المساجد .. بُيُوتُ اللهِ عَلى الأَرْضِ
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2014/09/14
القراءات: 865

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ}. (سورة التوبة / 18 )

 

* نشأة المسجد

المسجد مؤسسة ربانية - تربوية للفرد والمجتمع، بل هو المكان المقدس لعبادة الله تعالى، كون أن أسمى عبادةٍ له، تعالى، هي مرحلة السجود، وفيها يتجسد التقرب إلى الله- عز وجل- قال تعالى: ﴿وَأنً المَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أحَدَا (سورة الجن /18). ولما كان السجود أشرف أفعال الصلاة لقرب العبد من ربه، فقد أشتق منه أسم المكان، فقيل «مَسجِد» وهو بيت الله، سبحانه وتعالى، ولمكانتها وفضلها، ذكرت في مواضع كثيرة من القرآن. قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} (سورة التوبة /18). وجاء التأكيد الإلهي على بناء المسجد و عمارته، فوصف القرآن الكريم عُمًاره، من المؤمنين بالله و اليوم الآخر، بالمقابل جاء التحذير الشديد لمن يعيق عمل المسجد ودوره، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (سورة البقرة /114)، بهذه الآية المباركة يصبح مصير من يعطل المساجد، ويمنع الناس من ذكر الله، الخزي في الدنيا و العذاب العظيم في الآخرة.

 

* المسجد يواكب المسيرة

الرسالية والحضارية

كان للمسجد وما يزال أدوار مهمة في مسيرة الرسالة وبناء الأمة منذ فجر الدعوة المحمدية، نذكر منها: 

1-  في حياة المسلمين

للمسجد دور رسالي في حياة المسلمين، كما اقتضته الرسالة السماوية، وعلى ضوء السيرة النبوية الشريفة. يتمثل هذا الدور في التعريف بالأحكام والشريعة، وكل ما تحمله الدعوة الاسلامية من قواعد ونظم للحياة، وبذا تتحقق غايات وأهداف الإسلام والتي أُخذ فيها «الاجتماع» بنظر الاعتبار، فكان لابد أن يكون المسجد خير مكان لاجتماع المسلمين، ورمزاً لوحدتهم وانطلاقهم نحو العمل والبناء، وهكذا كان منذ صدر الاسلام، وعلى يد رسول الله، صلى الله عليه وآله، حيث تحول المسجد الى مدرسة متكاملة للحياة تعنى بشؤون الطفل والمرأة والفقير والغني والعالم والجاهل، ومختلف شؤون المجتمع من نزاعات ومخاصمات، كما تحول الى مكان للوئام والتكافل.

2- أول مسجد في الإسلام

أقام الرسول الاكرم ،صلى الله عليه وآله، في «قباء في بني عمرو بن عوف» أربعة أيام وقيل أربع عشرة ليلة، فركب ناقته وحشد المسلمون حوله، فتسابق من حوله في دعوته عنده، فقال لهم، صلى الله عليه وآله: «خلّوا سبيل الناقة فإنها مأمورة..». فكان كلما مرّ بحي دعوه عندهم، فيجيبهم بمثل ذلك حتى بركت على باب المسجَد، وهي الأرض التي اختارتها الناقة، وهو يومئذ مربد ليتيمين - المكان الذي يجفف فيه التمر- وهما سهل وسهيل ابنا عمرو ابن عوف في حجر معاذ بن عفراء، فجعل الناس يكلمونه، صلى الله عليه وآله، بالنزول عندهم فاحتمل أبو أيوب رحله، صلى الله عليه وآله، فوضعه في بيته فسأل عن المربد فأخبروه بحاله، فقال، صلى الله عليه وآله، سأرضي، صاحبيه و أتخذه مسجداً.. فأمر أن يبنى مسجد فيه وكان في موضعه قبور للمشركين، فقاموا بنبشها ورمي عظامها وألقيت بعيداً، وبني المسجد في مكانها بجهد من النبي، صلى الله عليه وآله، ومعه المهاجرون والأنصار، على الرغم من مطاردة المشركين له، صلى الله عليه وآله، وما واجهه من مخاطر، وكونه على سفر، فذلك كله لم يمنعه من التفكير في بناء وتأسيس مقومات وجود الحياة الإسلامية الجديدة بعد الهجرة، ألا وهو المسجد، لتدار دفة القيادة من خلف جدرانه اللبنية وجذوع النخل فيه، فلم يبقَ بيت من بيوت المدينة حول المسجد إلا وأسلم على يد النبي، صلى الله عليه وآله.

3- إنطلاقة الدعوة الإسلامية

بدأ الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، بالدعوة إلى الله والإسلام خارج حدود المدينة المنورة وكانت هذه الدعوة تدار من خلف هذه الأحجار المباركة لمسجد المدينة المنورة، حيث أقيمت فيه صلاة الجمعة والجماعة ويجتمع فيه المسلمون. واتخذ النبي، صلى الله عليه وآله، من المسجد مقراً لقيادة الجيش، ومقراً لاتخاذ القرارات المصيرية، التي تحصل بين النبي، صلى الله عليه وآله، والمسلمين، وكان لها الأثر في إرساء دعائم الإسلام، فقد كان مسجد الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، محراباً للعبادة، و مناراً للتوحيد، وكما كان داراً للعلم والحكمة و محوراً للتوجيه الفكري والسياسي، بل وأصبح داراً للعدالة وملاذاً للمحتاجين وكهفاً للمظلومين، فكان المسلمون يهرعون فيما يعتريهم من الأمور إلى رسول الله، صلى الله عليه وآله، في هذا المسجد سواء كان للفصل بين خصوماتهم أو حل مشاكلهم أو الإبلاغ بما يشكل خطراً على الإسلام، سواءً من المنافقين داخل المدينة أو الأعداء خارجها، من المشركين واليهود عند ذلك يستثمر رسول الله، صلى الله عليه وآله، صلاة الجمعة أو الجماعة في المسجد لإبلاغ المسلمين عن أمر ما، أو يأمرهم بشيء منها. ويتحدث التاريخ عن انطلاق الغزوات والعمليات الدفاعية من المسجد.

 

* عصر التطور الظاهري

شهد المسجد النبوي بشكل خاص، والمساجد في البلاد الاسلامية، بشكل عام، تطورات كبيرة، في عصر الدولة الأموية والعباسية. وبنظرة شمولية على تاريخ المساجد آنذاك، يمكننا التعرف على طبيعة التطور الحاصل، بدايةً نلاحظ أنها توسعت وتطورت من ناحية العمران والظاهر الخارجي، دون التطور في الجوهر والدور الذي كان عليه في عهد رسول الله، صلى الله عليه وآله، في صدر الإسلام، وحتى العام الأربعين من الهجرة، وتحديداً في خاتمة حياة أمير المؤمنين، عليه السلام، وللأسباب التالية:

أولا: انتقال الخلافة بعد استشهاد أمير المؤمنين، عليه السلام، إلى معاوية، وتحولها الى ملك عضوض، الامر الذي ابعد المسجد عن دوره الحقيقي، واستمر الحال في العهد العباسي، وحتى الحكام الذين جاؤوا بعدهم، لسبب بسيط واحد، هو الانشغال بالسلطة والحكم، وإعطاؤهم الأولوية للسياسة اكثر من الشريعة والدين والاخلاق.

ثانياً: كانت دفة الحكم تدار من قصور بني أمية وبني العباس المترفة، بالتالي، حصل الاستغناء منهم عن المساجد.

ثالثاً: أغلب أوقات الحكام والولاة تُقضى في السهرات والمجون، حتى عندما يجلسون لقضاء أو إدارة أمور الدولة، تراهم بعيدين عن المسجد لعدم جرأتهم على دخوله.

رابعا: بسبب تجيير الحكام للدين و بعض رجاله، من المتلبسين برداء الدين، ومن شاكلة «وعاظ السلاطين»، فقد ابتعد معظم الناس عن المسجد، كون أئمة المساجد، بمعظمهم من المعينين من قبل الحكام والولاة المنحرفين.

هذه الطريقة من التعامل مع المسجد تحول  الى سنّة من قبل الحكام والملوك منذ تلك الفترة التي تحولت فيها الخلافة الاسلامية الحقيقية الى ملك وراثي وسلطة يقتتل من اجلها الامراء وابناء الامراء، واستمر الحال الى يومنا الحاضر، ونظراً لحاجة الحاكم للشرعية السياسية، فانه يجد في المسجد بجدرانه الاربعة ومأذنته وقبته، خير وسيلة لتحقيق الهدف، فاصبحنا نشهد مباني فخمة بطرازات مختلفة وجذابة على مساحات شاسعة جداً في البلاد الاسلامية، حتى باتت المساجد - إن جاز التعبير- من أجمل وأفخم واكبر المباني في البلاد الاسلامية.

وعلى ابوابها يكتب انه تم تشييد المسجد على نفقة الملك الفلاني او الرئيس الفلاني.

 

* الفوائد الفردية والاجتماعية 

للمسجد دور أساس في تكريس الحالة الايمانية في نفس الانسان، الفرد والمجتمع. فهو يشعره بالانتماء الى الأقوى والأقدر مطلقاً، وهو الله، سبحانه وتعالى، من خلال الالتزام باحكام الدين وقوانينه وشرائعه وبالذين يحملونه من رموز مقدسة متمثلين في المعصومين، عليهم السلام، بمعنى؛ فهو حلقة الربط، بين الانسان المؤمن وبين عقيدته وفكره الديني، لاسيما في عصر غيبة الامام المعصوم، الثاني عشر، عجل الله فرجه. وفي المسجد بامكانه الالتقاء بعلماء الدين من وكلاء الفقهاء ومراجع الدين الذين ينطبق عليهم حديث الامام العسكري، عليه السلام، «..ممن خالف هواه وأطاع أمر مولاه»، والاستفادة من هؤلاء في حل مشاكلهم الاجتماعية والاجابة على المسائل الشرعية وغير ذلك  كثير..

من هنا، يمكن الاشارة الى فوائد عديدة للانسان والفرد، وللمجتمع:

أولاً: الفوائد للفرد

تقوية الأواصر الأخوية والإيمانية بين أفراد المجتمع من خلال حضورهم في المسجد، والشعور بحالة من الحيوية والقوة تسري في النفوس، وايضاً بالفخر بانه ينتمي الى دين متكامل قادر على إسعاد الانسان بشكل حقيقي وواقعي، لا مثالي.

ثانياً: الفوائد الاجتماعية

هنالك فوائد اجتماعية عديدة للمسجد نذكر منها:

1- تكريس فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الحياة الاجتماعية، والتي أشار إليها أمير المؤمنين، عليه السلام، في حديث الخصال: «أخاً مستفاداً في الله ..أو كلمة ترده عن ردى أو يسمع كلمة تدل على هدى».

2- يعتبر المسجد البوصلة الدقيقة التي تبين الطريق الصحيح للمجتمع، وفي نفس الوقت تبين مواطن الشبهة ومزالق الانحراف، لأنه ملتقى كل الطبقات، و إليه ترد كل أنواع السلبيات و المشاكل، و بذلك فالتوجيهات بخصوص هذه المشاكل تصدر منه، لذا فالمجتمع ميدان لما يأمر به المسجد.

3- إطلاع المسلمين على القضايا المعاصرة التي تهمهم، خاصة تلك التي تهدد كيان الإسلام و وحدته كما ورد في الحديث النبوي الشهير: «من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم».

4- المسجد يزرع روح الأخوة الحقيقية والمسؤولية المشتركة فيما يتعرض له الإسلام من تحديات داخلية وخارجية.

فهو يدعو إلى وحدة الأمة كما قال أحد العلماء: «تربط الأمة الإسلامية ثلاث أواصر: إلهٌ واحد و كتابٌ واحد و قبلةٌ واحدة، ولايخلو من هذه الثلاثة مسجد» (بحار الأنوار- ج74).

5- يمثل المسجد جهة إعلامية رادعة أمام أعداء الإسلام، وذلك لأن فيه تتجسد نقاط القوة في الدين الإسلامي، التي تميزه عن باقي الأديان و العقائد.

6- ان المسجد خير وسيلة لتقليل الفوارق الطبقية و الاجتماعية بين أفراد المجتمع، ولعل خير مصداق على ذلك في تطبيق هذه المسألة هو المسجد الحرام أثناء مراسيم الحج من حيث توحيد لباس الحج و وحدة المراسيم.

7- ومن ابرز الفوائد الاجتماعية المهمة والكبيرة للمساجد، نؤكد على إحياء الشعائر الدينية، مثل ذكرى استشهاد أبي عبد الله الحسين، عليه السلام، و وفيات الأئمة الأطهار، عليهم السلام، و المناسبات الإسلامية الأخرى، مثل ذكرى رحلة الإسراء و المعراج، و البعثة النبوية و شعيرة ليالي القدر في شهر رمضان، وغيرها من المناسبات المهمة، مما من شأنه زيادة الوعي الديني وتكريس الايمان في النفوس.

روي عن أبي جعفر الباقر، عليه السلام، قال:

«قال رسول الله، صلى الله عليه وآله، لجبرائيل: أي البقاع أحب إلى الله عز وجل؟ قال: المساجد، وأحب أهلها إلى الله أولهم دخولاً آخرهم خروجاً منها»، و عن الإمام موسى بن جعفر،عن أبيه، عليهما السلام قال : قال أمير المؤمنين، عليه السلام: «إن الله إذا أراد أن يصيب أهل الأرض بعذاب قال: «لولا الذين يتحابون بجلالي و يعمرون مساجدي ويستغفرون بالأسحار لأنزلت عذابي». وجاء في «المقنع» قال: «إن بيوتي في الأرض المساجد لمن تطهر في بيته» .


ارسل لصديق