في ظل أجواء اليأس من التغيير الحقيقي
هل تستنشق الشعوب نسيم الأمل بعد نكبتها برياح الأزمات؟
كتبه: علي جواد
حرر في: 2015/06/07
القراءات: 708

من يلقي نظرة خاطفة على أوضاعنا، ليس في العراق وحسب، بل في جميع البلاد الاسلامية، يوجد المذهل من حجم الاحباط وعمق اليأس في النفوس من كل شيء. فبعد ان ابتليت الشعوب بتجارب سياسية فاشلة، ودفعت ثمن هذا الابتلاء سيلاً من الدماء وخسائر مادية لا تُعد وتخلّفاً بعيداً، تقف اليوم مهددة بعقيدتها ومنظومة قيمها المقدسة، ومركز التهديد صادر من نفس القيمة الجاهلية التي حاربها الاسلام في فجر دعوته، وهي العنف والقسوة، بحيث بات العالم لا يشهد من الاسلام، المؤلفات العلمية والفكرية، ولا النهضات التنموية، وإنما حزّ الرقاب والقتل الجماعي بشكل أقرب الى التمثيل «الهوليودي»، وتنشر الصور الى العالم أجمع.

فهل بعد كل هذه الاسقاطات، من أمل بالخلاص من هذا الواقع المرير؟

هنالك ليس فقط أمل في الخلاص والنجاة مما تعيشه الامة، وإنما أمل في النهوض من جديد والتطلع نحو أفق مشرق والتقدم خطوات ثابتة نحو مراقي التطور في المجالات كافة، وهذا لا علاقة له بالتحفيز والتعبئة المعنوية، إنما صادر من حقيقة قائمة على الارض، لا نلمسها، بيد أنها موجودة بالفعل، متمثلة بالامام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، الذي نعده المنقذ الحقيقي للبشرية جمعاء من ويلاتها وأزماتها.

فاذا كان الأمل في المنقذ والمخلص بهدف الخروج من الواقع المرير الذي نعيشه، فهذا يعني أننا نحتاج الامام، عجل الله فرجه، فقط لتحقيق ما نريده نحن، وما تمليه علينا مصالحنا، و يعيد لنا الراحة والاستقرار! وهذا بعيد كل البعد عن العدل والانصاف، لأن الحقيقة التي لا يجادل فيها أحد - حسب تصوري- أن الجميع يقرّ بمسؤولية الناس، بقسط كبير، فيما هم يعانون منه، بما يحملهم المسؤولية الاخلاقية، وحتى الشرعية بالتغيير والإصلاح. 

وإذن؛ بالقدر الذي نرتقي الى فهم حقيقة «الانقاذ» للمسلمين، ولعموم البشرية، وان القضية لا تتعلق كلها، باستهداف اشخاص بعينهم، ولا تساعد أشخاصاً آخرين، إنما تقيم القسط والعدل، وتحكّم منظومة القيم والمبادئ التي ارادها الله للبشر. عندئذ نتمكن من تحويل هذه الحقيقة الى جملة مكاسب تساعدنا في النهوض والتقدم من جديد. وهذا ممكن جداً، بخطوات عملية منها:

 

• أولاً: الأمل وليست الأمنية

بسبب حدّة الازمات في بلادنا، باتت المسافة قريبة، وحتى لصيقة بين مفهومي الأمل والأمنية، فالواحد منّا يأمل الخير والأمان والاستقرار في مختلف جوانب حياته، لكن عندما لا تتحقق هذه الآمال بالشكل الصحيح والمطلوب، عندها نعرف أننا كنا نستريح الى أماني هي أقرب الى أحلام اليقظة من الأمل المقرون بالعمل، وهو الذي يدعونا اليه الاسلام من خلال الاحاديث الشريفة للمعصومين، وقبلها القرآن الكريم، عندما يحذرنا من مغبة السقوط في شراك اليأس. ومن بديع البلاغ القرآني أنه يبين هشاشة الأمنية وعدم جدوائيتها في ثلاث آيات، بتعبيرات مختلفة، فيما يتطرق الى اليأس، نقيض الأمل، في آيات أخرى، بل ويؤكد حقيقة باهرة، أن اليأس، الذي يعد من الافرازات النفسية لدى الانسان، بسبب عوامل متعددة، فانها تمثل دائماً المنطلق نحو الأمل المشرق وتحقيق الاهداف المنشودة. وأقوى مثال يورده القرآن الكريم، في أرقى الشخصيات الانسانية، وهم الانبياء؛ {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا...}، (سورة يوسف، 110).

هذه الاصالة في المفهوم هو الذي يمنحنا القوة الحقيقية في ميادين العمل والسعي دائماً للتغيير والتطوير. وهي نفسها تمثل عامل استيعاب عظيمة لأكبر أمواج الفتن والمشاكل التي نعيشها اليوم، بل حتى التي ربما تداهمنا غداً. ولا أدل على ما نقول؛ القرون الخوالي التي أعقبت غيبة إمامنا الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، وما جرى على الأمة من ويلات ومحن، وتحديداً على الشيعة واتباع أمير المؤمنين، عليه السلام، لكن الى اليوم، نلاحظ، ويلاحظ العالم وجود التشيع على الارض بقوة واقتدار، في الميادين كافة، وهم يبشرون العالم بما لديهم من بديل حضاري متكامل للبشرية جمعاء ينجيهم من كل مشاكلهم، وقد لفت المفكرون والباحثون هذه النقطة، وعَزَوها الى عامل - من جملة عوامل- الأمل المتجذر من الايمان العميق بالقيم والمبادئ. فرغم ما واجههوه من الانظمة الحاكمة طيلة القرون الماضية، إلا انهم ما يزالون في الساحة، مع ثبات كامل في العقيدة، وتحقيق بعض التطور في الفكر السياسي والاجتماعي.

 

• ثانياً: الإيمان كلّه، لا بعضه

بما ان قضية الغيبة، والظهور، والمنقذ، من اساسيات الدين، فقد سبقنا الانبياء في البشارة بوجود المنقذ من آل محمد، الى جانب التصريح من نبينا الاكرم، والأئمة الاطهار، صلوات الله عليهم، فهذا يعني أن الايمان يجب ان يكون شاملاً لا تبعيضياً. فكما أن الصلاة يجب ان تكون مقرونة بالنهي عن الفحشاء والمنكر، فان التغيير الحقيقي المنشود في الامة، لن يمر إلا عبر الايمان بوجود المنقذ. وهذا الايمان تترتب عليه مسؤوليات والتزامات إزاء الامام الغائب، عجل الله فرجه، وهو ما يوجهنا اليه، علماؤنا الاعلام، بتقوية العلاقة بالامام من خلال أعمال عديدة نقوم بها في مناسبة أو غيرها، مثل الأدعية والأذكار والصلوات وغيرها، بحيث تجعل الانسان يعيش حالة الانقاذ والنجاة يومياً، ويشعر، وهو يمارس دوره في الحياة، وكأنه يشارك في عملية الانقاذ هذه، وليس متفرجاً ومترقباً لما سيحصل.

 

• ثالثاً: الايمان عن قناعة

ان القضية اكبر بكثير من مجرد افكار ونظريات، فربما يؤمن البعض بفكرة ما او نظرية، بدوافع عديدة، ربما منها لمصلحة خاصة ومحصورة بعامل الزمان والمكان، او لدوافع الانتماء القبلي والاثني وغير ذلك، مما يجعل القضية عرضة للتغيير في أي وقت يستوفي فيه الانسان حاجته او تنتفي الحاجة اساساً من المصدر! وهذا ما يحصل كثيراً في بلادنا. كما انها لا تتحقق من خلال التبليغ للأحكام الشرعية والتثقيف على الالتزامات بالفرائض الدينية والقيم الاخلاقية، إنما من خلال تحقيق القناعة القلبية الكاملة، وهذا ما حصل مع النبي ابراهيم، وهو من الانبياء العظام وأولي العزم، فطلب من الله تعالى، أن يطمئن قلبه بالايمان في قدرته على إحياء الأموات، وكان ما حصل في القصة التي يذكرها القرآن الكريم.

إن حاجة العالم الى القيم الانسانية، والحلول الجذرية الحقيقية، تعزز الاعتقاد بأن من يحظى بالقدرة على تحقيق كل هذه الآمال المنشودة للبشرية، فضلاً عن الامة الاسلامية، ليس انساناً عادياً، يعود الى بلد معين -مثلاً - او بحاجة الى جملة تحالفات وسياسات خاصة وامكانات معينة وغير ذلك، إنما يمتلك ما يفوق كل ذلك من الامكانات المادية البسيطة. وحتى لا يجرنا الحديث عن آليات التغيير التي يتبعها الامام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، في عصر الظهور، فهذه ليست من اختصاصنا، إنما نؤكد على أن المسار الذي يمضي عليه، هو امتداد للرسالة المحمدية التي اضاءت للعالم أنواراً في العلم والمعرفة ومنظومة القيم والاخلاق، وللدليل على ذلك، ما يشكو الكثير منّا وجوده في الغرب وانعدامه في بلادنا الاسلامية، من قيم انسانية واستفادة كبيرة من العقل والارادة لتحقيق قدر لابأس من السعادة والاستقرار للشعوب الغربية، وحتى الشعوب التي جربت النهوض والتقدم، مثل الشعب الصيني والكوري الجنوبي، وغيرهما.

وبعد كل هذا يتضح أن التحديات التي تواجهها الامة في عقيدتها وكرامتها ومصيرها، لا يصدر من زمرة من المتطرفين التكفيريين، وربما أقل من ذلك؛ هم عناصر احترفت القتل تنفيساً عن جملة من عقد الحقارة والضياع التي عاشوها في بلدانهم، إنما هي بالحقيقة تعود الى جهات دولية تسعى جاهدة بكل ما أوتيت من قوة تفكير وتخطيط، لبسط هيمنتها على العالم الاسلامي، من خلال تفريغ هذا العالم من محتواه الحضاري والمعنوي، وتجريده من أي أمل في الحياة الهانئة والكريمة. ولا أدلّ على ذلك، من تصدير الديمقراطيات بنسخها المشوهة الى دول لم تفقه شيئاً عن حرية التعبير والمشاركة السياسية بالشكل الموجود في الغرب. فتمّ استبدال ديكتاتوريات عسكرية وفردية، في بعض الدول، بدكتاتوريات حزبية وشخصية في ظل التجربة الديمقراطية المزعومة. فهل يجب ان نصدق أن هذه الديمقراطية، جاءت لتبشر بالخير والسعادة والتقدم لشعوبنا؟!

إن حالة الارتداد الجماهيري في جميع الثورات التي شهدتها بلادنا الاسلامية، على واقعها الجديد، واستذكار القديم المُنهار، رغم مساوئه، لهي ظاهرة تنمّ عن عمق اليأس الذي يضرب الشعوب من وجود البديل الصالح الذي ينقذهم بشكل لا رجعة فيه، من جميع ازماتهم ومشاكلهم. وهذا تحديداً ما يريده الآخر المتربص بنا الدوائر، سواءً حصل هذا بتخطيط مباشر منه وتنفيذ أيادٍ منه، أو بفعل العوامل الداخلية وهشاشة الوضع النفسي والمعنوي لدى الامة، فالنتيجة واحدة. كما ان الحل لتصحيح المسار واحد  ايضاً، وهو التسلّح بسلاح الأمل الثائر والايجابي البناء الذي يستوحي قوته من بركات وجود الامام الحجة المنتظر - عجل الله فرجه-.


ارسل لصديق