(سورة الشعراء) ورسالة التوازن بين التسامح والحزم
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2016/03/20
القراءات: 527

{وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}، (سورة الشورى:39-43)

القرآن الكريم يبين لنا المعايير العامة التي قد تتوافر في مصداق واحد أو مصاديق متشابهة وعلينا أن نميز المعيار الآخر بالحكمة والدقة بغية تحديد المفاهيم والقيم الصحيحة، ومنها مفهوم التوازن في ساحة المواجهة على الاصعدة كافة.

وبما أن الانسان محب للأخذ أكثر من العطاء، نجده قليل الميل الى التسامح والصبر والعفو، وهي من الصفات الحسنة، بينما نلاحظ التوجه العام نحو التكالب على الدنيا والتسابق على تحقيق المصالح الخاصة وعدم التنازل عن حق معين ولو بمثقال ذرة. هنا، يأتي الخطاب القرآني ليرسم المعيار الصحيح في هذا الاتجاه، فعندما يأمر البارئ - عز وجلّ- بالعدل، لا يلبث أن يتبعها أمر بالإحسان: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان، لأن تطبيق العدل على طول الخط في الحياة، يقيدها بضوابط صارمة لا تسمح بالتقارب والتحابب بين بني البشر.

ولكن؛ السؤال هنا؛ هل ينسحب الامر على علاقة جماهير الشعب بحالة الظلم والفساد والطغيان التي يواجهها، وأن يطأطئ رأسه بذريعة التسامح؟!

إذا كان هذا غير صحيح، فعلينا أن ننظر إلى الغايات والحكم من تحقيق هذا التوازن، من خلال معرفة موضع الصبر والتسامح وموضع الحزم أو «الانتصار» للحق ومواجهة البغي، الذي جاءت به الآية الكريمة.

 

 البصيرة الأولى: الدفاع الشرعي 

أمرنا الله - تبارك وتعالى- بتحقيق توازن دقيق في ساحة المواجهة مع قوى الباطل والانحراف، فأمر الإنسان بأن يعفو ويغفر، ولكن في نفس الوقت سمح للإنسان بأن يأخذ حقه من الطغاة ويواجههم، وفي سورة الشعراء، نقرأ طريقة ثانية في قوله -تعالى-: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}، (سورة الشعراء، الآية224-227)؛ نلاحظ في آخر الآية الحديث عن الإنتصار وليس عن الغفران والصبر، خصوصاً بالنسبة إلى الشاعر الذي يمتلك موهبة التعبير عن المشاعر بشكل راقٍ، فاذا اراد الشاعر ألا يكون من الغاوين ولا تنطبق عليه الصفات الواردة في الآية الكريمة، ما عليه إلا اتباع خطوات منها؛ التصدّي للظلم والطغيان والانحراف، وعدم السكوت والركون الى الظالم.

لقد كان دعبل الخزاعي، يحمل «خشبته على ظهره»، ثلاثين سنة، ينتظر من يصلبه عليها، كما أفصح عن ذلك، لأنه شاعر صدح بقول الحق أمام سلطان جائر.

هذا النوع من التوازن يدعونا للنظر الى أمرين:

الأول: هناك شيء في القوانين السائدة يسمى «الدفاع الشرعي»، تسمح لكل إنسان أن يدافع عن نفسه وعن ماله وعن عرضه وعن وطنه دفاعاً شرعياً، وهذا النوع من الدفاع له أبواب واسعة في القوانين الحديثة.

يقال في إحصائية عالمية أن ثمانية وتسعين بالمائة من إجراءات الوقاية عن الجريمة، مصدرها الدفاع عن النفس، وليس بسبب وجود الاستخبارات أو الحكومات والقوانين، فالسارق لا يسطو على بيت وأهله موجودون فيه عادةً، والسبب في ذلك أنه يحدث نفسه، بأن أهل الدار موجودون وسيدافعون عن أنفسهم، أما الدار الذي أهله جبناء، فإنه يستأسِد عليهم ويسرقهم. لذلك قال رسول الله، صلى الله عليه وآله، «من مات دون ماله ودون عرضه، مات شهيداً».

وهذا ما يشهده العراق حالياً، حيث يزدلف المئات من خيرة الشباب المؤمن الى جبهات القتال لقتال الجماعات الارهابية والتكفيرية، وفي المقدمة تنظيم «داعش»، وقد تأكد للجميع أن لولا هؤلاء الابطال، لكانت الاوضاع غير ما هي عليه الآن. وهي تجسيد لحالة الدفاع الشرعي الذي يوجبه الشرع على الناس للتصدي للعدوان مهما كان.

والامر الثاني: يتعلق بالحياة الاجتماعية، إذ ربما يحصل نوع من التجاوز والأذى من الجار لجاره، هنا؛ من حق الجار الرد على الأذى، ولكن؛ العفو أفضل، ولربما بهذا التنازل (العفو) من شأنه إصلاح ذات البين، لذا علينا أن نكون على خطين متوازيين: العفو عند القدرةِ، فيكون فيه الإصلاح، والخط الآخر، الموقف الحازم إزاء الاستضعاف والاستكبار، فيكون التحدي أفضل، كما قال الشاعر «ابن الصيفي»:

ملكنا فكان العفو منا سجية *

بيومٍ به بطحاء مكة تُفتح

فسالت بفيض العفو منّا بطاحكم *

ولمّا ملكتم سال بالدم أبطح

فحسبكم هذا التفاوت بيننا *

فأي قبيلٍ فيهٍ أربى وأربح

ولا غرو إذ كنّا صفحنا وجرتمُ *

فكل إناء بالذي فيه ينضحُ

هذه الأبيات تتحدث عن الواقعة التاريخية في فتح مكة، عندما أطلق رسول الله، صلى الله عليه وآله، المشركين وقال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، فإن كلمة «طلقاء» لها معنى عظيم وأبعاد واسعة، منها؛ أنكم كنتم عبيد عندنا فأطلقنا سراحكم. وهذا الموقف لم يكن لولا سماحة وعفو النبي الأكرم، وموقفه الحضاري.

 

 البصيرة الثانية: المواجهة الدفاعية 

الحرب عادةً تكون في أيام معدودات، ولكن الاستعداد للحرب يستغرق وقتاً أطول، بمعنى أن يكون الانسان دائم الاستعداد للدفاع عن النفس، وهذا أمر مهم، كما في قوله تعالى: {وَأَعِدْوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَةٍ وَمِنْ رِبَاطُ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَ اللهِ وَعَدُوَكُمْ }، (سورة الأنفال، الآية:60)، ويأتي الاستعداد النفسي في المقدمة، بأن يكون الانسان في أي لحظة مستعداً لمواجة العدو، فعند ذلك يعرف العدو أن الذي يقابله يمتلك العزيمة والهمة العالية، فيعيد النظر في المواجهة وخوض الحرب.

هذه القاعدة، كما انها تنطبق في مراحل تاريخية عديدة، فإنها تنطبق ايضاً على واقعنا الحاضر، إذ أن التصدّي والوقوف بحزم أمام الباطل والطغيان، يترتب عليه نتائج كبيرة وعظيمة، كما حصل مع الشهيد آية الله الشيخ نمر باقر النمر، وكما قال سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي: بأن «ثمن شهادة الشيخ النمر هو تغيير النظام في السعودية».

من هنا؛ فان دماء جميع العلماء المجاهدين من الأولين وحتى يومنا هذا، لن تذهب سدىً، فقد أطاحت دماء علماء مثل المرجع الديني السيد محمد باقر الصدر، وآية الله السيد حسن الشيرازي، والمرجع الديني السيد محمد محمد صادق الصدر، بأعتى أنظمة المنطقة، وهو نظام صدام.

ويمكن ان نطلق على هذه التطورات السياسية، بانها آثار دنيوية لدماء علماء الدين الابطال، الى جانب الأجر المعنوي الذي يحصلون عليه يوم القيامة. وهذه الآثار والنتائج الدنيوية او الملموسة -إن صح التعبير- تحرك المشاعر وتعبئ النفوس لمزيد من التفاعل في مسيرة تغيير الواقع الفاسد، فان دم الشهيد لا يُراق على الأرض، إنما يسري في عروقنا، وكما أن دم الإمام الحسين، عليه السلام، لما يزل ويبقى يسري في عروقنا إلى يوم القيامة، فان دم جميع الشهداء يجري في عروق الناس، وهذا تجسيد الآية الكريمة: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ}، وهذه أعلى درجات التحدي.

لكن لماذا: ﴿هم ينتصرون وما معنى ذلك؟

الكثير من المفسرين يقولون جاء هنا للتأكيد، لا بأس بذلك، ولكن كذلك التأكيد له معنى، فالانتصار لا يأتي من أمريكا ولا من روسيا، إنما من أنفسنا وعلى أيدينا. فنحن ننتصر للحق لا بروح الانتقام فإنه خطأ، كما لو قتلوا منا شخصاً واحداً فنقتل منهم عشرة، وهذا غير صحيح، فنحن من مدرسة أمير المؤمنين، عليه السلام، الذي قال بحق قاتله: «ضربةٌ بضربة»، وجاء في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا، ثم يقول عز وجل: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، بمعنى أن له موقعاً آخر ينتصر من خلاله، وإذا انتصر، لا يأخذ كل حقه، إنما يعفو هو أفضل. ثم نأتي إلى الدقّة في القرآن الكريم في قوله: ﴿وَأَصْلَحَ، إذ يحصل أن يكون الانسان مدفوعاً الى الانتماء الى حزب، مثل حزب البعث المنحل في عهد الطاغية صدام، بهدف اتقاء شرهم، ثم يندم، فهذا يعفى عنه، ولكن يحصل ايضاً ان يكون هذا «البعثي» مشتركاً مع «داعش»، فهذا النوع يقتضي في قتله الإصلاح. إذن؛ الهدف الأساسي هو الإصلاح لا غير. فالإنسان يجب ألا تهيمن عليه عواطفه، فلا يجبن ثم ينتقم، إنما يعمل بما يمليه الشرع وما يقتضيه الإصلاح في المجتمع، ويكون أجره على الله، وهذا هو ديدن الأئمة الأطهار، عليهم السلام.


ارسل لصديق