من وحي الخطبة النبوية
شهر الصيام وفرصة التميّز بالتقوى والرحمة الإلهية
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2016/06/26
القراءات: 509

فرض الله -جلّ وعلا- صيام شهر رمضان لأهداف عديدة تمثل فوائد للإنسان الصائم، في مقدمتها؛ التقوى لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، (سورة البقرة: 183)، ولما كانت التقوى تحظى بمكانة رفيعة عند الله سبحانه وتعالى، إذ تُعد من حدود الشريعة الإلهية لقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}. (سورة البقرة: 187)

من هنا ينبغي الاستعداد روحياً وجسدياً وبكافة الطاقات وتعبئة نفوسنا لجعل شهر رمضان المبارك بوصلة لتجديد البيعة للسير إلى مرضات الله تعالى، وهذا يتحقق من خلال التعبئة الروحية في صفوف الامة التي يتكفلها رجال العلم وأبناء الحوزة العلمية، من خطباء وأئمة مساجد والعاملين في تعليم القرآن الكريم، وغيرهم، للاستفادة ما أمكن من الشهر الفضيل والفرصة الجديدة.

ونحن نقرأ الحديث الشريف عن صوم شهر رمضان، بأن «كم من صائم ليس له من الصوم إلا الجوع والعطش»، والحديث الشريف الآخر الذي يدعونا الى صوم حقيقي متكامل بأن «من صام صامت جوارحه»، وهذا يعني أن من أهم مصاديق الصوم، هو التقوى، وهي تتجلى في اشكال مختلفة، منها ما يكون باللسان، وبالعين، وبالسمع، وحتى بالقلب، فمن يريد الحضور على المائدة الرمضانية والحصول على الرضوان والرحمة الالهية، عليه أن يوفر الوعاء النظيف والطاهر.

 

نداء الرحمة

روى الشيخ الصدوق -رضوان الله عليه- في كتابه؛ عيون أخبار الرضا، عليه السلام، بإسناده إلى أمير المؤمنين، عليه السلام، قال إن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، خطبنا ذات يوم فقال: «أيها الناس إنه قد اقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة شهر هو عند الله أفضل الشهور وأيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي وساعاته أفضل الساعات...».

من الواضح لدى جميع العلماء من العامة والخاصة، بأن هذه الخطبة صدرت من النبي محمد، صلى الله عليه وآله، في آخر جمعة من شهر شعبان المعظم، من حيث موقع شهر رمضان المبارك، وموقعه العظيم عند الله تعالى، وأهميته لدى الناس من حيث الإعداد له، استجابة لأمر الله تعالى أولاً، ورجاء الثواب من عند الله سبحانه والتقرب إليه -عز وجل- ثانياً، بل الناس في ذلك الوقت، وكل وقت يتهيؤون لاستقباله، وذلك من خلال بيان ما له من خصائص ومميزات يمتاز بها على بقية شهور السنة، وما يكون فيه من ثواب وفضل لا ينبغي لعاقل أن يفوته.

أول ما يلاحظ في هذه الخطبة المباركة، ما جاء في مطلعها، «أيها الناس»، إذ نجد أنه، صلى الله عليه وآله، قد وجه خطابه للناس، ولم يخصه بالمسلمين، وذلك يستوجب تخصيصه بفئة خاصة من المجتمع المسلم، وأما لو كان توجيه الخطاب للناس، فذلك يعني عدم حصر المخاطب في فئة معينة، بل سوف يكون شاملاً لجميع أبناء الجنس البشري، وبجميع توجهاتهم وانتماءاتهم الدينية، فيشمل الكافر، واليهودي والمسيحي، والمجوسي، كما يشمل المسلم، وذلك أن النبي، صلى الله عليه وآله، سار في التعبير على نفس المنهج القرآني، قال تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم...}، وقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت...، فهذا يعني أن جميع ما ورد في هذا الشهر الكريم، من آثار مادية ومعنوية، ومن ثوابات، مثبتة للجميع دون فرق بين المسلم وغيره، ولكن؛ ثبوت الثواب شيء، والحصول عليه شيء آخر، ذلك لما ثبت من أن قبول العمل رهينٌ بتوفر جملة من الشروط، ومن الواضح جداً عدم توفرها عند غير المسلمين.

بعد ذلك ثنى بوصف هذا الشهر المبارك بأنه «شهر الله» في قوله: «إنه قد أقبل إليكم شهر الله»، علماً أن لشهر رمضان أسماء كثيرة، والتي ذكر في هذه الخطبة منها، شهر «ضيافة الله» وغير ذلك من الأسماء التي تشير إلى عظمة هذا الشهر الشريف، وما له من دور فعال على الإنسان، مادياً ومعنوياً، وعلى حياته الشخصية والاجتماعية، ومع كثرة الأسماء لهذا الشهر المبارك، إلا أننا نجد أن النبي، صلى الله عليه وأله، يخص من بين تلك الأسماء تسميته بـ»شهر الله»، ولا يخفى على أحد أن جميع ما يوجد في صفحة الوجود منسوب لله سبحانه وتعالى.

 

العطاء الرباني

من ثَم يستعرض، صلى الله عليه وآله، في خطبته الشريفة، ما يتضمنه هذا الشهر من عطاءات مباركة وساعات فضيلة، فذكر في طياته ثلاثة عطاءات رئيسة؛ «البركة والرحمة والمغفرة».

عندما نأتي إلى مفردة «البركة» نرى فيها دوام الخير والثبوت بالزيادة والنماء، وقطعاً أن مُنشئ البركة هو الله تبارك وتعالى، كما قوله تعالى: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير}، (سورة آل عمران: 26) ولهذه البركة مصاديق كثيرة منها؛ البركة في زيادة النسل، والبركة في الطعام من خلال إشباع خلق كثير، بعبارة أخرى؛ أن للبركة أسباباً خارجية لابد لها أن تحصل حتى يتم تحقيق البركة، وكما أن هناك موانع حصول البركة، فمن الأسباب التي تساعد على تحقيق البركة؛ شهر رمضان المبارك، فقد جاء عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، أنه قال: «شهر رمضان شهر الله عز وجل، وهو شهر يضاعف الله فيه الحسنات، ويمحو فيه السيئات، وهو شهر البركة».

أما العطاء الثاني الذي ذكره، صلى الله عليه وآله، إنه أقبل على الناس بـ»الرحمة»، وجاءت هذه المفردة بمعنى: «الرقة» التي تقتضي الإحسان، وقد ذكر القرآن الكريم الرحمة الرحمانية والرحمة الرحيمية، علما أن الأولى؛ «الرحمن» لا تختص بشخص دون آخر، بل تشمل المحسن والمسيء، والصالح والطالح، والمؤمن والكافر وهكذا، أما الثانية؛ «الرحيم» فهي الرحمة المختصة بفئة من الناس دون غيرهم، بل هي مختصة بالمؤمنين فقط، ويؤيد هذا ما روي عن الإمام أبي عبد الله الصادق، عليه السلام، أنه قال: «والله إله كل شيء، الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بالمؤمنين خاصة».

من هنا يتضح لنا معنى إقبال شهر رمضان بالرحمة، لأنه مصداق من مصاديق الرحمة الرحمانية التي يفيضها الله - تعالى- على جميع عباده من العنصر البشري، ولا يكون فيه خصوصية للمسلمين كما ذكرنا آنفاً، نعم؛ من الممكن للمؤمن أن يجعل الرحمة الحاصلة من هذا الشهر الفضيل «رحمة رحيمية»، والتي تكون من قبله تعالى لمن يشاء من عباده المتقين، ولمن يريد أن يستفيد من هذا الشهر الشريف، فقد يتصور المؤمن أنه ماذا يجني من الرحمة الرحيمية وما هو المائز بينه وبين غيره؟ نقول: قد يتضح من أن المؤمن يمكنه الوصول لنيل الرحمة الرحيمية، ويجعل نفسه صاحب امتياز على غيره من بقية الناس المشمولين بالخطاب الإلهي.

والعطاء الثالث الذي ذكره، صلى الله عليه وآله، إنه أقبل على الناس بـ»المغفرة» وجاءت هذه المفردة بمعنى: التغطية والستر، علماء اللغة يقربون معناها اللغوي: «الشيء الذي يضعه المقاتل على رأسه»، لكونه يستر الرأس أو لدفعه الأذى عنه، من ثم استخدمت المفردة في غفران الذنوب؛ أي العفو والتجاوز عن المعاصي والذنوب التي تصدر من الإنسان مع البارئ -عز وجل- هنا يكون - تعالى- الساتر لمعاصي الصائم في هذا الشهر الفضيل، فيكون مطهراً، وبذلك يكون في منجى من العذاب.

وبالمحصلة؛ فإن المقصود من المغفرة؛ أن الله -سبحانه وتعالى- يمحو ذنوب ومعاصي الإنسان في شهر رمضان، ويزيلها من صحيفة عمله، فلا يستحق عليها عقوبة بتاتاً، وقد ورد عن النبي، الأكرم، صلى الله عليه وآله، أنه قال: «من موجبات المغفرة: إدخال السرور على أخيك المسلم، وإشباع جوعته، وتنفيس كربته»، ناهيك عما لو قضى الإنسان حاجة أخيه المؤمن، فإن ذلك من الأمور الموجبة لتحقق المغفرة، منها؛ بذل الطعام وإفشاء السلام وحسن الكلام وأداء الفرائض والتواجد في الأماكن المقدسة، مثل بيت الله الحرام، والمراقد الطاهرة للأئمة المعصومين، عليهم السلام، وصيام شهر رمضان وقيامه، وغير ذلك.

 

 فضل شهر رمضان

بعد الفراغ من بيان العطاءات الثلاثة التي بينها، صلى الله عليه وآله، في خطبته الشريفة، وبيان أفضليته عن بقية الشهور، وكون أيامه وساعاته متميزة عن غيرها، لذا إن هذا الشهر الكريم له مزية عند الله تعالى بحد ذاته، ولكن يزداد فضله بلحاظ الأعمال التي تقع في هذا الشهر، نظراً لذلك؛ فإن الأعمال التي تقع في شهر رمضان يكون جزاؤها مضاعف، سواء كانت أعمالاً حسنة أم كانت سيئة، والفضل فيه لذات الشهر.

من ثم يعرج النبي، صلى الله عليه وآله، على قضية ضيافة هذا الشهر في قوله: «هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله»، في إشارة منه الى أن الله تعالى يدعو المؤمن إلى ضيافته سبحانه، ومن ضمن مصاديق الدعوة، شهر رمضان المبارك، فإنه مأدبة خاصة لله سبحانه وتعالى، فقد ورد عن النبي، صلى الله عليه وآله، أنه قال: «إذا كان يوم القيامة ينادي المنادي: أين أضياف الله؟ فيؤتى بالصائمين، وينادي: أين رعاة الشمس والقمر؟ فيؤتى بالمؤذنين فيحملون على نجب من نور وعلى رؤوسهم تاج الكرامة ويذهب بهم إلى الجنة.

بعد الانتهاء من الفقرة الأولى من بيان أفضلية هذا الشهر عن بقية الشهور، يعرج الى الفقرة الثانية ومفادها: «واذكروا بجوعكم وعطشكم...»، أي أن الجوع والعطش في شهر رمضان، له مشابه لما يحصل يوم القيامة، فيكون هذا الشهر ايضاً، من مصاديق يوم القيامة، بعد ذلك يعرج على استحباب الصدقات واحترام الكبير والعطف على الصغير وصلة الأرحام وغير ذلك من هذه الأعمال.

بعدها، يذكر في الخطبة المباركة، أن أنفس الناس مرهونة بأعمالهم، بالاستغفار والندم على ما فات من الذنوب، بالإضافة إلى الحثّ على إفطار الصائمين، تطبيقاً لقوله: «اتقوا الله ولو في شق تمرة».

في كل الاحوال؛ ينبغي عدم التفريط بهذا الشهر الكريم، بمراجعة الذات والسلوك، من خلال الإكثار من الدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن الكريم، والتوبة إلى الله، والإحسان الى الناس، وتجنب المشين من القول والفعل، ولا ندع أمانة في عنقنا إلا أديناها، ولا في قلبنا حقداً على مؤمن إلا نزعناه، ولا ذنباً إلا أقلعنا عنه. وأخيراً نتقي الله ونتوكل عليه في السر والعلن: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}، (سورة الطلاق:3).


ارسل لصديق