الامام الــحسين عليه السلام ينتصر بتخطيط استراتيجي
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2016/11/13
القراءات: 633

وقعت أحداث دامية على أرض كربلاء بين جند الإمام الحسين، عليه السلام، وبين جيش عمر بن سعد يوم العاشر من محرم عام 61 للهجرة، انتهت باستشهاد الإمام واهل بيته وصحبه وسبي عياله.

وما وقع من أحداث يوم العاشر من محرم لم يكن وليد يومه بل كان نتيجة لصراع فكري بين مدرستين ومشروعين؛ الاول: السلطة، والذي يرى اصحابه أن بإمكانهم الاجتهاد مقابل النص، الأمر الذي فتح الباب واسعاً لتحريف الدين وإفراغه من محتواه. والثاني: المشروع الإصلاحي والتربوي، ويسعى لبناء الانسان وتحريره من كل قيود العبودية، وتؤمن بالحفاظ على النصّ والتمسك به في مقام العمل.

عندما نلقي نظرة سريعة وعامة على ظروف ما قبل يوم العاشر من المحرم نصل الى نتيجة حتمية مفادها الاتفاق على قتل الإمام الحسين، عليه السلام، وجميع من معه من رجال وعيال وأطفال، وخلال فترة قصيرة، وذلك لوجود دوافع نفسية بغيضة في نفوس القادة السياسيين والعسكريين من الحكم الأموي لإنهاء حياة الإمام الحسين، عليه السلام - مادياً طبعاً- يُضاف اليها الفارق الكبير في العدة والعدد لصالح الجيش الأموي، وأيضاً؛ عدم وجود حصون طبيعية أو قلاع عسكرية تحمي معسكر الإمام، مثل الجبال أو الغابات أو أي مانع آخر.

النتيجة المتوقعة لمثل هذه الظروف، أن يبادر عمر بن سعد الى الإطباق على الإمام الحسين، عليه السلام، وجنده بعد الإحاطة بهم من كل جانب، ويأتي على آخرهم في دقائق معدودة، كما هو واضح من خلال الفرق العددي والعدّةِ بين الجيشين.

بيد أن هذا لم يحصل! وهذا ما أوجد سؤالاً كبيراً على طاولة البحث، عن كيفية صمود معسكر الإمام الحسين، عليه السلام، أمام ذلك الجيش الهائل، وما له من عدّة وعدد؟ ولفترة طويلة قياساً بمعارك ذلك الزمان، من الفجر الى ما بعد صلاة الظهرين؟!! كما تدل الروايات على ذلك مع العلم ببقاء المعركة طويلاً من خلال تحويلها الى مواجهة فردية، كما نقل لنا الرواة من سرد الأحداث بتفاصيل معتدة. إضافة الى انه لو كانت المعركة دقائق ويقتل الجميع؛ لما وصلت لنا الأحداث التاريخية بتفاصيلها؟!

 

 رؤية استراتيجية شاملة

ولكن من خلال مجريات الأحداث التاريخية لعاشوراء، نجد أن ما حصل في معسكر الحسين، عليه السلام، خلافاً لما ينظر إلى المعركة الظاهرية بالشكل السطحي، فقد كانت للإمام، عليه السلام، استعدادات لخوض هذه المعركة الفاصلة والمصيرية، وبدأت منذ أن خرج من مكة المكرمة حتى وصل إلى أرض كربلاء، وهذه الاستعدادات البعيدة المدى تسمى حديثاً بالتخطيط الاستراتيجي، وهي كلمة أغريقية تعني «قائد الجيش»، أي: قيادة المجهود الحربي برمَّته. الاستراتيجية التي اتخذها، عليه السلام، والتي حالت دون القضاء على معسكره بالشكل الذي توقعه العدو، وجعله يهابه وينزلق في معركة ضروس يخسر فيها المئات من القتلى، يعطينا درساً في كيفية الاستعداد لمواجهة العدو، فقد قام، عليه السلام، بالخطوات التالية: 1- استطلاع المنطقة قبل وضع الخطة للمعركة، وقبل أن يصل إلى أرض كربلاء؛ والتي تتضمن جمع المعلومات الكاملة عن العدو، من حيث نواياه وتعداده، وقدراته، ومدى تنظيمه، ونوع أسلحته، وذلك من خلال اتباع عدة أساليب منها؛ استنطاق المسافرين، ومثال ذلك عندما وصلوا إلى «ذات عرق» التقى عليه السلام ببشر بن غالب، وكان قادماً من العراق، فسأله عن أهلها، فقال: خلفتهم والقلوب معك والسيوف عليك، فقال عليه السلام: صدقت يا أخا بني أسد. والأسلوب الآخر؛ تشكيل دوريات محدودة الأفراد تسير في مقدمة قواته للاستطلاع، ومثال ذلك: عندما وصل عليه السلام الى منطقة «الثعلبية» ونزل بها نظر الى سواد مرتفع فقال لأصحابه: ما هذا السواد؟ فقالوا: لا علم لنا بذلك، فقال انظروا ثانيةً، فقالوا خيل مقبلة، فقال: اعدلوا بنا عن الطريق، لأنه لا يريد مواجهة العدو كما هو معلوم قبل الوصول الى الكوفة، وفي بعض الأحيان يقوم بنفسه بالاستطلاع وتارة يستعين بالدورية. 2- تصفية قواته من حيث النوعية المخلصة له، عليه السلام؛ ممن كان مطيعاً لقيادته، تاركاً لدنياه، مروضاً نفسه لملاقاة الله تعالى، أي ما تسمى بـ «شروط الالتحاق»، علما أننا نعرف بأن العدد الذي خرج مع الامام الحسين، عليه السلام، من مكة المكرمة والذين التحقوا به فيما بعد، لم يبقَ منه سوى العدد الاخير الذي يذكره المؤرخون في ساحة المعركة، وعلى الرغم من قلّة العدد، إلا أن الامام، عليه السلام، أراد من وراء ذلك غاية للتخطيط العسكري الاستراتيجي. 3- استغل عليه السلام انبساط الأرض ليرسم خطة لحماية معسكره وعدم محاصرته من قبل العدو وتعرضه للمباغتة، فبادر الى تقليص البقعة الجغرافية للمعسكر إلى أقل ما يمكن، عن طريق مقاربته لخيام الأهل والأصحاب، وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض. 4- حفر الخندق خلف المعسكر من جهة اليمين والشمال، ليتفرغ باستقبال العدو من جانب واحد، الأمر الذي جعله، عليه السلام منسجماً مع عدد أصحابه وجنوده، ومن ثم أتى بالقصب والحطب في ساعة من الليل ثم ألقوه بالخندق وأشعلوا فيها النيران. 5- تشكيل قوس كبير من الأصحاب، ومن طرفيه يلامس الخندق ليحقق دائرة محصَّنة بتوسطها المعسكر الحسيني لحمايته؛ وهو عبارة عن ثلاثة أقواس ثانوية متضمنةً الميمنة والميسرة والقلب.

استراتيجية كهذه حولت معسكر الحسين، عليه السلام، من قتال جماعي مدافع إلى قتال فردي مهاجم، باسلوب استنزاف الطاقات، بحيث يسمى هذا المبدأ عسكريا بمبدأ «القضم، والذي يسمح للمجموعات الصغيرة من استنزاف الطاقات والقدرات للعدو ولفترة أطول بالشكل الذي كبد العدو خسائر فادحة بالأرواح، بالرغم من قوة وصلابة وصبر أصحاب الحسين، عليه السلام. وعندما حس الأعداء بعجزهم أمام مواجهة الامام، عليه السلام، وصلابة أهل بيته وأصحابه، لجأوا الى استخدام وسائل المكر والخداع وغدر المقابل؛ كضرب العباس، عليه السلام، من وراء نخلة وما شابه ذلك، أو ضرب عابس الشاكري بالحجارة وغيرها من الأساليب الدنيئة الأخرى، التي تنم عن عجز العدو وجبنه وهشاشته المعنوية بحيث ما استطاعوا قتله، عليه السلام، إلا باستخدام الحيل والمكر والغدر ولكن رغم ذلك، قام، عليه السلام، بجملة من الإجراءات العسكرية المدروسة والمحكمة، مكّنته من تحقيق الإنجازات الكبرى، بالرغم من محدودية الإمكانات التي كانت لديه.

من هنا؛ فإن التشكيلات التي كان الإمام، عليه السلام، يقف خلفها موجها وقائدا تتيح لجنده أن يهاجموا الأعداء متى امكنهم ذلك ودون أن تتأثر تشكيلاتهم، وأن يتراجعوا الى الخلف لتتراص صفوفهم اكثر اذا هاجمهم الأعداء؛ لأن المسافات ستتضاءل بينهم وبذلك يكونون مصداقا لقوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ الله وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ}، (سورة آل عمران: 173)، وقوله تعالى: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}، (سورة الأحزاب: 22)، ومن ثم تجزئة المعركة وتحويلها من قتال شامل الى قتال فردي فقد بدأ أعداؤه، عليه السلام، القتال، فدافع برفقة أصحابه معه مجتمعين إذ قال، عليه السلام، لأصحابه: «قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لابدّ منه».

إن شحة المصادر التاريخية في هذا المجال ومحدودية الوعي العسكري لرواة واقعة الطف ومؤرخيها وقتذاك، تجعل من الصعب جدا على أي باحث الإحاطة بكل الإجراءات العسكرية التي قام بها الامام، عليه السلام، في كربلاء فضلا عن قصور الباحثين انفسهم في هذا المجال والذي يحول بينهم وبين الإحاطة بتخطيط الإمام المعصوم، صلوات الله عليه وآله.

 

 الهدف من الخطة

الامام، عليه السلام، بنهضته هذه أظهر براعة واضحة في الجانب العسكري رغم ضخامة التحديات ومحدودية الإمكانات الظاهرية، كما انه اسقط كل الحجج التي يمكن أن يتذرع بها المتذرعون، من أن كثرة الظالمين وجبروتهم يمكن أن تجعل الأحرار يستسلمون لحكمهم او يروضون بهم على كل حال. ومما يؤكد هذا المعنى جواب الامام السجاد، عليه السلام، حين سأل من قبل إبراهيم بن طلحة عن الغالب في معركة الطف فأجابه الإمام، عليه السلام: «اذا أردت أن تعلم من غلب، ودخل وقت الصلاة، فأذن ثم أقم»؛ وفي ذلك إشارة واضحة لحفظ الامام الحسين، عليه السلام، للدين من خلال نهضته، كون الصلاة عماد الدين، وأن حفظ الصلاة هو حفظ للدين.

لكن مع كل ذلك نجد أنه، عليه السلام، قد أعطى عناية واضحة للجانب العسكري واستطاع من خلال سبعة وسبعين مقاتلا أن يوقع عدداً كبيراً من القتلى في صفوف الأعداء، وكاد أن يشتت شملهم لولا لجوؤهم لأساليب الغدر والاغتيال.

واذا كان الإمام، عليه السلام، قد اظهر قدرة فائقة في الجانب العسكري فإننا نتوقع أنَّ تجليات نهضته في الجوانب الأخرى السياسية والفكرية والعقائدية هي اكبر بكثير؛ لأننا اثبتنا في البداية أن الصراع العسكري لم يكن إلا وليد حلقات اعلى من الصراع السياسي والفكري والعقائدي.

 

 الانتصار العسكري والحقيقي 

حقق الامام الحسين، عليه السلام، انتصاراً ساحقاً على أعدائه يوم عاشوراء، بتفويته فرصة الاستفادة من إمكاناتهم الكبيرة، ونجاحه في الاستفادة من إمكاناته المحدودة في تنفيذ خطة استراتيجية محكمة أتت له بنتائج كبيرة في ساحة المعركة وحتى في الفترة التي سبقتها، ومن أهم النتائج؛ احتفاظه بزمام المبادرة في مواطن متعددة، وتحكمه في مكان المعركة وساعة انطلاقها، وهي وقت الظهيرة وفي وضح النهار حتى لا يبقى هنالك من لا يسمع ولا يرى. وهذا يؤكد حقيقة فشل الأعداء في تحقيق أهدافهم من شنهم الحرب ضد الإمام الحسين، عليه السلام، بالمقابل نجاح الامام، عليه السلام، في تحقيق هدفه وهو الإصلاح، ثم ترك بعد استشهاده، أخته زينب، عليها السلام، لتكون لسان الثورة، بوجود الامام السجاد، عليه السلام، الذي واصل حركة الإصلاح الحسينية منذ اللحظة الأولى لاستشهاد أبيه، عليه السلام. وهذا يكشف عن صواب حركة الامام الحسين، عليه السلام، ونجاح خطته الاستراتيجية، وانتصاره على الأعداء من خلال قول زينب عليها السلام، في خطبتها أمام الطاغية يزيد: «...كد كيدك وناصب جهدك، فو الله الذي شرفنا بالوحي والكتاب والنبوة والانتخاب، لا تدرك أمدنا ولا تبلغ غايتنا ولا تمحو ذكرنا ولا يرحض عنك عارنا وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين».


ارسل لصديق