إحتفاءً بذكرى مولد منقذ البشرية الامام المهدي المنتظر عجل الله فرجه..
في مدرسة الانتظار
كتبه: علي جواد
حرر في: 2012/07/12
القراءات: 2932

كلما تشتد الأزمة بالانسان، وتأخذ بخناقه، يكون أشدّ حاجةً للفرج والخلاص بأي ثمن.. وهي حالة طبيعية من واقع الفطرة. لكن ما أن يتغير الحال ويشعر بالانفراج، سواءٌ على الصعيد المادي او المعنوي، نراه ينسى كل شيء، وهذا مشهود في من ينجح في امتحان المدرسة والجامعة، او من يحقق مكسباً تجارياً، أو سياسياً، او حتى من ينتقل من حافة الفقر الى بحبوحة العيش ثم الغنى، فاذا استقرّ الاطمئنان والرضا في كوامن الانسان، ما الذي يدفعه لأن ينتظر المنقذ او المخلّص؟! بينما لو تصفحنا الواقع، لوجدنا الخلاص، مطلباً لا يمكننا الاستغناء عنه طيلة حياتنا، لكن المشكلة في حالة النسيان في كثير من الاحيان، كما الهواء، نستنشقه كل لحظة، ولا نشعر دائماً بأهميته القصوى، وما يزيد في حالة النسيان، الابتعاد – اللاشعوري احياناً- عن التعاليم الدينية والقيم الاخلاقية، واكثر من ذلك وأخطر، حلول أفكار وتصورات وتقاليد وقناعات تمثل بمجموعها (ثقافة) او (ايديولوجيا) جديدة وبديلة، تفرض نفسها على الواقع.
في ظل هذا الوضع المتناقض؛ حيث الاطمئنان والاستقرار في وجه من الحياة، والقلق والحذر من انقلاب الأمر وعودة الازمات في الوجه الآخر، نريد أن نكون من المنتظرين للإمام الحجة المنتظر.. وهو الإمام الثاني عشر وخاتم الأوصياء عجل الله فرجه الشريف، وكلنا إيمان بأنه القادر على وضع حدٍ نهائي لكل المظالم والمفاسد والانحرافات في العالم، وهو حامل راية العدل والأمن والحرية والقيم الاخلاقية الفاضلة وينشرها على وجه المعمورة. وفي الاحاديث الشريفة، ان في عهده عجل الله فرجه، تكون الشاة في مأمن من الذئب. وهكذا لنقس على ذلك.. لكن السؤال الذي اعتقد ان الواجب طرحه على انفسنا: كيف نقبل لانفسنا الانتظار، وتعليق آمالنا على شخصية ربانية عظيمة، هي آخر حلقة في سلسلة في العصمة الإلهية، فيما نحن نعيش يومنا وزماننا، كما لو أننا جزء صغير من ماكنة الزمن والعصر، غير قادرين على التغيير والتأثير؟ وهل يعقل أن نسمي إمامنا الغائب بـ (صاحب الزمان)، ونحن نعيش أجواءً وزماناً غير زمانه..؟ لنأتِ بمثال بسيط من وحي الواقع؛ فتاة تنتظر يوم الزفاف ولحظة دخول (العشّ الزوجي)، فهل ستكون من الناحية النفسية، تلك الفتاة التي بعد لم تعرف معنى الزواج خلال سن الطفولة والمراهقة؟ أو توظف كل مشاعرها وعواطفها ومداركها العقلية، لاستقبال العالم الجديد، وهو أن تعيش مع رجل طيلة حياتها، وتطوي صفحة الماضي؟


الرغبات الشخصية

لو نتصفح تاريخ بني اسرائيل، من باب المطالعة والاستفادة من العبر والتجارب، نجد أن اليهود لهم تجارب مريرة مع مسألة الانتظار، بدأت مع نبيهم الكليم موسى بن عمران عليه السلام، وكيف أفسدوا انتظاره بعبادتهم العجل، لمجرد غيابه عنهم لمدة اربعين يوماً فقط، رغم تلك المعجزة العظيمة والباهرة التي منّ بها الله عليهم، في قصة غرق فرعون ونجاتهم من العبودية والذل. والدرس الذي نستفيده، والقريب منّا – بعض الشيء- هو انتظارهم للنبي المرسل من السماء خلال تواجدهم في المدينة، فقد قرأوا في كتابهم المقدس، المكان الذي يبعث فيه، وتقول الروايات أنهم جاؤوا من شتى البقاع الى المدينة المنورة واطرافها، ليشهدوا ظهور النبي الجديد، وخلال تواجدهم كانوا ولاسباب مختلفة يتعرضون للأذى من بعض الجاهليين وعبدة الاصنام، فكان جوابهم، أنهم سينتصرون عليهم بعد ظهور النبي المرسل، وسيأخذ لهم بحقهم، وهذه الحادثة يوثقها القرآن الكريم: «ولَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ» (سورة البقرة /89). فقد كانت صدمتهم في انهم كانوا يحملون جملة من التصورات إزاء النبي المرسل والجديد، وهو أن يكون – مثلاً- من قبيلتهم او من نسل النبي إسحاق، واذا به صلى الله عليه وآله، من نسل اسماعيل، فتحرك فيهم الحسد والشعور بالكراهية، ومُذّاك تحولوا من منتظرين للأمل والنجاة المتمثل بالنبي المرسل من السماء، الى متآمرين وكافرين، لا يألون جهداً في محاربة النبي الاكرم والتحالف مع أعدائه لشن الحروب لإضعافه وتحجيمه، كل ذلك لانهم عرفوا ان النبي الخاتم والدين الجديد يتعارض مع مصالحهم الاقتصادية والسياسية، وكان جوابهم لابناء جلدتهم، هو إنكار نبوة النبي الاكرم، و «أن هنالك نبياً آخر..»! 
وفي مدرسة الانتظار هنالك الكثير من القصص والحكايات تروى عن أناس متدينين وتقاة، كانوا يمنّون النفس بالتشرف بلقاء الامام الحجة المنتظر عجل الله فرجه، لكن الحاجز غير المرئي وغير المحسوس الذي كان يحول دون ذلك، هو الذاتية وحب الأنا، بحيث تجعل صاحبها يشعر وكأنه الوحيد الذي ينتظر الإمام بشكل صحيح، وانه الأحوج والأولى بذلك...!! والنتيجة، انه يحاول الجمع بين الانتظار، والوضع الذي هو عليه، من مكانة اجتماعية او علمية، او وجاهة اجتماعية او سياسية. فهذا محمد بن علي الشلمغاني الذي عاصر الغيبة الصغرى، وكان يعده التاريخ من وجهاء الشيعة، واكثرهم غزارة في العلم والتأليف، حتى قيل ان بيوت الشيعة مُلئت بمؤلفاته.. لكن هذا التألق كان الى جانبه منحدر سحيق سقط فيه هذا الوجيه العالم، عندما خاب ظنه وتعكّر مزاجه بانتخاب الحسين بن روح سفيراً ثالثاً للإمام عجل الله فرجه، فلم يستوعب القضية، وهو عالم كبير ذو وجاهة اجتماعية عريضة، يُسأل عما اذا كان أختير للسفارة أم لا، فبماذا يجيب..؟! فوجد المخرج والحفاظ على ماء الوجه، باتخاذ مسلك آخر بعيد عن أهل البيت عليهم السلام، وبدأ بتأليف كتب جديدة مليئة بالانحرافات والافكار الشاذة. ومما نشره وأشاعه فكرة (الحلول) البعيدة عن العقيدة السامية، فقد روى الشيخ الطوسي (رضوان الله عليه) في كتابه «الغيبة»، أن الشلمغاني هذا، اندسّ بين أسرة كبيرة تدعى «بني بسطام» العريقة بالولاء لأهل البيت عليهم السلام، لكنه استغل طيبة قلوبهم وقلة وعيهم، فزعم إن «روح رسول الله صلى الله عليه وآله، حلّت في محمد بن عثمان السمري – السفير الثاني- وأن روح الامام علي عليه السلام حلّت في ابي القاسم الحسين بن روح – السفير الثالث- و روح فاطمة الزهراء عليها السلام حلّت في ابنة السفير الثاني التي كانت تعرف بـأم كلثوم»!!،ولم يفلح الشيخ الحسين بن روح (رضوان الله عليه) في إبعاد تلك الاسرة المؤمنة عن تلكم الافكار الضالة بعد ان صدقوه وآمنوا به، رغم ان التوقيع صدر من الامام عجل الله فرجه بلعنه والبراءة منه ومن افكاره. كل ذلك من أجل ان يثبت للناس أعلميته وانه ليس بأقل من الآخرين.
فماذا كان مصير «الشلمغاني» هذا..؟ لم تحفظ له مكانته الاجتماعية والعلمية التي يدّعيها، كما لم يحفظ حتى نفسه، فقد خسر كل شيء في الحياة، ووصل الى خشبة الاعدام حيث صلبه الحاكم العباسي في حينه بعد تصاعد موجة الارتداد والكفر بسببه، أما الخسارة والعذاب في الآخرة فهي أكبر.
ولانتصور أن الاختبار دائماً يكون لأصحاب العلم والجاه والمال، فربما هنالك انسان لا يملك إلا رأيه و سلوكه الاخلاقي، ومن خلالها يدير عائلته وعلاقاته الاجتماعية ويتخذ مواقفه في الاصعدة كافة. فهذا عليه أن يكون مستعداً لأن يضع كل ذلك على المحكّ، إذا كان حقاً من المنتظرين، إذ ربما وجد ان فقرة واحدة او اكثر مما يحمله، تتعارض مع نهج الامام الغائب عجل الله فرجه، فعليه دون تردد التصحيح او التراجع، حتى لا تنطبق عليه الآية الكريمة: «وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ»، (سورة البقرة /206). ولنعلم، أننا في الوقت الحاضر نعيش مرحلة الاعداد والتحضير، وليس الانتظار فقط، تماماً مثل الطالب المقبل على أداء الامتحانات النهائية، ففي لحظة الامتحان لا مجال للتحضير والاعداد.. إما السقوط أو الصعود، ولا خيار آخر.


الثقافة المهدوية


بما أننا نعرف سلفاً كون مسألة الانتظار جزءاً لا يتجزأ من عقيدتنا، علينا أن لا نقصّر في كسب المزيد من المعرفة والاطلاع، وأن لانكتفي بالامور الظاهرية، وربما تأخذنا بعض الموجات العاطفية في بعض المناسبات، لأن المسألة جدّ مهمة وخطيرة، ثم لا ننسى أننا لسنا وحيدين في الميدان، فهنالك المشككون والتكفيريون في مسرح الاحداث، يواجهوننا بالسموم تارةً وبسهام البغي والموت تارةً اخرى، كما هنالك أعداء الدين الذين يعملون ليل نهار من خلف الستار خلف وسائل الاعلام والاتصال المتنوعة، الامر يوجب علينا التسلّح بالثقافة المهدوية. يقول سماحة الفقيه الراحل السيد محمد رضا الشيرازي (قدس سره) في إحدى محاضراته: «ان المعرفة حقيقة تشكيكية ذات مراتب، وعلى الانسان أن لا يكتفي بالمراتب الدنيا من المعرفة، وهناك مراتب عليا للمعرفة عند الله تعالى..»، هذه المعرفة وهذه الثقافة نكتسبها بجملة خطوات عملية منها: عقد جلسات «دعاء الندبة»، مع التشديد على فهم المضامين والمفاهيم العظيمة التي يحملها هذا الدعاء. ففي يوم الجمعة، وهو اليوم الخاص بالامام الحجة المنتظر عجل الله فرجه، يجب ان يكون الانسان عارفاً بحق الامام وهو يدعوه للظهور: «متى ترانا ونراك...»؟ وايضاً من الجدير بكل انسان مؤمن تخصيص حقل خاص في مكتبته البيتية لمؤلفات حول الامام الحجة عجل الله فرجه، او عن مسألة الغيبة والانتظار، لتكون في متناول افراد العائلة، ثم تبادل اطراف الحديث حول هذا الموضوع ليكون اكثر نضجاً في الاذهان، وفي مرحلة اخرى يكون من السهل التحدث بها والتبليغ لها، وهكذا تكون لدينا ثقافة مهدوية – اجتماعية عامة.
طبعاً هناك العديد من الخطوات اللازم اتخاذها لتعميق الثقافة المهدوية في مجتمعنا، لا يسعها هذا الحيّز، فالثقافة، هي الوعاء الطاهر والنقي لسلوكنا وقناعاتنا وعاداتنا، فاذا استغربنا من بعض المؤمنين، وهم يتحدثون عن الانتظار، ويدعون ويتوسلون في مكان، ثم يبتعدون في أخلاقهم وافكارهم عن إنتظار الامام الحجة عجل الله فرجه في مكان آخر، فإن السبب يعود الى قلّة الوعي والمعرفة بحقيقة الانتظار، وأنها ليست قضية عاطفية يحملها كل «انسان شيعي»، إنما هي قضية عقائدية بحتة. فعندما نقرأ الآية الكريمة: «ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر»، نعرف ان الصلاة التي لا تنهى عن الفحشاء والمنكر، ليست بصلاة. كذلك مسألة إنتظار الامام الحجة المنتظر، فان أي صفة ذميمة او عادة سيئة او سوء خلق يسود المجتمع بأي شكل من الاشكال، يعني بلا شك، أننا بعيدون عن إمامنا المنتظر عجل الله فرجه الشريف، وأرجو ان لا نكون كذلك. 


ارسل لصديق