فاتورة الديمقراطية على الجميع
كتبه: علي جواد
حرر في: 2014/05/04
القراءات: 721

في بلد حديث العهد بالممارسات الديمقراطية، مثل العراق، ليس من السهل استذواق مفردات الديمقراطية، فضلاً عن تناولها والاستفادة منها، لاسباب موضوعية عديدة، ليس أقلها الصفيح الساخن الذي يعيش عليه الناس، والظروف غير الطبيعية التي يمرون بها، لذا نجد إشكالية العلاقة بين السياسي والمواطن، ما تزال قائمة وماثلة للعيان، وتتجسد بين فترة واخرى في حوادث وحالات عديدة.

السؤال هنا؛ على من تقع فاتورة الديمقراطية..؟ على المواطن الذي يريد من خلال التصويت برأيه، تحقيق المشاركة في اتخاذ القرار؟ أم على النخب السياسية الطامحة لتحقيق المكاسب والوصول الى المناصب؟

هنالك نوعان تتجلى فيهما هذه الإشكالية او الخلل في الممارسة الديمقراطية: النوع الاول، له صفة معنوية ولا تمسّ شخصية وحياة السياسي بشيء، فهي ربما تكون على شكل فضائح فساد بانواعها، او اسقاطات انتخابية ونكث بالوعود، هذا الى جانب المهاترات والمعارك الكلامية التي هي الاخرى، تسبب في اهتزاز صورة السياسي المنتخب في عيون الناخبين والناس أجمعين..

بينما النوع الثاني: فان له صفة مادية مباشرة تضرب في عمق الواقع الاجتماعي والمعيشي للمواطن، فنكون بين فترة واخرى أمام حالات تجاوز الحمايات على مواطنين بالركل والرفس، او تجاوز القوانين المرورية والاجراءات الادارية بما يضيع حقوق الناس في وضح النهار.

وفي آخر تطور من هذا النوع سقوط شهيد للديمقراطية في بغداد، وهو شاب لم يتجاوز العشرين من العمر، راح ضحية تعصّب انتخابي أعمى، وبدلاً من ان يكون فاعل خير خلال الحملة الانتخابية ويحول دون ضرب مبرح تعرّض له طفل متهم بتمزيق لافتات احد الكيانات السياسية، تلقى رصاصة في الرأس ممن يُحسبون على ساسة يمارسون الديمقراطية..! فمن الذي يمارس الديمقراطية الحقيقية في هذا المشهد يا ترى..؟!

هذه الجريمة المريعة، تبعث على المزيد من الأسى والألم الذي نحن فيه، ولكن في الوقت نفسه، تستدعي الى الذاكرة حالات اخرى تم التعتيم عليها ونسيانها اعلامياً وسياسياً وقضائياً، مثل حادث الاعتداء على المواطن النجفي من قبل حماية أحد الساسة المنتخبون..!

ولم تعرف حالته الصحية حيث كان يرقد في المستشفى لفترة طويلة من أثر الضرب المبرح الذي تلقاه لانه اعترض على افراد الحماية لغسلهم سياراتهم أمام محل كسبه.. لنلاحظ في القصتين؛ الدعوة الى السلم والتسامح واحترام الآخر، في المقابل، اللغة البعيدة كل البعد عن الممارسة الديمقراطية.

نعم؛ في هكذا حوادث، تتم التسوية اجتماعياً قبل ان تسلك ممرات القضاء، وهذه المرة يكون المواطن - الفرد في المجتمع، ايضاً هو الذي يتكفل لملمة القضية، استناداً على العرف العشائري المعروف في العراق، حيث يتم «الفصل» بين المتنازعين بدفع بدل مالي أشبه بـ»الديّة» الموجودة في الشرع.

وعندما يكون أحد طرفي القضية كيان سياسي ذو نفوذ اجتماعي وسمعة سياسية لا بأس بها، ربما تكون ثمة امكانية لكسب رضى أسرة الضحية - أياً كان- ومحاولة طي الملف بحجج وذرائع متعددة.

هذا ما كان من طريقة دفع الفاتورة من قبل الناس، فماذا عن الساسة (المسؤولون)؟

هناك طريقان لا ثالث لهما امام الساسة المنتخبون في هكذا ظروف: إما تحمل مسؤولية وعواقب ما يصدر عنهم مباشرة او من خلال المقربين منهم، أو العمل على التقليل من هذه الفاتورة، والسعي لتقديم الديمقراطية، «وجبة خفيفة» سهلة الهضم للناس. وربما يكونوا أعرف من غيرهم بما يجب فعله، من عمل تثقيفي ونشر المفاهيم والقيم الانسانية والاخلاقية بين افراد المجتمع، بالضبط؛ كما يفعلون خلال الحملة الانتخابية، حيث يتم الترويج للاسماء والعناوين والبرامج الانتخابية.

إن إخراج الناس من الصفيح الساخن الذي يقفون عليه او التخفيف من الاوضاع غير الطبيعية، من شأنها الاسهام في إنجاح التجربة الديمقراطية، فاذا وجد افراد المجتمع، السياسي (المسؤول) حاملاً همومهم ومتحملاً مشاكلهم، وما يعانونه جراء خوض التجربة الجديدة، فمن الطبيعي ان يلاقوا التعامل بالمثل، وأحسن، نظراً الى حاجة الناس اكثر الى الامن والاستقرار والعيش الكريم. ونسبة تحقيق هذا الطموح مرهون بنسبة نجاح أولئك الساسة في تقديم التجربة الديمقراطية بصورة أحسن وأجمل.


ارسل لصديق