النهضة الإصلاحية للحسين (عليه السلام) وتجارب الأنبياء
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2014/05/05
القراءات: 733

إن عملية بناء المجتمع المتكامل لا تتم إلا عن طريق مجموعة من الخطوات الإصلاحية التي تؤدي إلى مسار صحيح، ليصل إلى مرحلة التكامل الانساني التي أرادها البارئ عزّ وجل للإنسان. من هنا نجد ضرورة تواجد المُصلـــــح أو المرشد الذي يُضيء الطريق للمراحل المطلوبة نحو الإصلاح، وفي نفس الوقت تحصين المجتمع من مخاطر الإنحرافات. لذا من حكمة الله تعالى و رحمته على مخلوقاته بأن لا يخلو زمان من حجة على هذه المجتمعات. قال أمير المؤمنين ،عليه السلام: «لا تخلو الأرض من قائم بحجة الله إما ظاهر مشهورا وإما خائف مغمورا لئلا تبطل حجج الله و بيناته»، لذا منذ نبي الله آدم، عليه السلام، إلى يومنا هذا، تحمّل الانبياء أعباء الرسالات الإلهية - الإصلاحية، على طول الفترات الزمنية التي عاشها الانسان، حتى ظهور الإسلام على يد النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، واستمرت المسيرة بقيادة الامام علي ابن أبي طالب ،عليه السلام، ثم من بعده ابناه الحسن، والحسين، عليهما السلام، حيث ضحى الامام الحسين بدمه، وقدم التضحيات العظيمة لضمان استمرارية مسيرة الإصلاح التي بدأها جده المصطفى، صلى الله عليه وآله.

 

* التواصل الرسالي في المسيرة

من هنا نعرف أن المسيرة الإصلاحية، التي لها سمة التغيير الشامل والمتكامل، لها ايضاً صفة الديمومة والتواصل مع تعاقب الزمن والاجيال، لأنها تحمل اهدافاً انسانية سامية، تريد للبشرية جمعاء الخير والسعادة والأمان، فلا يختلف ما كان يريده النبي آدم ومن بعده الانبياء العظام، عليهم السلام، عما اراده النبي الخاتم، واهل بيته، عليهم السلام، من حيث جوهر الرسالة وغايتها النهائية، وهي بناء المجتمع والانسان.

لقد واجهت ثورة الإمام الحسين، عليه السلام، الانحراف الذي حدث في الأمة الإسلامية بعد وفاة الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، إذ أصبحت غير قادرة على التمييز بين الحق و الباطل كما يقول، عليه السلام:

«الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون»، بمعنى أنه ربما يتعامل بعض الناس مع الدين والقيم كما يتعاملون مع الملابس التي يرتدونها، في أي وقت شاؤوا يخلعونها ويرمونها بعيداً، إذا ما أصطدمت مع مصالحهم كما في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}، (سورة الحج/ 11)، لذا أراد، عليه السلام، من خلال نهضته المباركة أن يصلح المجتمع من خلال الثلّة الطيبة والواعية من اصحابه، وليكونوا نموذجاً يحتذى به على مر الاجيال، لأنه لو صلح الفرد صلح المجتمع، ومن خلال ذلك يتمخض القادة الصالحون.

و لو نظرنا إلى الحركات الإصلاحية للأنبياء السابقين، عليهم السلام، وايضاً الى حركة الامام الحسين ،عليه السلام، لوجدنا حلقة الوصل ونقطة الالتقاء في الفكر والهدف الذي نهض من اجله، عليه السلام، وبين ما قام به الانبياء، مثل نوح ، وموسى ، ويحيى ، وإبراهيم، هذا التواصل يبينه لنا الامام ،عليه السلام، من خلال حديثه لعبد الله ابن عمر، عند خروجه من مكة المكرمة: «يا عبد الله إن من هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى بن زكريا يهدى لبغي من بغايا بني إسرائيل وأن رأسي يهدى لبغي من بغايا بني أمية». لذا لابد من التدقيق والتأنّي في اختيار الحركة الإصلاحية قبل الانضمام اليها والعمل ضمنها، وقد أكد لنا الامام، عليه السلام، مبدأ الحرية في الاختيار بعقل وحكمة، حيث قال: «إن لم يكن لكم دين فكونوا أحراراً في دنياكم..»، فقد خلق الله الإنسان حراً وعبداً لله، وليس عبداً لنظيره الانسان، وبذلك يكون جديراً بخلافة الله في الأرض، أولاً؛ ثم نكون جديرين بالعمل على تطبيق سنن الله في أرضه بأن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ثانياً.

 

* مسؤولية الإصلاح، جماعية

انطلاقاً من الحديث الشريف: «المؤمن مرآة أخيه المؤمن». جديرٌ بنا أن نطبق قول رسول الله، صلى الله عليه وآله: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، فالأب مسؤول عن بيته، والمعلم مسؤول عن تلامذته، والمدير مسؤول عن إدارته، والحاكم مسؤول عن شعبه وما أئتمنه عليه، وهكذا سائر الدوائر المشكلة للمجتمع والدولة، كما ان المسؤولية تكون خاصة على علماء الدين وابناء الحوزة العلمية بان يكونوا خير مبلغين للشريعة الإلهية، ويكونوا مصداق الآية الكريمة على لسان نبينا الأكرم، صلى الله عليه وآله:

﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ. (سورة الأعراف /68)

وهنالك العديد من الآيات القرآنية التي تؤكد وجوب الدعوة إلى الله تبارك وتعالى:

{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}، (سورة النحل /26)، أي أن وجوب حكم الدعوة على الرسول، صلى الله عليه وآله، من حيث الاحكام العامة لا الخاصة ويتعدى الوجوب إلى المؤمنين الذين اتبعوه و آمنوا برسالته الاسلامية كما في الآيتين التاليتين: {وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آَيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، (سورة القصص /87)، و {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. (سورة آل عمران /104)

نستدل من ذلك أن نكون على قدر المسؤولية تجاه شعبنا وأمتنا، وتحديداً الشعب العراقي الذي تتكالب عليه الفتن السياسية والفكرية، من كل ناحية، وهنالك اليوم، محاولات مستميتة لدفع المجتمع نحو الانحراف عن ثقافته وهويته، وربما إعادته الى عهد «معاوية» و «يزيد» اللذين حاولا تغيير معالم الدين وتفريغه من محتواه، وتقديمه للناس قشوراً وظواهر دون محتوى وبرامج عملية.

 

* الصبر والتحدي

إن المضي قدماً في طريق الإصلاح لن يكون مفروشاً بالورود ولا يقف امامنا المصفقون والمشجعون، إنما هنالك عقبات ومشاكل لابد من تحديها واجتيازها، وهو ما فعله النبي نوح، والنبي إبراهيم، وسائر الانبياء، عليهم السلام. علماً أن الزمان الذي عاصره النبي ابراهيم، يختلف عن زمن بقية الأنبياء، إذ كانت هناك دولة، وحكومة وقضاء وجنود وضرائب، وأنه ،عليه السلام، دخل في صراع ميداني مع نظام سياسي متكامل، لكنه تحمل مسؤولية الإصـــــــلاح في أمته، حتى وصل بالحركة الإصلاحية إلى مرحلة التصدّي لحاكم طاغٍ ومتعالٍ مثل نمرود، ولم يكن له معين غير الله عز وجل، فكان أن منحه تعالى وساماً عظيماً بأن قال عنه:

{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِين}، (سورة النحل /120)، بمعنى أنه لم يكن فرداً عادياً، إنما مثّل أمة بكاملها في الاهداف العظيمة والكبيرة التي يحملها وفي مقدمتها تكريس التوحيد في ثقافة الانسان آنذاك.

وهكذا فعل نبي الله موسى، عليه السلام، {إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً * اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى}، (سورة النازعات /16)، فصدع بالأمر الالهي وتوجه لتغيير مجتمع يعبد انساناً من دون الله تعالى، ويحوله الى مجتمع يتقيد بالشرائع الإلهية التي أنزلها عليه الله تعالى:

{وَكَتَبْنا لَهُ فِي الأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ}، (سورة الاعراف /145)، بيد أنه واجه التمرد والعصيان من قومه الذين نجاهم الله من ظلم فرعون ودمويته، وذلك بسبب ضعف ايمانهم وميولهم الى حب الذات والشهوات.

من هنا نجد أن نهضة الإمام الحسين،عليه السلام، تعد انطلاقة جديدة، من خلال استفادته من تجارب الأنبياء السابقين، وستبقى معالم هذه النهضة الانسانية - الرسالية، تضيء لنا طريق الإصلاح للأجيال القادمة، مما يدعونا للعمل بمزيد من التعاون والتعاضد لمواصلة ما انتهى اليه سيد الشهداء ،عليه السلام.

----------------

* طالب في الحوزة العلمية


ارسل لصديق