الاستقلال في اتخاذ القرار أقصر الطرق إلى الإصلاح
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2017/10/23
القراءات: 77

البناء الفكري يتكون من نتاج التجارب والخبرات والتفاعل مع المحيط الخارجي والاحتفاظ به في الذاكرة وتطبيقه على بعض المواقف التي يُواجهها الإنسان في حياته اليومية.

لا شكّ أنّ الإنسان في مرحلة عمرية معيّنة يجب عليه أن يستقلّ بفكره بشكل واعٍ وبنّاء، متبنياً أفكاراً محددة باتجاهات وأهداف معينة تجعله مستقلاً عن التأثر بأفكار الآخرين.

 

 من وحي التفكير

الحواس التي نستعملها تصيب وتُخطئ فمن الذي يصلحها؟

قطعاً؛ العقل هو الذي يقوم بهذا الدور، بأن يكشف الخطأ عند الحواس فيصلحه ايضاً، فالقلب، يعد المصدر الأول للتأثر بما موجود في الواقع الخارجي، فيتكون الحب كما تتكون الكراهية، إزاء إنسان ما، أو قضية ما، وايضاً إزاء فكرة أو معلومة من أي مصدر كان، فمن المسؤول عن تقييم وتصويب هذه الفكرة وتلك القضية؟ مثلا يعدّ وعاء يدخل فيه شيء مثل فكرة أو معلومة قد يسمى بعض الأحيان توجه، والسؤال هل هذه المعلومة تقبل أم لا؟

إن العقل يتدخل بسرعة لتحليل هذه المؤثرات على قلب الانسان ونفسه، فهل هي من الرحمن أو من الشيطان؟ دخل في عقلي من إحدى الحواس مثلا ان فلان مثلا كذا وكذا، هنا يجب تحليل هذا الكلام هل هو من الرحمن أم من الشيطان، هذا في حالة كون ان العقل يكشف أخطاء الحواس، إذاً من الذي يكشف أخطاء العقل؟

ولكن كيف ذلك؟

إن الفكر له طابقان؛ علوي وسفلي؛ الطابق العلوي هو العلم والعقل والوحي والملكوت، وهو المتصل بالملأ الأعلى، والطابق السفلي يستنبط من الطابق الأعلى، وفيها حوارية بينهما؛ من قبيل المناهج المنطقية المختلفة الغث منها والسمين؛ فيحاول هذا الإنسان الصعود الى الطابق الأعلى، ويكون ذلك من خلال تشغيل العقل الذي يُعد موهبة إلهية منحها الله - تعالى- في كل إنسان، بما يشكل نوراً من عند الله - تعالى-.

بيد أن هذا النور أعطي لكل إنسان بمقدار معين؛ فإن فُعِّل هذا العقل ولو بالمقدار البسيط، يكون الإنسان قد صعدَ إلى الطابق الأعلى، فأي فكرة تقفز الى قلبه، تكون أقرب الى الهوى من العقل، فانه سيؤشر الى هذا الخلل فوراً؛ فكرة قد توافق هواه وقد تخالفه، هنا العقل يعمل.

ومثال ذلك؛ ربما يواجه الانسان مواقف وحالات عدّة يستحسنها ويسعى لها ويتبناها من أعماق قلبه، بيد أن الحقيقة هي قبيحة وغير صالحة، والذي يكشف هذه الحقيقة هو العقل، أما لو رأى إنسان صورة معينة وعشقها وهي قبيحة، يقول له العقل هذا غير صحيح هذه الصورة قبيحة من غير الممكن أن تعشقها.

فيجب أن يكون تفكيرنا من وحي الرحمن وليس من الشيطان، كما يذكر الإمام الرضا، عليه السلام: إن «لقلب الإنسان أذنين، أذنٌ للشيطان وأذنٌ للرحمن، الشيطان يأمر والرحمن ينهى» فلا يتحول التفكير والإدراك شبهة، أي يجمع الحق مع الباطل، عند ذلك يحتاج الإنسان الرجوع إلى الله - تعالى- لغرض التمييز بين الحق والباطل لاستقامة التفكير، كما وذكر عن أمير المؤمنين عليه السلام في إحدى أحاديثه: «...فإذا غلب عقله على شهوته أصبح أعلى مرتبة من الملائكة، وإذا غلبت شهوته على عقله أصبح اردأ من الحيوان».

 

 العبودية الفكرية ومدرسة كربلاء

ولعل أبرز من يستفيد من تجميد العقل وتغييبه، وعدم إطلاقه ليقوم بدوره المحوري، هو الحاكم الطاغية الذي يجد في الانسان العاقل والمتفكّر خطراً محدقاً عليه وعلى مستقبله السياسي، فمن أجل ذلك يجب تحريك العقل وتعويده على التفكير بحرية واستقلال والخروج من دائرة الانغلاق اللاشعوري الذي يكبله بقيود الرعب والخوف والقلق، لان النشاط والحركة الواقعية للإنسان تبدأ من الإنسان نفسه، لذلك نرى ان اغلب الناس في الأجواء الاستبدادية يصابون بحالات التبلد الفكري والسياسي بحيث لا يفكر الفرد إلا بقضاء حياته اليومية وينغمس كليا في تفصيلاتها التافهة والهامشية ويتعطل عقله حينئذ كليا.

وهذا ما نتعلمه من الإمام الحسين، عليه السلام؛ ممارسة الحرية في عقولنا، والتحرر من قيود الأفكار الجاهزة والمفروضة علينا، بما يقودنا بالنتيجة الى إحساس داخلي بالاستقلال، فبدون ذلك يستحيل ان نتعلم من الحياة وان نستفيد من تجاربنا.

من هذه النماذج الرائعة الحر بن يزيد الرياحي الذي جسد أروع مثال لطريقة التفكير المستقلة، فأصبح رمزاً من الرموز التي يجب أن يُحتذى بها في عدم الانقياد للثقافات الدخيلة وغير الأصيلة، فقد تميّز عن غيره في معسكر عمر بن سعد، باستقلاله في التفكير بمصيره.

لذا يحذر المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي، في إحدى محاضراته، من الانجرار وراء الثقافات الباطلة التي يروّج لها علماء السوء والإعلام المضلل، فعلينا أن «نسعى إلى فهم دروس التصدي لمحاربة الباطل، من ثورة الإمام الحسين، عليه السلام، لكي نستطيع، وبفكرنا المستقل والواعي النابع من ملحمة عاشوراء، أن نوصل أهداف هذه الثورة المباركة إلى الأجيال القادمة لتتحرر من العبودية الفكرية».

لذا على ابناء الأمة الحذر من مغبة تأسيس الإيمان والعقيدة على العواطف والأفكار الوهمية، والانطلاق مستقلين في تفكيرنا السليم القائم على الفكر الأصيل والعقيدة الحقّة، حتى لا نقع في مطب التضليل والتغرير التي نلاحظها في بعض المجتمعات حيث يتم استغلال الظروف النفسية والاجتماعية الصعبة، والتي تجعل البعض يتأثرون سريعاً بالدعوات المُزوَّقة والمزينة ما دامت تُداعب عواطفهم، وأهم محرك لهؤلاء هو ما يشعرهم بالأهمية وتحقيق الذات بسبب ما يعيشونه من التخلّف والنقص والمرتبة الاجتماعية الدنيا فيتشبثون بكل داعية إذا أحس الواحد منهم بأنه سوف يكون له شأن، وهذا من شأنه أن يدفع الى أن يكون البعض، سواءً يكون طالباً في الجامعة أو تاجراً في السوق، او أي مهنة وموقع آخر، الى الهمج الرعاع الذين جاء تصنيفهم في حديث الامام علي، عليه السلام، حيث قال: «الناس ثلاثة؛ عالم رباني، وطالب على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق».

 

 ثقافة الإصلاح المستدامة

وكما هو الصراع الدائر بين الحق المتمثل بالحسين، عليه السلام، وأهل بيته وأصحابه، وبين الطرف الآخر المتمثل بمعسكر يزيد الطاغية الذي كان يُلبس القرد الألبسة الحريرية الفاخرة والجميلة، ويجلسه كثيرا إلى جانبه أكثر مما يُجلس رجال الدولة والجيش؛ حتى قال فيه الإمام الحسين، عليه السلام: «إذ قد بُليَتْ الأمة براعٍ مثل يزيد»، وإذا كان الحال كذلك فمن الطبيعي أن يمتنع الإمام الحسين، عليه السلام، عن البيعة ليزيد المنحرف سلوكيا؛ فكان جوابه، عليه السلام: «ومثلي لا يُبايع مثله».

إذ المائز التشريعي والشخصي والقيمي للحسين، عليه السلام، يجعله من المُحال أن يُبايع شخصاً فاسقاً ظالماً طاغية مثل يزيد، فلا يمكن لمعصوم أن يقُرّ بسلطة فاسدة وضالة دينيا ورسمياً.

وكون أن ثورة الإمام الحسين، عليه السلام، تتميز عن باقي الثورات بأنها كانت ثورة إصلاح وهداية لكل البشرية دون استثناء، وأنها تحيي المبادئ والقيم المقدسة في نفوس وعقول الأجيال المتعاقبة، وأعطت الدروس المشرقة عن التضحية في سبيل القيم الإسلامية والإنسانية.

لذا علينا أن نكون أحراراً مستقلين بأفكارنا ونتخلص من الرواسب التي تأثر في الفكر السليم لكي نستوعب أهداف هذه الثورة المباركة؛ حيث سعى الامام، عليه السلام، الى بناء مجتمع إسلامي وإنساني متكامل، تسود فيه الأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة، لتتحقق فيه العدالة والحرية والأخوة والمساواة وباقي القيم الإنسانية التي تحفظ حقوق وكرامة الإنسان.


ارسل لصديق