الشعائر الحسينية.. إماطة اللثام عن زيف الحاكمين
كتبه: علي جواد
حرر في: 2012/11/27
القراءات: 967

لم يكن أمام الملوك والسلاطين والانظمة الحاكمة سوى مسايرة مواكب المعزين بمصاب الامام الحسين عليه السلام أيام عاشوراء وأيام الاربعين، والسبب واضح جداً، فهو تحقيق الامن السياسي وكسب تعاطف الناس، وبما ان الحاكم يفكر بحياته السياسية وبقاءه حاكماً على الناس فترة أطول، فانه مجبر لأن يساير هؤلاء الناس، ويتحاشى الاصطدام بتقاليدهم وممارساتهم، لعلمه بقدسيتها عندهم. لكن قراءة سريعة لأمثلة عديدة عبر التاريخ الحديث، تبين لنا ان هذه المسايرة الكاذبة انقلبت سلباً على اصحابه، فما كان منهم إلا ان يظهروا كوامنهم القبيحة وحقيقتهم السيئة، و"تزيد الطين بلّة"، عندما تتحول مواقف ومشاهد التعاطف الكاذب الى وصمة نفاق على جبينهم طوال التاريخ. وهذه احدى معاجز الامام الحسين عليه السلام في واقعنا الاجتماعي والسياسي.

ففي العراق، وبعد اندلاع ثورة العشرين المجيدة ضد الاستعمار البريطاني، تقدم الشيعة لأول مرة على واجهة الاحداث السياسية، وظهر ايضاً الدور الريادي والفاعل لعلماء الدين والحوزة العلمية في صنع القرار السياسي، بيد أن محاولات التهميش والتضييق رافقت هذه المسيرة والتحول الجديد، في العراق وفي سائر البلاد الاسلامية. فعندما نسمع ان اول مرة تم إعلان العطلة الرسمية يوم العاشر من المحرم هو عام 1921 أي بعد فترة وجيزة من تأسيس الدولة العراقية، فيجب ان نعرف ايضاً ان أول مرة تعرضت الشعائر الحسينية للقمع والاضطهاد كان عام 1928، بمنع اقامة المواكب الحسينية، واستمر المنع والتضييق حتى عام 1958 حيث عادت الشعائر الحسينية الى سابق عهدها، ولكن لا تلبث هذه الشعائر ان تواجه العقبات في طريقها فيحدث الصدام، لان كل الشعارات التي يرفعها اهل الحكم بعد انتهاء حقبة الاستعمار، تسقط وتفقد بريقها امام هذه الشعائر ذات الجذور الاصيلة في الدين والقيم والمبادئ، وهو ما تفتقده سائر النظريات والافكار الوافدة من خارج البلاد الاسلامية. وبذلك تحول هتاف (يا حسين) صرخة بوجه المحافظ او مدير الامن او الزعيم..... وفي نفس الوقت، هي خشبة خلاص للمحرومين والمضطهدين من الجور والظلم.

وفي ايران نلاحظ حاكماً يُدعى «رضا خان» وهو ضابط في فرقة الخيالة في النظام القاجاري، وبعد انقراضه بضغط الاستعمار البريطاني أوائل القرن الماضي، تحول فجأة الى «شاه» أو ملك! فليس أمام هذا الملك الحديث النشوء سوى أن يستميل الناس في ايران والعراق بتعاطفه مع الامام الحسين عليه السلام وكذلك للأئمة المعصومين، نظراً للغالبية الشيعية في البلدين، فكان يكرر زياراته للمراقد المقدسة ويقدم للقائمين عليها المساعدات المالية والعينية. لكن ما أن تصل القضية الى الشعائر الحسينية يتلبد الجو وتكفهّر وتسوّد الوجوه وتظهر على حقيقتها، فتبدأ المطاردات والاعتقالات. وفي مرحلة لاحقة، خفف ابنه «محمد رضا شاه» الوطأة ظنّاً منه انه ينجح في خداع الناس والالتفاف على الشعائر الحسينية، فأمر باقامة المأتم الحسيني في قصره بشمال طهران، لكن في الوقت نفسه كان يمنع أصوات المكبرات تعلو من الحسينيات في جنوب العاصمة. وقد أجمع الكثير من الباحثين على أن ذكرى عاشوراء والقضية الحسينية، هي التي ألهمت الشعب الايراني درس التحدي والإقدام والإصرار على الثورة وإسقاط النظام الملكي الجائر.

إذن؛ فان دروس التحدي والإباء والتضحية، ألهمت الحسينيين العمل على خطين متوازيين: الجانب الاجتماعي والثقافي، والجانب السياسي .. ففي الجانب الاول؛ أجبرت الشعائر الحسينية، بكل تفاصيلها وأشكالها، الأنظمة الحاكمة في غير بلد، على التفكير ألف مرة قبل إصدار قرار واحد، ضد هذه الشعيرة أو تلك، أو التضييق وتحجيم المنبر الحسيني او نشاط الحسينيات وغيرها. ولابد من الاشادة هنا بكل فخر واعتزاز على دور مراجع الدين الحسينيين الذين بذلوا الكثير، حتى سمعتهم ومكانتهم من اجل استمرار هذه الشعائر و بقوة متزايدة.

وفي الجانب السياسي، تحول هتاف «يا حسين» و «حيدر»، في مواكب العزاء، وايضاً كلمات الخطباء، الى صرخات مدوية في أروقة السياسة والحكم، بل اصبحت هذه الصرخات في أيام عاشوراء والاربعين، بمنزلة الانذار الشديد بوجه هذا المسؤول وذاك، فإما أن يكفّ عن غيّه و يؤوب الى رشده، أو أن يصطدم بالشعلة الحسينية التي قطعاً تسبب له الأذى، حرقاً او سقوطاً كما هو مصير صدام و «شاه ايران» وغيرهم.


ارسل لصديق