في المشي إلى كربلاء يلتحم التنوع الإنساني
كتبه: علي جواد
حرر في: 2017/10/23
القراءات: 23

كل الطرق المؤدية الى كربلاء المقدسة، والى مرقد الامام سيد الشهداء، عليه السلام، تزدحم بالزائرين سيراً على الأقدام، وهم خليط متجانس يمثلون تنوعاً لا مثيل له، في القوميات واللغات والجنسيات، وحتى الطبقات الاجتماعية، ذاب في مسيرة المشي لأداء زيارة الاربعين بعد أن كان عبارة عن وجودات وكيانات متباعدة خارج نطاق كربلاء الحسين.

إن من يطلق عليه «مواطن» من هذا البلد أو ذاك، لن يجد نفسه غريباً في هذه المسيرة الحاشدة والمدوية، رغم أنه ربما لا يجد من يفهم لغته، لأن الهوية التي يحملها مع الملايين من البشر أنه؛ «زائر الأربعين».

ورغم ان أي إنسان محب لذاته ونفسه، وأن يجدها متميزة دائماً عن الآخرين في العلم والمال وغيرهما من أسباب التميّز، فانه ما أن يضع رجله على طريق المشاة في زيارة الأربعين، حتى يشعر بعدم الحاجة الى كل هذه التميّزات؛ لان النهضة الحسينية اكبر من جميع تلك العناوين، فالتميّز الحقيقي؛ في الانسانية التي صاغها الامام الحسين، عليه السلام، بتضحياته وبدمه، فاذا لم يجد الانسان انسانيته لن يجد أي شيء في الحياة، وهذا ما وهبه الامام، عليه السلام، لذلك الغلام التركي في ساحة المعركة عندما سقط صريعاً وفيه رمق من الحياة، فوضع خده على خده لأنه خاض المعركة ليثبت انسانيته بالحرية والكرامة بين جميع الاحرار من حوله في معسكر الامام، بخلاف أولئك الذين كانوا في الجبهة الأخرى، وهم يعدون انفسهم أحراراً ويتفاخرون بانتماءاتهم وقدراتهم، بيد أنها لم تحقق لهم السعادة الدنيوية، لانهم جعلوها محور وجودهم وكيانهم، وبخذلانهم من قبل من حاكم الكوفة؛ ابن زياد، وعدم تكريمهم بما كانوا يتوقعون، تحولوا خلال لحظة الى أذلاء خاسرين.

ولابد من التذكير بأن ذوبان الفوارق، مبدأ أسسه النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، مع تشييد الحضارة الاسلامية، عندما حارب الرقّ والعبودية وأطلق مفهوم الأخوة الاسلامية بديلاً عن العصبيات والانتماءات القبلية والفئوية، بيد أن المنهج لم يجربه المسلمون عملياً، إلا في واقعة الطف عندما اصطف الأسود مع الأبيض، والمسلم مع المسيحي والعبد مع الحر، لنصرة القيم والمبادئ ومواجهة الباطل والطغيان.

في هذا الطريق الطويل الذي يستغرق لدى البعض، أياماً عديدة وأسابيع، تتمخض فوائد جمّة للزائرين انفسهم، فهم يشقون صفوف المواكب الخدمية على مدى عشرات الكيلومترات، حيث الطعام والشراب والخدمات الطبية والمبيت وغيرها كثير، وهناك مواقف استراحة ومبيت ولقاءات و احاديث جانبية وتعاون وتكافل يحصل في الأثناء - بلا شك - بين الغني والفقير، وبين الخليجي والباكستاني، او بين العراقي وبين الأفريقي وهكذا؛ وهو من شأنه ان يذيب ، ليس الفوارق هذه المرة، إنما جبالاً من المشاكل والأزمات التي تعاني منها الأمة، ولو بشكل تدريجي، او لنقل؛ بدايات الحل، او ومضات لأفكار في حل أزمات عجز عنها الساسة والمفكرون، مثل أزمة الوعي وأزمة الحقوق وأزمة العدالة وغيرها مما تسبب لأبناء هذه الأمة أن تدفع أثماناً باهظه بالدماء والثروات الهائلة والدمار الشامل لقاء سرقة الساسة وأصحاب المصالح حق تقرير المصير، والتفكير بالنيابة والتخطيط خلف الابواب المغلقة.

مثال ذلك؛ ما يمر به الشعب العراقي من اختبار عنيف في تماسكه الاجتماعي وثقافته وهويته، فقد أثبت للعالم أجمع، وللمسلمين بأنه جديرٌ بالاقتداء والفخر ثم الدعم بمختلف الأشكال، لما قدمه من تضحيات وما يزال يسطّر الملاحم البطولية في سوح الجهاد، ومشاهد الصمود والصبر في بيوت عوائل الشهداء، وفي مشاهد التطوّع والتضامن والدعم والإسناد بمختلف أشكاله من الطلاب والتجار وغيرهم.

طبعاً؛ هذا جزء من الفوائد الممكن استخلاصها من مسيرة الحشود المليونية هذه الأيام نحو كربلاء المقدسة، وهناك الفائدة الاجتماعية، حيث تتبلور اكثر فأكثر مفاهيم التكافل والتعايش وتعميق الاخوة الاسلامية.

لذا يمكن القول: أن الزائرين الذين تخلّوا عن كل الفوارق والمميزات في كربلاء الحسين، واتحدوا في شعار واحد؛ «لبيك ياحسين»، سيعودون الى أهلهم وديارهم ومعهم روح التصدّي والمسؤولية، وتذكير الآخرين بأنهم يعيشون في سجن الحدود المصطنعة والانتماءات الضيقة التي تبعدهم عن المشكلة الحقيقية، وهي استمرار الطغاة والفاسدين في تولي أمور المسلمين.


ارسل لصديق