الشخصية الإيمانية وسُبل تحقيق النجاح في المجتمع
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2016/01/10
القراءات: 777

{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ}، سورة المؤمنون/ 1-8

يتميز المؤمن الحقيقي بشخصيته المتوازنة، بحيث يتحكَّم بطاقاتها ويوجِّهها بالاتجاه الصحيح، فهو لا يسير في حياته و مواقفه وفق إملاءات النفس الأمارة بالسوء، سواء كانت شهوات سلطوية أو رغبات وأهواء تقزّم شخصيته، وتسلب هويتها وتأثيرها وحضورها، فمن عاش روح الإسلام، وجوهر قيمه، ومفاهيمه في دائرة ذاته، انعكست هذه المعايشة على محيطه، تواضعاً وامتناعاً عن نزعة التكبر والاستعلاء، فالإسلام يعمل على إشاعة العدل في نفس الإنسان، ليكون إيمانه متجذراً، بعيداً عن كل الشكليات السطحية، ليستحق رحمة الله - تعالى- ثم الوصول إلى جنته ورضوانه، يقول تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، سورة القصص/83.

وقد تجابه الإنسان أزمات؛ منها نفسية أو اجتماعية أو مالية وغيرها، فيكون فيه الأثر البالغ، تدفعه في بعض الأحيان إلى التراجع عن المضي في تحقيق أهدافه، وقد يصاب بالإحباط النفسي فينتابه القلق، و ربما يؤدي إلى أمراض لا يحمد عقباها، فما الذي يبقي الإنسان صامداً لتحمل أزمات كهذه؟ وكيف له أن يتجاوز هذه المرحلة ليحافظ على رباطة جأشه؟

 

 من أين نأخذ الروح الإيمانية؟

وردت آياتٌ كثيرةٌ عن الشخصية الإيمانية في القرآن الكريم، وكل آية تشير إلى صفةٍ أو توجيه لامتثال سلوكٍ ونحو ذلك. طبيعة تلك الآيات الكثيرة تصبُّ في المصلحة العامة والخاصة للشخصية الإيمانية، منها؛ (سورة المؤمنون) التي تبين صفات المؤمن الحقيقي، والتي يُفترض لها أن تتخطّى كل الحواجز النفسية، والعوائق الاجتماعية التي من شأنها الوصول إلى مستوى الكمال قدر المستطاع، تجسيداً لما هو مطلوب ممن ينتمي إلى رسالة السماء وفق الأطروحة القرآنية، فأشار القرآن الكريم إلى أن الشخصية الإيمانية خُلقت لتتجاوز الحالات السلبيّة التي قد تنشأ جرّاء الاحتكاك والتواصل مع الأشخاص ذات الارتباط بالشخصية الإيمانية المفترضة، فهذه صفةٌ من الصفات الواجب توفرها في الشخصية الإيمانية، ولا شك أن الإنسان بما يحمل من نوازع نفسيّة، والتي قد تنشأ من طريقة التربية التي يتلقاها من مصادر مختلفة، عليه أن يتخلص من كل حالة تؤثر سلباً على مصير حياته الاجتماعية والأسرية والروحية، كما عليه أن لا يتقمّص دور الشخصية الإيمانية المستعارة، من خلال خداع الناس واستغفالهم والتحايل عليهم؛ لأن ذلك مآله الفشل الذريع مع أقرب امتحان، ذلك أن تحقيق هذه الشخصية أمر ممكن وليس بالمستحيل، ولا هي مرهونة بالأنبياء والأولياء والصالحين، بقدر ما هي بحاجة الى السير وفق الرؤية القرآنية بشكل متدرّج، فما أن يلبس الانسان لباس العزّة، ويخلع لباس الذُلّ، يحصل على الشخصية المطلوبة من قبل الخالق عزّ وجل، قال تعالى:

{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}، سورة العنكبوت/ 69، فبمقدار الجهد الذي يبذله الانسان في تفهّم وتحقيق ما يصبو إليه، سينال نصيبه من الجُهْد الذي بَذَله، وكلّما حاول أكثر، سيأخذ نصيباً أوفر بمقدار تفكيره و إيمانه، فالشخصية الإيمانية هي التي تبقى على الأرض، وما سواها تذروها الرياح.

وللإجابة عن التساؤلات التي دارت حول السر في قدرة الإنسان على مقاومة الأزمات وتحديها، نركز على جملة واحدة؛ الروح الإيمانية فمن يمتلك هذه الروح، والقلب المفعم بالإيمان، يستطيع تجاوز الأزمات دون أي تغيير في منهجه ومسيرته.

وفي هذا الصدد يقول آية الله السيد هادي المدرسي:

(الإيمان سلاح الروح ضد الموبقات، وملجأ النفس عند الملمّات، ووسيلة المؤمنين في معترك الحياة). ثم إن الإيمان بالله تعالى يعطيك الطاقة العظمى والعزيمة، وقوة في القلب، وصفاء في الضمير، ووضوحاً في الرؤية، وثقة بالنفس، كما يقول آية الله السيد هادي المدرسي:

(في أصعب حالات المعاناة احتفظ بإيمانك، فإن الإيمان قادرٌ على زحزحة الجبال الراسيات، وتغير مجرى الرياح السافيات، وتبديل الأحزان إلى مسرَّات).

 

 تطبيقات الإيمان على الواقع

يمثل الانسجام بين الأقوال والأفعال، أو بين (النظرية والتطبيق)، ركيزة أساسية لإنضاج الشخصية الايمانية لدى الانسان، لاسيما وأن الايمان، يمثل مرتبة عالية في النفس، لا يصلها الانسان بسهولة، والى هذه الحقيقة تشير الآية الكريمة: {قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، سورة الحجرات/14، فبمقدار التطابق بين ما يدعو اليه الانسان ويحمله من قيم ومبادئ، وبين ما يطبقه على ارض الواقع، يتحدد مستوى ايمانه، وإلا كان ذلك مجرد ادعاءات شكلية فارغة. وهذا ما يوقعه في أزمة جديدة وهي (ازدواجية الشخصية)، وهو ما ينعكس فوراً على نظرة الناس إليه، حيث يفقدون الثقة بشخصيته وما يطرحه من أفكار، إذا كان هو نفسه أول من يتجاهلها، لاسيما اذا كان في مرتبة القيادة، ويتخذه الناس قدوة في حياتهم، مثل المبلغ الديني والمثقف والخطيب وغيرهم.

وقد حذر القرآن الكريم من هذه الحالة بشدة وعلى نحو صادم. قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}، سورة الصف/2-3، وقد نزلت هذه الآية في أصحاب النبي، صلى الله عليه وآله، الذين وعدوه أن ينصروه ولا يخالفوا أمره، ولا أمر أمير المؤمنين، عليه السلام، فعلم الله أنهم لا يوفون بما يقولون وقد سماهم الله (المؤمنون) بإقرارهم وإن لم يصدقوا، والمقت هنا هو أشد البُغض، كما جاء في نهج البلاغة؛ (الخُلف) يوجب المقت عند الله وعند الناس.

و رب سؤال يدور في أذهاننا عن أسباب هذه الحالة؟

يبدو أن ذلك عائد لأحد سببين:

الأول: عدم القناعة الكاملة والحقيقية بالفكرة؛ فالشخص الذي يتظاهر بإيمانه بفكرة ما، لكنه في حقيقة الأمر لا يكون كذلك في أعماق نفسه، فإن سلوكه المغاير لفكرته سيكون فاضحاً له، وهذا ما يعبر عنه الإسلام بالنفاق، أي أن يظهر المرء شيئاً لكنه لا يؤمن به حقيقة في داخله، بل يبطن نقيضه.

أما السبب الثاني: ضعف الإرادة في الالتزام. فقد يكون الشخص مقتنعاً بفكرة ما ويدعو لها، لكنه عند التطبيق ربما يواجه الصعوبات، متمثلة بالضغوطات النفسية والاجتماعية وغيرها، فتخونه إرادته، ولا يلتزم بما يؤمن به.

من هنا نجد الفرق شاساً بين الخطاب الإسلامي العام وبين الواقع الفعلي الذي يعيشه المسلمون، إذ تتردد في أوساط المسلمين أقوال كثيرة في غاية الروعة، متوّجة بآيات القرآن الكريم من قبيل: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}، و﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، و{وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}، وغيرها من الآيات الكثيرة الواردة في القرآن الكريم، ناهيك عن النصوص الواردة في السنة الشريفة للمعصومين، عليهم السلام، مع ذلك، نجد المسافة كبيرة جداً بين هذه النصوص التي تتردد في أجواء المسلمين، وبين الواقع الذي يعيشونه، ومعنى هذا؛ أن هذه الأقوال إنما تُردد فقط كمقولات مأثورة، ومنقولات تاريخية، لم تصل إلى أعماق النفوس، ولم تأخذ موقعها في الإيمان الحقيقي للقلب.

ورد عن أمير المؤمنين، عليه السلام: (كفى بالمرء جهلًا أن ينكر على الناس ما يأتي مثله)(1)، وعنه، عليه السلام، أنّه قال: (من نصب نفسه للناس إماماً، فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلّم نفسه ومؤدّبها أحقّ بالإجلال من معلّم الناس ومؤدّبهم)(2). فإلى أي مدى يلتزم هذا المتحدث نفسه ولو بجزء بسيط من أقواله؟ حينما تسود في المجتمع عينات من هذا القبيل فسيبتلى هذا المجتمع بالازدواجية المقيتة، وتنسحب مشكلة الازدواجية كذلك بين القول والسلوك على المستوى العائلي بين الأب وأفراد العائلة، فكثير من الآباء يتحدث ناصحاً أبناءه، لكنه عاجز عن نصح نفسه، وينسحب ذات الأمر بالنسبة للعائلة والأبناء حتى الصغار منهم، فعلى المرء أن يكون صادقاً في وعده، وأن لا يمارس اطلاق الوعود، ثم يتناسى الأمر، ففي هذا أثر سلبي كبير على الأبناء. كما ورد عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام: (إذا وعدتم الصغار فأوفوا لهم فإنهم يرونكم أنتم الذين ترزقونهم وإن الله تعالى لا يغضب بشيء كغضبه للنساء والصبيان)(3).

 

 أهداف إنسانية بعيدة المدى

كان للرسالة السماوية أهداف أبعد بكثير من الحدود الجغرافية والانسانية للأمة، ألا وهو نشر قيم الحق والحرية والرفاه والاصلاح الى جميع البشرية في العالم، ومن خلال هذه القيم والمبادئ، تشكلت الأمة الاسلامية على يد الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، فكانت {خير أمة أخرجت للناس}؛ ولكن كيف تحولت هذه الأمة وتغيرت بمرور الزمن حتى أصبحت عبارة عن تجمعات صغيرة ومتناثرة، بعناوين عنصرية و قومية و فئوية وغيرها؟

عندما نبتعد عن الأهداف الانسانية للرسالة، ثم تتحول الشعائر الدينية والواجبات التعبدية لدى البعض الى طقوس تؤدى لذاتها وبعيدة عن أهدافها الانسانية والاجتماعية السامية، وغاياتها الحضارية. واليوم؛ وبما ان طليعة الأمة المؤمنة رسالية في جوهرها، فهي تحارب القشرية في فهم الدين وفي ممارسة شعائره وواجباته، تحاربها لأنها الحجاب الفاصل بين الدين والمجتمع، بل والسبب في ابتعاد الناس عن الدين أحيانا لانشغالهم بأمور الدنيا، ذلك لأنها تؤدي نتائج عكسية وخاطئة، فيبدو للناس وكأن الدين ناقص أو عاجز، فالصلاة - مثلاً- موجودة ولكن الآثار الحضارية غير موجودة، علماً أنها هي هدف الصلاة الأول، فالصلاة أصبحت واجبة من أجل أن تكون معراج المؤمن الى الله، والزكاة موجودة؛ لكن دون أن تسبب المساواة الاجتماعية، وكذلك سائر الفرائض الدينية التي أخذت الأمة تؤديها بطريقة معاكسة تماماً لأهدافها، لذلك أصبحت الأمة ينظر إليها بنظرةٍ متخلفة رغم تمسكها بالدين - حسب الظاهر - مما يوحي بأن الدين لا يستطيع أن يدفع البشرية نحو التقدم والرقي، بينما العكس هو الصحيح تماما، فالدين الصحيح هو الذي يستطيع أن يعطي التقدم، فإذا فشلنا في التقدم فعلينا أن نفتش عن الأسباب في ذاتنا وأنفسنا وتطبيقنا للدين، لا أن نتهم الدين والرسالة ومن يتولى تبليغها بالعجز والنقصان.من هنا لابد من محاربة الاتجاهات القشرية، أولا: في أنفسنا بالتمسك بجوهر الدين والالتزام بكل الدين بدون نواقص، ونحاربها ثانيا: في الكيانات الطفيلية التي نمت في الأمة بسبب النظرة القشرية فيها، وحين تمكنا من الالتزام الجوهري بالدين ودحر الكيانات الطفيلية سوف نرى كيف أن الدين هو أساس إسعاد البشرية جمعاء، سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.

------------

(1)- مستدرك الوسائل 11: 314 ح13138- عن غرر الحكم ودرر الكلم.

(2)- مشكاة الأنوار: 247- مستدرك الوسائل 11: 137 ح12642.

(3)- عدة الداعي: ص58 ل، ميزان الحكمة: 21981.


ارسل لصديق