الطغيان في النعمة من أسباب زوالها
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2018/03/04
القراءات: 253

{كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى}، (سورة طه: 81)

تهتم الشريعة الإسلامية في قضية الطعام والشراب الذي يلبي حاجة الإنسان البدنية، وقد أنعم الله - تعالى- على العباد بما لا يعد ولا يحصى من أنواع الطعام والشراب، مما أوجب على العباد شكر هذه النعم واستعمالها فيما يرضي الله - تعالى-، فإن أقواماً من الناس لم يشكروا هذه النعم من طيبات الطعام والشراب؛ بل طغوا وتجبروا الى حدّ ان جلبوا على انفسهم سخط الخالق.

 

 كفران النعمة

إن الآية الكريمة تأتي في سياق الحديث عن بني إسرائيل، حيث يقول - تعالى- في الآية السابقة:

{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى}، (سورة طه: 80)، فالطغيان - بحسب الظاهر- هو في الأكل من الطيبات، وذلك بكفران النعمة، وعدم شكر النعمة والكفر بها بعد التمتع بالطيب من الاكل والشرب كما قالوا: {... يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا...}، (سورة البقرة: 61)، فإنهم كفروا بنعم الله - تعالى- التي أنزلها من طيبات الجنة.

من المقدمات نحو الكفر بالنعمة التي يجب ان نتجنبها؛ الأكل الزائد والإسراف والتبذير في الطعام الذي يحصل هذه الأيام، لاسيما في مجالس الفواتح وحفلات الأعراس، والذي على أثرها يُرمى باقي الطعام في حاويات النفايات، تصوراً منهم أن هذا نوع من كرم الضيافة متمثلاً في تقديم الأضاحي باعداد كبيرة لتقديم لحومها الوفيرة أمام الحضور، وأحياناً يكون الذبح تكريماً لرجل مهم دون غيره، حتى وصلت إلى مرحلة التباهي والتفاخر، فأصبحت ظاهرة سيئة، بل ونقمة على شريحة كبيرة في المجتمع، حيث بات على الجميع الالتزام بهذه الاعمال وإلا فان صاحب المناسبة يتعرض للتجريح والتقريع واللوم القاتل!

على الرغم من أن حاجة الإنسان للطعام أقل بكثير مما نتصور، والشاهد على ذلك، أن بعض الناس في شهر رمضان المبارك ربما يغلبهم النوم ولا يتمكنون من تناول طعام الإسحار، بيد أن الملاحظ أنهم بكامل نشاطهم في يوم الصوم، ولا فرق بين نشاطهم في شهر رمضان وبين غيرهم ممن تناولوا طعام الإسحار، وكذلك الأمر بالنسبة إلى النباتيين الذين لا يأكلون اللحوم؛ فإنه ليس هناك فرق بينهم وبين غيرهم في النشاط والحيوية.

 

 سلبيات كثرة المأكل والمشرب

ليس هناك من يقول بحرمة تناول الكثير من الطعام، ورب العالمين، هو أكرم الأكرمين، ويوم القيامة لا يُحاسب الإنسان الذي أكل رغيفين، او تناول أطباقاً متنوعة من الطعام، بيد ان النظام الاجتماعي والمنهج الصحي الذي بينه لنا أهل البيت، عليهم السلام، يُحذرانا من مغبة الإصابة بحالات مرضية للنفس والبدن بسبب الإكثار من الطعام والشراب، نذكر منها:

أولاً: سلب الحكمة

ورد في روايات أهل البيت، عليهم السلام، إشارة إلى أن الفطنة قرينة للجوع، كما روي عن النبي، صلى الله عليه وآله: «نور الحكمة الجوع»؛ أي إن الإنسان الحكيم هو الإنسان الذي يستوعب الأمور كما ينبغي، وعن الإمام علي، عليه السلام: «لا فطنة مع بطنة»؛ والفطنة حالة من النباهة والذكاء، والبطنة، تعني الأكل الكثير.

وإذن؛ فهذه المزية العقلية مرتبطة بعدم الأكل الكثير، ومن الممكن أن نوجه القضية علمياً، فالإنسان عندما يأكل، من الطبيعي أن قسماً من دمه - الذي هو طاقة البدن - يتوجه إلى الجهاز الهضمي ومن ثم ينصرف عن جهاز التفكير، الذي بدوره يحتاج إلى الدورة الدموية النشطة، ولهذا عندما يأكل الإنسان يحس بشيء من الفتور والكسل، وعدم المزاجية لقراءة كتاب بشكل متأنٍّ ومتعمق.

ثانياً: موت القلب

قال النبي، صلى الله عليه وآله: «لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، وإنّ القلوب تموت كالزروع إذا كثر عليه الماء»؛ بل لا يراد بالقلب هنا حتماً المخ والتفكير أو القلب الذي في الدورة الدموية، وإنما القلب الذي هو روح الإنسان؛ والشاهد على ذلك حالة الإنسان في شهر رمضان المبارك عند الإفطار، روي عن الإمام الصادق، عليه السلام: «للصائم فرحتان: فرحةٌ عند الإفطار، وفرحةٌ عند لقاء الله عزّ وجلّ»؛ أي إن هذا الإنسان يعيش حالة من حالات الارتياح والسكينة النفسية، فحالة الصائم عند الإفطار حالة متميزة؛ لأن هذا الجوع الذي كان معه في النهار، أعطاه شيئاً من الشفافية والنور في القلب.

ثالثاً: كثرة النوم

إن الذي يأكل كثيراً يزداد نومه، واجتماع كثرة الأكل مع كثرة النوم تجلب المضرة، فقد ورد عن الإمام علي، عليه السلام: «كثرة الأكل والنوم، يفسدان النفس، ويجلبان المضرة».

صحيح أن كُتّاب السيئات لا يكتبون عليه شيئاً؛ ولكن في نفس الوقت هذا إنسان ذهب وقته هدراً، ويوم القيامة يؤتى بهذه الساعات الفارغة، فيندم عليها.

رابعاً: عمى القلب

 إن الكلام ليس في الحرام فقط، إنما الكلام في الطعام الحلال؛ عن أمير المؤمنين، عليه السلام: «إذَا مُلِئَ البَطْنُ مِنَ المُبَاحِ؛ عَمِيَ القَلْبُ عَنِ الصَّلاَحِ»، هذه الرواية من المناسب أن نكتبها في منازلنا، في غرفة الطعام، لعلها تقيدنا، فإذا كانت هذه نتيجة من ملأ بطنه من المباح؛ فكيف إذا امتلأ بالحرام؟!.

 

 التوازن في المأكل والمشرب

إن العلاج يكمن في التأمل فيما ورد عن المعصومين، عليهم السلام، في أن المؤمن يجب أن يأكل في ثلث بطنه، كما في قولهم، عليهم السلام، المشهور: «.. فَثُلثٌ لطَعَامِهِ، وَثُلثٌ لشَرَابِهِ، وَثُلثٌ لنَفَسِهِ ..»، وهذا قياس سهل يمكن تطبيقه، كما هو المتعارف في آداب الطعام، أن يقوم عن الطعام وهو يشتهيه، بحيث لو جيء له بطعام شهي، لا يشعر بالغثيان عند شم رائحته، كما قال الإمام علي، عليه السلام، إنّ في القرآن لآيةً تجمع الطب كله: {كُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ}، (سورة الأعراف: 31).

اضافة الى ذلك فان كثرة الأكل يؤثر أيضاً على صحة الإنسان، وسلامة بدنه، مما يستدعي التوازن في المأكل والمشرب، كما يشير أمير المؤمنين، عليه السلام، إلى أن قلة الطعام فيه كرم للنفس وأدوم للصحة؛ فإن الحمية هي خير علاج، كما ذكر عن الإمام الصادق، عليه السلام: «الحمية رأس الدواء، والمعدة بيت الداء، وعوّد بدناً ما تعوّد».

لذا يجب على الإنسان أن يمتلك إرادة قوية للتحكم في شهواته وملذاته، أمام الطعام والشراب، كما في ميل البعض عند الأكل الى ملء البطن بما وجد من ألوان الطعام والشراب على المائدة من دون أن تتحكم به إرادته، فإن ملء البطن ليس فقط غير مفيد بل فيه الكثير من الأضرار على جميع أعضاء جسم الأنسان، علماً أن هناك عدداً من الآداب والسنن التي وجه إليها المعصومون، عليهم السلام، ممكن اعتمادها كقواعد صحية، كما جاء في كتاب الاخلاق والسيرة، ولعل أبرزها «مكارم الأخلاق» للشيخ الطبرسي، وهو أحد كبار علماؤنا، الى جانب ما ذكره المراجع والفقهاء في كتبهم الفقهية، منها: عندما يكون أما مائدة الطعام، يجب الأكل مما يليه، أو لا تأكل ما قد عرفت مضرته، ولا تُؤثر هواك على راحة بدنك، وغير ذلك من كلامهم، عليهم السلام.

وهناك قول مشهور للنبي محمد، صلى الله عليه وآله: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع»، أي إن الإنسان عند الانتهاء من الطعام يجب أن يقوم عن المائدة وهو راغب له.

من هنا فان تفعيل الإرادة بهدف الاعتدال في الأكل والشرب، هو بالحقيقة، تحقيق مصلحة الانسان نفسه، وضمان سلامته في الحياة بما يجعله سعيداً وهانئاً بعيداً عن أي نوع من الآلام والمنغّصات ما يتسبب بضغوط نفسية وبدنية على نفسه وأسرته بل وحتى المجتمع، إذ ان الحالات المرضية التي نراها اليوم، تنعكس سلباً بشكل أو بآخر، ليس على الأسرة فقط، وإنما على الافراد المحيطين ايضاً.


ارسل لصديق