حكومة علي {عليه السلام} وتجربة الدولة الرشيدة
كتبه: علي جواد
حرر في: 2014/07/15
القراءات: 817

الجميع متفقون على أن دولة الامام علي، عليه السلام، تجسيد للإنسانية والحق وكل القيم والمبادئ السامية التي لا يختلف عليها ذو فطرة سليمة وعقل سوي.. لكنهم يختلفون في طريقة الاستفادة من هذه التجربة ومحاولة تكرارها في زماننا الحاضر، فالناس يتمنون تحقيق دولة كهذه تحقق لهم العدالة والمساواة والحرية والكرامة الانسانية، فيما نلاحظ التخوف في جانب اهل السلطة والحكم في بلادنا من هذه التجربة، فلا يجرؤ أحد على فتح ملف هذه الدولة وسط الاجواء السياسية التي نعيشها، فهم يعدونها ضرباً من «المثالية» او تجربة خاصة لظروف زمانية ومكانية خاصة ايضاً. فهل معنى هذا، أننا أمام نجم لامع بعيد بين الارض والسماء، نتسلّى ببريقه ولمعانه في الليالي الحالكة؟!

 

* نزاهة على طبق من ذهب..!

ان الدولة التي لا ظلم فيها ولا فساد اداري ولا تضليل وتغرير، ليست عبارة عن هدية تقدم إلى الناس على طبق من ذهب، او يبدأون صباحهم على وجود مؤسسات ادارية او قضائية او أمنية نزيهة وعادلة.

وعندما نتداول الحديث عن العلاقة التكاملية بين المجتمع والدولة في تحقيق الرشد الحقيقي لهذه الدولة، إنما نستذكر من حيث لا نشعر، المعادلة التي أرساها أمير المؤمنين، عليه السلام، لدى توليه الحكم، فقد وضع حداً لحالة القطيعة بين الوعي والارادة الجماهيرية، وبين تحقيق «الرشدية» في الدولة، وليس أدل على الفترة التي سبقته، حيث كان الوعي والارادة في إجازة، فعاث الحكام في بلاد الاسلام فساداً، بل ونخروا في كيان الاسلام، وكادوا ان يصنعوا ما يشبه «العجل الحنيذ» الذي يلبي رغبات الناس.

لذا نجد الامام، عليه السلام، ينبه الناس الذين تدافعوا على بيعته بالحقيقة: «ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم إن من صرحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجزته التقوى عن تقحم الشبهات، ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم صلى الله عليه وآله، والذي بعثه بالحق لتبلبلنّ بلبلة، ولتغربلن غربلة ولتساطنّ سوط القدر، حتى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم، وليسبقن سابقون كانوا قصروا، وليقصرن سابقون كانوا سبقوا».

فمن الذي يستفيد من الرشوة والمحاباة للحصول على الوظيفة والامتيازات المادية بالدرجة الاولى..؟ انهم اصحاب المصالح والمطامع، والذين «لما يثبت الايمان في قلوبهم»، فالخير الذي يبحث عنه الجميع، ينبع من الجميع، ولا يأتي من العالم الخارجي..! فاذا كانوا مسؤولين عن النجاح فهم مسؤولون ايضاً بأجمعهم عن الفشل، وهذا تحديداً الدرس الاول الذي يعطيه الامام، عليه السلام، لابناء مجتمعه آنذاك، وللاجيال القادمة، «..اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم».

وعندما نقرأ عن مطالبته المشددة لولاته في الامصار، بالعدل وإنصاف الناس والامانة والصدق، فانها رسالة واضحة إلى الناس بأن يواكبوا مسيرة الحق ويساعدوا في إشاعة قيم الدين والاخلاق في المجتمع، فقد كان رد فعل الامام، عليه السلام، على ذلك الوالي بسبب جلوسه على مائدة مشحونة بالاطعمة والأشربة بما يفتقده سائر الناس، إنما كانت بسبب قيام احد افراد المجتمع، بمحاولة استمالته والحصول على الحظوة في الجهاز الحاكم.

من هنا نجد التفاتة الإمام، عليه السلام، نحو الغالبية العظمى القادرة على صنع التغيير والتأثير على القرار، فيشدد على الانتباه اليها ومراعاتها، ففي مطلع رسالته الشهيرة إلى صاحبه المقرّب، مالك الأشتر النخعي، حين ولاه مصر، «.. وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء، وأقل معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأقل شكراً عند العطاء، وأبطأ عند المنع، وأضعف صبراً عند ملمات الدهر من أهل الخاصة..».

وربما يكون ذلك الذي بسط المائدة أمام والي (محافظ) الامام، عليه السلام، من أبرز وجوه الخاصة في مجتمع ذلك الزمان.

وعليه، يتضح أن التغيير والإصلاح نحو الاحسن في جميع مرافق الدولة، يحتاج الى حركة تغييرية بالمقابل من المجتمع، تصحبها تضحيات وتنازلات عن مصالح وامتيازات ورفاهية زائدة، وإلا يكون ذلك المجتمع مصداقاً للحديث الشريف: «كيفما تكونوا يولّ عليكم».

وإذا ألقينا نظرة خاطفة على تجارب الشعوب والأمم التي لا تدين بما ندين وما تمتلك من إرث حضاري عظيم، نجد انها خلقت النظام والالتزام بالقوانين وسيطرت على الفساد الاداري والانحراف السياسي الى درجة كبيرة.

من خلال القبول بالنسبة الأقل من الرفاهية والربح المعقول، وهو ما نصطلح عليه في المفهوم الديني «القناعة».

بمعنى أنهم اكتشفوا الطريق الى الرشد السياسي والنزاهة والتقدم عبر طريقة تفكيرهم الصحيح.

 

* سياسة مع طيب الخاطر

وحتى فيما يتعلق بتطبيق القوانين الحكومية التي هي من الامور الروتينية، كما نراها اليوم، فان سلامة التطبيق ونجاح القوانين في المجتمع، رهين بتفاعل هذا المجتمع وتجاوبه، علماً أن المثل الذي نورده يعود إلى عهد الامام، عليه السلام، حيث كل ما يصدر إلى الناس إنما هو قانون مستقى من السماء وصادر عن إنسان معصوم، مع ذلك يوصي جباة الزكاة (الضرائب اليوم) في الكوفة بان «يا عبد الله انطلق وعليك بتقوى الله وحده لا شريك له، ولا تؤثرن دنياك على آخرتك، وكن حافظاً لما ائتمنتك عليه راعياً لحق الله فيه حتى تأتي نادي بني فلان فإذا قدمت فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم امض إليهم بسكينة ووقار حتى تقوم بينهم وتسلم عليهم، ثم قل لهم: يا عباد الله أرسلني إليكم ولي الله لآخذ منكم حق الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم من حق فتؤدونه إلى وليه؟ فإن قال لك قائل: لا، فلا تراجعه، وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو تعده إلا خيراً..».  والحديث الذي يرويه الشيخ الكليني، طويل يتضمن دروساً في العلاقة التكاملية بين المسؤول والمواطن في جميع بقاع العالم الاسلامي، ويفند مقولة البعض من أن نهجاً سياسياً كهذا لن يدفع الناس للالتزام بالقوانين والقبول بما تمليه الحكومة، بينما التجربة العلوية، أثبتت أن الناس كانوا يقدمون الحقوق الشرعية الى أمير المؤمنين، عليه السلام، عن طيب خاطر، دون أي إكراه او استفزاز، كما فعل الحكام قبله وبعده، والى يومنا هذا، والذي تجبى تحت عنوان «الضريبة». وهذا يتحقق بفضل إيمان وقناعة الناس بشرعية ورشدية الحكم والحاكم.

هذه الحقوق الشرعية ما تزال حاضرة في الساحة، لتؤكد صحة ما نذهب اليه، وأن القناعة والرضا النفسي هو الذي يدفع الكثير لأن يخرجوا خمس أموالهم - حتى وإن كانت تشكل مبلغاً كبيراً- ويقدموها الى مراجع الدين، الذين يمثلون النيابة العامة في زمن الغيبة.

هذا المستوى من التفكير بحاجة إلى أرضية نفسية لدى الانسان، الفرد والمجتمع، بحيث من الطهارة والنقاء والسمو ما تؤهله لتلقي الخير الحق ونبذ الشر والباطل، وهو ما كان يسعى اليه الامام ، عليه السلام، في خطبه المعروفة في «نهج البلاغة» واحاديثه الجانبية مع اصحابه وعامة الناس، بمطالبتهم بتقوى الله والتزام القيم الاخلاقية والانسانية، لأن «لا يحمل الناس على الحق، إلا من ورعهم عن الباطل..».

هنا تحديداً تكمن بوصلة النجاح السياسي لأي نظام حكم، لانه يكتسب عوامله وعناصر حياته من جذور المجتمع، وكلما كانت نسبة الصلاح في هذه الجذور كبيرة، كانت فرص النجاح في متانة النظام السياسي ونجاحه في تقديم الثمرة الطيبة اكبر، وليس أدلّ على ما نذهب اليه، عدم وجود معارضة حقيقية للنظام السياسي والاداري لأمير المؤمنين، عليه السلام، إنما كانت هنالك خلافات شخصية على منصب سياسي كما حصل مع طلحة والزبير، أو حول تصورات ذهنية معينة، كما حصل مع شريحة الخوارج، وإلا فان جميع المسلمين آنذاك كانوا يرفلون بالحياة الرغيدة، بمن فيهم الخوارج، الذين هم بالحقيقة جزء من مجتمع ذلك الزمان، ففيهم المرأة والطفل والشاب والشيخ الكبير، جميع هؤلاء تنعموا بالحياة الكريمة في ظل حكومة الامام، عليه السلام، حيث قدم لهم كل ما من شأنه تغيير  الحالة النفسية من التشاؤم والانهزامية واليأس من المستقبل، إلى حالة التكامل والتكافل والنمو.

من هنا نقول: ان قصر حياة الامام علي، عليه السلام، لا يجب ان يفهم بأي شكل من الاشكال بقصر تجربته  الفريدة والعظيمة في الإدارة والحكم، فاذا كان ذكره خالداً، يلهج به الناس في جميع انحاء العالم، ولاسيما في المناسبات، فان نهجه وتجربته هي ايضاً خالدة ونابضة بالامكان السير على نهجها والاستفادة منها في كل زمان ومكان.


ارسل لصديق