع لننال العناية الإلهية؛ فكل ذلك من أجل أن يصل الإنسان الى مرحلة الحب الإلهي في القلب، والذكر على اللسان، فإذا كان كذلك، فإنه من الطبيعي أن يكون هناك أيضا نور في الجوارح؛ وهو نور التعبد والطاعة؛ ليس بألسنتنا فقط، بل في قلوبنا وجوارحنا وبكل أحاسيسنا، لأنه - تعالى- يستحق الحمد والثناء عليه، كما يقول أمير المؤمنين، عليه السلام: «اللهم اني ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ولكني عبدتك لأنك أهلاً لذلك وابتغاء مغفرتك ورحمتك ورضوانك».

والصفة الأخرى التي نحمد الله عليها ونذكره بها؛ الرحمة الواسعة والدائمة فهو {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، بيد ان نعم الله ليست عبثاً وبلا حكمة؛ بل انها تهدف إلى تربية الانسان واختباره، ومن ثم جزائه على الحسنة او السيئة.

فهو إضافة الى رحمته الواسعة والدائمة، حكيم سريع الحساب شديد العقاب؛ لابد ان نخشاه ونتقي عذابه ونعمل بجد من اجل الحصول على مرضاته، لأنه ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ أي يوم الجزاء الأكبر، وحين يملك الله يوم الدين، يملك الجنة والنار والميزان والحكم بالجنة او النار؛ وهو تعبير يبدو أوسع وأشمل وافضل مصداق للتعبير عن آية {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}؛ ذلك لان المَلِكَ قد لا يملك في دولته الا شيئا واحدا فقط هو الحكم والسلطة؛ بينما الله - تعالى- يملك السلطة والهيمنة على الكون كله ويفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير.

 

 تجليات الاستقامة

واذا كان الله رب العالمين، والرحمنِ الرحيمِ، ومالكِ يومِ الدينِ، فلابد ان نخلص له العبادة ونتوجه اليه في كل صغيرة وكبيرة ونستعين به ونقول:

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، أي نعبدك وحدك ونستعين بك وحدك لا شريك لك، وعندما نتعمق قليلا في معنى هذه الآية المباركة نجدها تلخص فلسفة الحرية الإنسانية بصورة متينة.

فمادامت الأسماء الحسنى لله - تعالى- التي منها ضمان حرية الانسان؛ اذاً فلنترك الأصنام التي تُعبد من دون الله لأنها لا تتصف بشيء من تلك الصفات، فلا هي رب ولا رحمن ولا تملك جزاءً وعقاباً، وحين نترك الأصنام الصامتة (كالحجارة) او الناطقة (كالذين يُعبَدون من دون الله) آنئذ نكون على الصراط المستقيم.

ولكن ليس بهذه السهولة نستطيع ان نحقق الاستقامة، لان التخلص من الأصنام مهمة صعبة للغاية، وعلى الانسان ان يضع أمامه هدفاً صعباً ليحققه في الحياة هو الاستقامة.

لذا يجب عليه أن يسعى من اجل تحقيقه بجد ومثابرة، وذلك عبر ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: التصميم على الاستقامة

لن يكون التصميم على الاستقامة جاداً إلا اذا عرف الانسان ان في الحياة طرقا شتى لا تؤدي به الى أهدافه المنشودة، وان هناك طريقاً واحداً فقط هو الذي يوصله اليها؛ والتعرف على هذا الطريق والسير فيه هو من واجباته التي عليه ان يسعى لتأديتها، وليست من نعم الله الطبيعية عليه، مثلا؛ كنعمة البصر، حيث يولد الطفل بصيرا؛ كما وأن الآية 112 من سورة هود تخاطب النبي، صلى الله عليه وآله، ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ليحث المسلمين عليها، ولأهمية الاستقامة ومتعلقاتها، ولصعوبة الموضوع وأهميته عند النبي، صلى الله عليه وآله، لقوله: «شيبتني سورة هود».

وقد لا تكون الاستقامة أبدية، بسبب عواصف الشهوات وأمواج الضغوط الاجتماعية والحواجز النفسية، ووساوس الشيطان، تلعب بقلب الانسان كما تلعب الأعاصير بريشة الطائر.

ونعمة الهداية التي وهبها الله للأبرار ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، أي: التي تؤدي طبيعيا الى الانتفاع بسائر نعم الله، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا؛ فما دامت الاستقامة نعمة توهب، فعليه ان يظل يقظا كلما أبعدته عوامل الانحراف عن الخط، عاد اليه بفضل وعيه وثقته بالله، وبتصميمه على الاستقامة في الحياة حتى يأتيه اليقين.

وعلينا ان نعرف ان الله - تعالى- يجسد الصراط المستقيم في أشخاص منتجبين من الله تعالى كأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه السلام، وكونه، عليه السلام، أحد الثقلين - القرآن الناطق -، اذ ان الإيمان لا بد ان يكــون له رصيد واقعي لئلا يتحول الى أفكار مجردة، ربما لا تكون قابلة للتطبيق.

المرحلة الثانية: تحديد دواعي الانحراف

الضغوطات التي تسيطر على الانسان باتجاه الانحراف او تضغط عليه لكي يختار بوعي وعمد طريق الانحراف؛ مثل حب الشهوات من النساء والبنين والكماليات والتفاخر وحب السلطة وغير ذلك؛ فان من الناس ينحرفون عن الاستقامة بشهواتهم لانهم يستسلمون لضغوطاتها؛ هؤلاء يغضب الله عليهم، ويسلب منهم نور الفطرة ووهج العقل فاذا بهم في ظلمات لا يبصرون، لذلك يركز المؤمنون في دعائهم على ان تدوم لهم نعمة الهداية فيكونوا مستقيمين.

ومن ثم يقوم بطلب الرجاء بأن لا يكون من المغضوب عليهم ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ممن تعمدوا الانحراف فسلب الله منهم نعمة الهداية فظلوا منحرفين الى الأبد، أي ندعو الله عز وجل أن لا يجعلنا في زمرة هؤلاء الذين غضب الله عليهم.

المرحلة الثالثة: التخلص من عوامل الانحراف:

التي تدفع الانسان الى الانحراف من دون وعي ولا تصميم، وذلك مثل الجهل والغفلة والنسيان، حيث انها من عوامل الضلالة التي تحجب الإنسان عن سلوكه إلى طريق الاستقامة؛ فيجب التخلص منها هي الأخرى حتى تتم الاستقامة.

ومن الناس من ينحرف لجهله بالدين مع ما فيه من سعادة وخير، مثل البعض من الشبيبة الذين ابتعدوا عن قيم الله، يمينا او يسارا، وضحوا من اجل مبادئ فاسدة تضحية صادقة، هؤلاء هم الجهلاء؛ أمثال داعش والمتطرفين والتكفيريين وغيرهم، لانهم لو عرفوا الدين الصحيح على حقيقته كما بينه القرآن الكريم والسنة النبوية؛ لما توانوا عن التضحية من اجل هذه المبادئ التي تخالف الشارع المقدس؛ كذلك من المؤمنين الذين يقعون في الذنوب في ظروف معينة ثم يتوبون من قريب أو من بعيد، هؤلاء تقودهم الغفلة والنسيان؛ لذلك يدعو المؤمنون الصادقون ان يهديهم الله الى الصراط المستقيم ولا يجعلهم من ﴿الضَّالِّينَ؛ في قوله تعالى:

﴿وَلَا الضَّالِّينَ إذ ان التخلــص مــن الضلالة اللاواعية لا يكون الا بعد التخلص من الانحراف الواعي، اذ ان نور الله لا يدخل قلبا متكبرا معاندا مصمما على الانحراف، الذي أوقع نفسه فيه.

فمن أجل ذلك يحتاج الإنسان إلى تجديد حياته كل مدّة، ومراجعة الحقب الماضية ليبدأ صفحة جديدة كل يوم، في الارتباط بالله تعالى وكتابه المقدس ونبيه المرسل وأهل بيته الأبرار الميامين؛ ليضمن الاستقامة التي يطلبها في صلاته، لأن الدّين هو الحياة، لذا أصبحت سورة الفاتحة في بداية كتاب الله العظيم، وهي طريقة ربانية لبداية فتح حياة جديدة وصحيحة ومتزنة لكل من أراد أن يعرف موقعه مع الله أولاً، ومع نفسه ثانيا من خلال البصائر الموجودة في هذه السورة العظيمة.

----------------------------------------

(1) عدة الداعي بن فهد الحلي/ ص123.


ارسل لصديق