سلاح الكلمة أحدُّ من السيف
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2016/02/16
القراءات: 817

{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا * بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}، سورة آل عمران: 169 - 170، وروي عن الإمام علي، عليه السلام : «هلك خُزّان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الليل و النهار أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة»(1)

للكلمة قوة لا يستهان بها، ففي بعض الأحيان تكون رقيقة كالنسمات، وفى أحيان أخرى تعصف بمن أمامها كما تعصف الرياح بأوراق الشجر، ولها قوة نستطيع بها أن نجعل من أطفالنا رجالاً أقوياء ورحماء بينهم وأشداء على الكفار لا تأخذهم في الله لومة لائم، وهي نفس القوة لطمس عبقرية أعداء الدين الذين يريدون أن يطفئوا نور الله وإشاعة الظلم والفساد في البر والبحر، وخصوصاً لو كانت هذه الكلمة تخرج من أفواه تنطق باسم الله وضمن تعاليم السماء وتدخل في قلوب كافرة فاسدة لترعبهم على رغم مما يمتلكونه من قوة وأسلحة فتاكة أو قنابل ذرية وغير ذلك، فالكلمة القوية بأي وسيلة كانت بالكتابة أو بالخطابة أو بغير ذلك، فهي تأخذ مجراها في قلوب الأحرار لتثأر للمظلوم وتأخذ حقه من الظالم.

فالكلِمة مسؤوليَّة جسيمة؛ فهي في أمر بِمعروف، أو نهي عن منكر، أو بيان لعلم، أو ذكر لله، وما عدا ذلك فهو لغْو، ولهو حديث. لهذا كان النَّبيُّ، صلى الله عليه واله، يحدث الناس ما بلغ به من الله عز وجل من أجل أن ينقلهم من الظلمات إلى النور، ومشى على سيرته الشريفة أمير المؤمنين، عليه السلام، وكذلك الأئمة الأطهار، عليهم السلام؛ قدموا كلمات هُدمت بها عروش الطغاة، وأبرز كلمة قدمها في ذلك؛ الإمام الحسين، عليه السلام، التي هزت المسلمين من أعماقهم، فكانت كالصاعقة الكهربائية، واستطاع الإمام، عليه السلام، أن يخترق القاعدة الجماهيرية التي بناها النظام الأموي بقيادة يزيد، وكاد أن يثور الناس في بعض الحالات خلال معركة الطف.

 طريق الشهادة

وعندما تكون للكلمة هذه القوة الماحقة والتأثير العميق، فإن مصبّها الأخير يكون في الشهادة في سبيل الله، بعد أن يجد الانسان المؤمن طريقه لأداء مسؤوليته الرسالية في ظل القيادة الرشيدة التي تستمد شرعيتها من الرسول الأكرم والأئمة المعصومين، عليهم السلام. وأولى هذه المسؤوليات مقارعة الظالم لاستعادة الحقوق السليبة لأبناء الامة، من الحرية والعدالة والكرامة. يقول الإمام علي، سلام الله عليه: «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً». من هذا الحديث المبارك، انطلق الشهيد آية الله الشيخ النمر، لتجسيد مفهوم الثورة السلمية، بهدف انتزاع الحقوق المسلوبة من قبضة السلطات الجائرة المتمثلة بآل سعود، انطلاقاً من الآية المباركة: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (سورة السجدة: 24)، فرأى نفسه مكلفاً ومسؤولاٌ عن هذه الأمة المسلوب حقها ليجاهد في سبيل الله حق جهاده، وقد قال - قدس الله نفسه الزكية- في إحدى بحوثه القيمة، تحت عنوان: «ما هو الطريق»، وهذا هو سؤالنا منذ البداية، منطلقاً من قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا} ولماذا نجاهد؟ فترد علينا نفس الآية المباركة: {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ}،(سورة الحج: 78) وقال في مكان آخر: الجهاد هو أنتم المسلمون، إبراهيم سماكم مسلمين بالجهاد؛ المسلم لا ينفصل عن قيمة الجهاد، لا يمكن للمسلم أن يكون مسلماً حقيقةً من دون الجهاد؛ لأنه يسلم لله، والتسليم لله يحتاج إلى مجاهدة النفس، ومجاهدة الطاغوت؛ فهو في جهاد دائم فإذاً الطريق هو الجهاد.                 

بكلماته التي ألقاها إلى الناس أجمع وإلى الشباب بالأخص، إذ كانت كلماته من التأثير أن تخترق القلوب وتسكن في النفوس، وكان جهاده بالكلام، بعيداً عن العنف والسلاح واستهداف مؤسسات الدولة والممتلكات العامة، وهذا ما كان يوصي به الشباب، وكان كلامه واضحاً وجلياً سمعه العالم بأسره، وتأثر به، كونه تميّز بمنطق العقل والحجة والبرهان، وابتعد عن العنف والارهاب، وما كلامه إلا إثبات حقوق المسلمين بشكل عام بغض النظر عن طائفة معينة أو جهة ما، وما يدل على صحة كلامه، ما ذكره في «عريضة العزة والكرامة»، حيث طلب فيها من سلطة آل سعود تحقيق المساوات بين الناس وإعطاء الحقوق والإعتراف بالمذهب الشيعي وإثبات حقوقه وغيرها مما ذكره في هذه الوثيقة التي تحتوي على 25 فقرة. فكانت هذه الكلمات بمثابة الرصاصات في قلوب آل سعود، زادتهم طغياناً وتخبطاً، فادعت أن «هؤلاء إرهابيون خرجوا عن طاعة الأمير...»!!، لذا حاربهم بسلاحه المعتاد حتى اهتزت عروشهم من مكانها و جعل الخوف والرعب فيهم، حتى أصبح بئسهم بينهم،  كما لو كان احدهم يمشي خائفٌ يتلفت. فكان جوابه بهذه الكلمات:

«...وموتٌ بالكرامة خيرٌ من الحياة بالذل لأن الموت بالكرامة حياةٌ للكريم والحياة بالذل موتٌ للكريم. والكرامة تؤخذ ولا تستجدى وكل ما يستجدى فليس بكرامة»، كما قال، قدس سره: «لا يحق لأحد أن يلوم أو يدين المظلوم الذي سُلب حقه فسعى للمطالبة بحقه الخاص، وإنما يجب إدانة الظالم الباغي الذي سلب الحق الخاص بهذا الفرد أو بهذه الفئة».       

 شهيد الكلمة

قال سيد الشهداء الإمام الحسين، عليه السلام: «سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم....»، وقال، عليه السلام: «لو لم يكُن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعتُ يزيد»، وقال أيضاً: «أيها النّاس، إنَّكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحقَّ لأهلهِ يَكُن أرضى لله؛ ونحن أهلَ بيت محمد صلى الله عليه واله أولى بولايةِ هذا الأمر من هؤلاء المدّعين»، واقتداء بإمامه الحسين، عليه السلام، في قوله، قدس سره: «إن كنتم تملكون فرعوناً في ظلمكم فنحن نملك الحسين عليه السلام في تضحيتنا»، وقال: «كفانا سياسة ما قبل العصر الحجري، إن شبابنا اليوم يملكون شجاعة الاستشهاد في سبيل القيم والدفاع عن الحق»، وعلى هذا النهج لم يكن الشيخ النمر يملك حولاً ولا قوةً ضد القتلة الفاسدين غير صوته الصدّاح ومنطقه الحديدي، فمنح صوته ورقبته معاً لتدب في كلماته شعلة الحرية، فبهذا الصوت والكلمات المعبرة قرر أن يجاهدهم مدركاً تماماً أنهم سيسفكون دمه، لكنه كان جاهزاً لدفع ثمن الكلمة الحرة بحياته، مشهور ما قاله لهؤلاء الأشرار: «وليعلم الجميع بأن سلاحنا هو نور الكلمة والسلام؛ وسلاحهم أزيز المدافع والترهيب؛ ولكن الكلمة هي التي انتصرت على المدفع في عصر المدفع»؛ فانتصارها في عصرنا واقع لا محالة لأنه عصر الكلمة التي لا يمكن لأعتى قوة في الوجود إخراسها. فكلمة نور الكرامة والعدل والحرية والأمن حتماً ستنتصر على إرهاب المدفع والتاريخ والمستقبل شاهدان بانتصار الكلمة.

 بداية فجر الكرامة

إن أغلى ما يملكه الإنسان حياته؛ ولا يضحي بها إلا لشيء أغلى منها؛ وما من شيء أغلى من الحياة إلا القيم الرسالية والمبادئ السماوية التي لا يملكها أي مخلوق؛ والكرامة هي الصبغة لكل القيم والمبادئ؛ ولذلك كانت الكرامة وما زالت وستبقى أغلى من حياة الإنسان وأهله ووطنه، ولا قيمة لحياته من دون الكرامة. فمن هذا المنطلق توجه الشهيد الشيخ النمر بثورته العارمة ضد أعداء الإنسانية،  دفاعاً عن هذه المبادئ السامية، فأرادوا أن يوقفوا حركته المباركة فأبى الله إلا أن يتم نوره في جهوده التي باركها الباري عز وجل من خلال كلامه الذي ينب عن حقيقة الشريعة المحمدية. فمن كلماته القدسية: قال، قدس سره: «لن نرفع سيفاً ولن نقتل أحداً من أبناء الأمة الإسلامية، إنما سنقول لهم، جئنا لتصحوا ولتعرفوا أنّ اليد الأميركية والصهيونية هي التي تتصرف باسم بعض الحكام العرب، وعلى أيدي بعض الحكام العرب انما تريد تدمير الأمة الإسلامية من داخلها».

وهذه هي الحقيقة فالتعاليم الدينية واضحة، وكلنا نعيش أزمنة التقنيات والتكنلوجيا لكننا نرضخ لمفاهيم التطرف والسيف والحراب التي تحز الرقاب. فليس من المعقول أن يحكم الأرض مجموعات من المجرمين باسم الإسلام، النظام السعودي يعلن نفسه كدولة مؤسسات، ولكن ليس من المنطقي أن تتصرف كمنظمة إرهابية، فالدولة ليست منظمة وهي مسؤولة أمام العالم عن سلوكها وقراراتها السياسية والمتعلقة بحفظ المصالح العامة، والعالم لم يعد بعيداً عن بعضه، بينما مفهوم السيادة يترنح والتقارب الذي تسببه المذاهب والأديان والقوميات لا يتيح للكثير من الحكومات لتعترض وترفض وتتخذ قرارات دون الاهتمام بمواقف وتصورات الآخرين التي تتقاطع في الغالب مع بعضها البعض تبعاً للظروف والمعطيات والحوادث والعقائد.

 إعدام الشيخ النمر أظهر وجه النظام السعودي الحقيقي للعالم، وهو الوجه الإرهابي والتكفيري، كل ذلك بفضل هذه الكلمات النورانية التي جعلتهم لا يهتدون إلى طريق الصواب، فبإعدامهم هذا، يريدون أن يبينوا للشعب السعودي، إما أن تعيشوا في مملكتنا كالأنعام أو تُذبحوا كالغنم، فإنّ هذا الإعدام يؤكد أنّ الحكام السعوديين توغلوا في الفتنة وهذا يدفعهم إلى ميادين خطرة، وبإجرامهم هذا يتوعدون بالدم العالم العربي بشكل عام والإسلامي بشكل خاص، وأن النظام السعودي لا يعنيه علماء الإسلام ولا طوائف إسلامية ولا رأي عام إسلامي أو دولي، بل إنهم يستهينون بالعقول على مستوى العالم ولا يعتنون بمشاعر مئات الملايين من المسلمين، ولا يفيد معهم حوار ولا اعتدال ولا مفاوضات، إنما دأبهم المزيد من القتل وسفك دماء المسلمين بدون استثناء.

في الوقت الذي نستنكر فيه هذه الجريمة النكراء بحق هذا الطود الشامخ نحمل أملاً ونرجو من الله ان تكون دماء الشيخ النمر وروحه اليوم نوراً وضياءً للمؤمنين، وسمواً و إعزازاً لكل من حمل راية الحق، وأن ينتبه العالم الإسلامي إلى ما وراءها من كل ما يتعلق بهم، وخصوصاً ابناؤنا في القطيف والمدينة المنورة وكل أنحاء الحجاز وفي كل مكان من وطننا العربي والإسلامي، وأن لا ينجروا الى صِدَام يقصد في قتلهم وإبادتهم، بل يكونوا في حكمة وموقف حازم للوقوف بوجه هذه العملية التي ما قصدوا منها أعداء الإسلام إلا تدمير الأمة الإسلامية وجرها إلى الهاوية، سوف يثبت التاريخ أنّ هذه الجريمة النكراء ستكون بداية النهاية لهذه العائلة الخبيثة التي لا يعرف تاريخها إلا القتل والظلم والطغيان.

وقد دفع الشهيد الشيخ النمر، قدس سره، اليوم ضريبة معارضته ومجاهرته وانتقاده للحكم السعودي وهذا يعطينا أملاً  كبيراً ببزوغ فجر الكرامة والحرية بسبب إراقة هذا الدم الطاهر.

--------------

(1)- غرر الحكم ودرر الكلم


ارسل لصديق