استثمار الوقت لإنتاج علاقات اجتماعية متماسكة
كتبه: علي جواد
حرر في: 2017/09/06
القراءات: 102

يعيش الكثير من البشر فترات معينة من الزمن، ثم يرحلون عن هذه الحياة ليأتي أناس آخرون، والمقابر التي نزورها أحياناً، نلاحظ انها سواسية في الشكل بينما تضم بين طفل صغير وشيخ كبير وشاب وامرأة وربما شاب حديث الزواج، كما تضم العالم وتضم الجاهل ايضاً، فالجميع يشتركون في خط الانقطاع الواحد عن هذه الدنيا، بينما يختلفون في خطوط متباعدة من الآثار التي تركوها في الحياة، فهنالك من عاش سبعين او ثمانين سنة، ولم يترك أثراً إيجابياً حتى على عائلته وأصدقائه، هذا إن لم يكن قد خلق الكراهية بسبب سوء أخلاقه، والى جانبه شاب صغير لم يعش في هذه الحياة سوى ثلاثين عاماً - مثلاً- بيد أن الجميع يذكرونه بخير على مدى سنوات، لان هذا العمر القصير امتد عميقاً في حياة المجتمع والأمة، فكان ثمناً لبطولات في ساحة المعركة، او كان ثمناً لجهود مضنية في المراكز العلمية والبحثية.

 

 التفكير العميق في علاقات ناجحة

يتصور البعض ان فرص بناء علاقات اجتماعية ناجحة، يمكن ان تتكرر وقتما شاء، وهو تصور يجانب الحقيقة، كون الفرص مرتبطة اساساً بالزمن الذي يمر كمر السحاب، فاليوم الذي يأتي لن يكون مثل الأمس مطلقاً، فالظروف قابلة للتغير والتحول كما الأشخاص وكثير من الامور في الحياة، الأمر الذي يستوجب استثمار عامل الزمن في بناء افضل العلاقات الاجتماعية.

ولأسباب عدّة قد يتوجه البعض الى المحدود من هذه العلاقات والتي لا تبتعد كثيراً عن الذات والمصالح الخاصة، وحسناً قال سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي في إحدى محاضراته القيمة بان «واحد زائد واحد لا يساوي اثنان، كما يقره علم الرياضيات المجردة، إنما الواحد مع الواحد الآخر ربما يولدون حركة عظيمة في المجتمع وتياراً فاعلاً ومؤثراً من شأنه ان يغير الكثير في الحياة».

ومن اجل ذلك نلاحظ مختلف أشكال العلاقات في أوساطنا، وربما يفتخر البعض بسعة شبكة العلاقات لديه، من أصدقاء في المنطقة السكنية وفي مكان عمله، ثم مع موظفي الدولة ومع علماء الدين وسائر شرائح المجتمع، بيد أن هذه الشبكة ربما تكون أشبه بشبكة العنكبوت لا تبرح ان تتمزق بحركة بسيطة من الهواء، وما أن نخرج من دائرة الذات الى رحاب التكامل، سنجد الآثار الحقيقية لهذه العلاقات، وفي روايات أهل البيت، عليهم السلام، الكثير من الاحاديث التي تؤكد على ضرورة تعميق العلاقات البينية كما الأسرية والاجتماعية، والتكامل يعد أهم ركيزة لهذه العلاقات الناجحة، وهو يكون على أصعدة عدّة؛ فهو يكون عاطفياً بتبادل المشاعر الصادقة بين الزوج وزوجته، وايضاً بين الأبوين وأبنائهما، كما يكون التكامل عقلياً بالتشاور، وروحياً بالتواصي والتذاكر، وعملياً بالتعاون والتكافل.

وكلما كان مستوى علاقاتنا الاجتماعية اكثر عمقاً ونضجاً، حصلنا على المردود الأكبر خلال فترة قياسية من الزمن، فالتحولات الكبرى لدى الشعوب والأمم لا تحصل بمعجزة او بين ليلة وضحاها وبضربة حظ لهذا الشعب او تلك الأمة، إنما بطي مسافات بعيدة في فترة قياسية فيتمكن الناس من تجاوز المحن والمشاكل مهما كانت كبيرة ومعقدة، ثم يتقدمون نحو التغيير وخلق واقع أحسن.

وهذا ما نتعلمه من نبينا الأكرم، صلى الله عليه وآله، وما صنعه في مجتمع المدينة، من خلال المؤاخاة ثم نشر قيم المحبة والتعاون والتكافل وغيرها من القيم الأخلاقية والإنسانية، فتحول المجتمع المكوّن بالأساس من مهاجرين من مكة، ومن خلفية جاهلية مظلمة، ومن الأنصار سكان المدينة ممن عرفوا بالاقتتال والاحتراب سنين طوالاً فيما بينهم، وعلى يد النبي الأكرم، الى ذلك المجتمع الذي يضرب به المفكرون والمؤرخون الغربيون، المثل الأعلى في التغيير الحضاري غير المسبوق في العالم.

 

 البحث عن المرتكزات

من اجل الاستفادة من تجارب ذلك المجتمع الاسلامي الاول والمتألق، علينا البحث في عوامل نجاحه وتفوقه، بل وتجاوزه الحالة الجاهلية التي كانت تسبب له المعاناة والجهل، علماً أن المجتمع الجاهلي في الجزيرة العربية، بل وحتى المجتمعات الأخرى، كانت تسودها ثقافة معينة على ضوئها تنظم حياتها وحياة أفرادها، فهنالك العادات والتقاليد والخصال الأخلاقية، مثل الشجاعة والكرم وغيرهما، بيد أن الإسلام جاء وقدم نظاماً اجتماعياً متكاملاً للإنسانية يجعل السعادة والرخاء والتقدم ليس حكراً على جماعة دون أخرى، وإنما لجميع البشر، وكان هذا شعار الرسالة في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}.(سورة الأنبياء: 107)

فبدءاً من تحية السلام، التي حددها الإسلام بـ «السلام عليكم» ومروراً بسائر أنواع التعامل البيني والاجتماعي، فصارت الأولوية للقيم والمبادئ وليس للمصالح والأهواء، فأي حكم او حالة يشرعها الإسلام انما هي لمصلحة المجموع وليس لفرد بعينه.

إن قيم الجماعة والشعور بالمسؤولية إزاء الآخرين والتواصي والتكافل وغيرها هي التي تبث الروح والديناميكية في العلاقات الاجتماعية المنتجة، وطالما أكدت الاحاديث الشريفة على القيم الإيمانية والأخلاقية وحتى الإنسانية، ليس في العلاقات الثنائية او الجماعية، وإنما حتى في الدعاء الذي هو يمثل حالة من العلاقة الخاصة بين الانسان وربه، فقد جاء في الاحاديث التأكيد على الصلاة جماعة، والدعاء جماعة، وأداء مناسك الحج بشكل جماعي ومتراصّ لا متباعد، وفي حديث للنبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، يوصي أصحابه: «ادعوا الله بلسان لم تذنب به»، فاستفهم الأصحاب هذا الشرط، وكيف يكون للانسان لسان لم يذنب له؟، فقال: «كل يدعو لصاحبه»، بمعنى ان الانسان لا يذنب بلسان صاحبه، بل بلسانه هو، فربما يكون صاحبه إنساناً تقياً نظيف اللسان، وهكذا يستجيب الله - تعالى- لدعائنا وتوسلاتنا.

بعض الأشخاص يتوهمون باختيار الأيام العادية في المراقد المقدسة لزيارة الأئمة الأطهار بغية تحاشي الازدحام، بينما الصحيح؛ اختيار أياما يزدحم فيها الزائرون حول المراقد المشرفة، وابرزها مرقد الامام الحسين، عليه السلام، فربما يكون بين هذه الجموع إنسان يحمل صفات المتقين والأولياء الصالحين، فيكون دعاؤه ضمن دعاء الآخرين ويصعد الى السماء دون حجاب.

وحتى في الصلاة الفريضة نقرأ في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، (سورة الفاتحة: 6)، ولا نقول: «اهدني» لان المتحدث في الصلاة شخص واحد، والصلاة علاقة بين الانسان وربه، ولكن ليست هي علاقة مبتورة بين الانسان وبين سائر العباد؛ انما هي متصلة بالمجتمع، فانت تدخل الجنة ليس وحدك بل مع الآخرين، ولذلك يشفع المؤمن للمؤمن يوم القيامة.

وإذن؛ فان الحالة الإيمانية لن تكون حالة فردية، إنما يجب أن تكون حالة جماعية، فالمتوقع ان يكون التقوى والورع والزهد وسائر الخصال والصفات الأخلاقية والإيمانية، حالة تسود اكبر مساحة في المجتمع، وهذا ما يفضي الى خلق المجتمع الإيماني البناء القادر على حل مشاكله بنفسه، مهما كانت كبيرة، بينما نلاحظ الواقع الاجتماعي الحالي عجز الناس عن حل أبسط المشاكل، فيما يتعلق بالنظافة والماء والكهرباء والطريق العام وغيرها، لان الجميع لا يفكر بالجميع، فتبقى المشكلة التي تقض مضاجع الجميع تبقى على حالها بانتظار البلدية او الحكومة تأتي لحلها!

من هنا نفهم ضرورة الإسراع في تحقيق المزيد من التماسك الاجتماعي والحؤول دون خسارة الوقت وخسارة القيم والمبادئ التي يرتكز عليها البناء الاجتماعي، لاسيما وأننا في ساحة تعجّ بتنافس محموم وسريع جداً على التأثير في العقول والعواطف من خلال تقنية الاتصال السريع والمجاني المتوفر حالياً لدى الطفل الصغير كما الرجل الكبير، وايضاً لربة البيت ولطلبة المدارس والجامعات ولجميع شرائح المجتمع، حتى بات الأنترنت بكل مشتقاته من مواقع تواصل اجتماعي ومواقع دردشة وغيرها، تهدد بشكل ماحق النسيج الاجتماعي، علماً أن البعض - او ربما الكثير- يتصور ان استخدامه للأنترنت إنما هو استثمار لعامل الزمن والوقت، وهذا ربما يصدق على المهتمين بالشؤون العلمية والثقافية، بينما يشكل للآخرين وسيلة لقتل الوقت وتمزيق الأواصر الأسرية والاجتماعية في وقت واحد.


ارسل لصديق